ورجل الفطرة، والتراب، والوقت، ذلك هو الرصيد الذي تضعه العناية الإلهية بين يدي أي مجتمع يريد النهوض (19) . ويبقى الإنسان هو الشرط الأساس لكل حضارة، فهو محور الفاعلية في حركة الحضارة، وهو الذي يعطي ويحدد القيمة الاجتماعية لهذه المعادلة-السابقة الذكر- لأن التراب والوقت -إذا اقتصر عليهما فحسب- لا يقومان بأي تحويل اجتماعي (20) .
وإذا جئنا إلى الإنسان، فإننا نجده يؤثر في حركة المجتمع بثلاثة مؤثرات: بفكره، وبيده (عمله ) ، وبماله، ومن هنا فإننا بإزاء ثلاث مسائل متعلقة بالإنسان، هي الحاجة إلى العناية بفكر الإنسان (ثقافته ) ، والعناية بتوجيه عمله ليحقق الفعالية القصوى، والعناية بماله ليدخل في استثمار اجتماعي منتج (21) . فالمجتمع الذي يتمكن من بناء عالم ثقافي منسجم مع سنن الآفاق والأنفس والهداية، ويحسن استثمار إمكاناته البشرية والمادية على ضوء ذلك، يضطرد نموه، وتتضاعف إنتاجيته الحضارية، ويمتلك في نهاية المطاف القدرة على الإشعاع والامتداد في التاريخ (22) ، ويستطيع القيام بإنجاز تركيب للحضارة.
منظور دراسة (ابن نبي) رحمه الله للظاهرة الحضارية الغربية
1-الدورة الحضارية:
تشكل نظرية الدورة الحضارية، المدخل الذي يمكِّن من فهم المنظور الذي درس من خلاله (ابن نبي ) الحضارة الغربية.. فالدورة الحضارية، باعتبارها من أهم أدواته التحليلية في دراسة وتحليل الحضارة، ترتكز على المبدأ الذي وضعه (ابن نبي ) ، ويتلخص في أن الحضارة يحكمها قانون الهجرة أو الدورة، والذي في حقيقته يعني استمرار الحضارة وتنقلها من مكان نفدت فيه عناصرها (شروطها ) الأولية إلى مكان آخر توفرت فيه هذه الشروط، لتنطلق منها في دورة جديدة تواصل به سيرها إلى أن ينتهي التكليف وتنقضي سنة الحضارة والعمران البشري.. فسنة التداول الحضاري نقطة مهمة في فهم المنطلق الذي من خلاله درس (ابن نبي ) الحضارة الغربية، وأفرد لها جانبًا مهمًا في معظم كتاباته، وفي نظريته في البناء الحضاري.
وفي دراسته لـ (الظاهرة الدورية ) (1) ، يصدر الفصل بقوله تعالى: (وتلك الأيام نداولها بين الناس ) (آل عمران:140) ، ليؤسس عليها قانونه في الدورة الحضارية، أو بتعبير آخر قانون التداول الحضاري. فيرى (ابن نبي ) -رحمه الله- أن دراسة التاريخ لها جوانب متعددة; منها الجانب الفردي بالقياس إلى الفرد وبالتالي هو دراسة نفسية، ومنها الجانب الاجتماعي وبالتالي فالتاريخ من هذا الجانب دراسة اجتماعية، إذ يكون دراسة لشرائط نمو مجتمع معين. وهو إذ يعتبر ابن خلدون أول من اكتشف منطق التاريخ، من خلال نظريته في أعمار الدولة، ودور العصبية في تحقيق سنة التداول، فإنه ينتقد ابن خلدون في ضيق مفهومه لدراسة أعمار الدولة، وضيق مفهومه عن العصبية والدولة، على الرغم من أن ابن خلدون أول من اكتشف الظاهرة الدورية التي طورها (ابن نبي ) رحمه الله وجعلها أساس نظريته في دورة الحضارة. وكذلك ينتقد (أرنولد توينبي ) في نظرية المجال الجغرافي (2) ، إذ أن (نمو مجتمع معين لا يقوم على حقائق الجنس أو عوامل السياسة، بقدر ما يخضع لخصائصه الأخلاقية والجمالية والصناعية المتوافرة في رقعة تلك الحضارة ) (3) .
على أن نمو المجتمع المرتبط بتوفر مجموعة من الخصائص في رقعة حضارته، لا يجعله ينعزل عن العالم، بل إن تطوره مشروط ببعض الصلات الضرورية مع بقية المجموعة الإنسانية. فالاكتفاء بـ (مجال الدراسة ) بمفهوم (توينبي ) ، يعزل الجانب الغيبي (الميتافيزيقي ) للتاريخ، الذي يتطلب التجاوز بالدراسة إلى ما وراء السببية التاريخية، لكي نلم بالظواهر في غايتها، فهناك خلف الأسباب القريبة أسباب بعيدة، تخلع على تفسير التاريخ طابعًا كونيًا (4) . فهذه الأبعاد الكونية لحركة التاريخ، ونمو الحضارة، يجعلها (ابن نبي ) مبررًا لكي (ندرس التطور الحديث في العالم الإسلامي، آخذين بعين الاعتبار علاقات هذا التطور القائمة أو الممكنة مع الحركة العامة في التاريخ الإنساني ) (5) .
وإذا كان من الصعوبة بمكان أن نحدد ونعرف جذور هذه الحركة بدقة في الزمان والمكان، حيث إن أبعادها التاريخية تتحرك في رقعة غير ثابتة، من خلال التعاقب بين الحضارات، فإننا أمام جانبين جوهريين للحضارة; (الجانب الميتافيزيقي أو الكوني ) ، وهو جانب ذو هدف وغاية، والجانب (التاريخي ) الاجتماعي، وهو جانب مرتبط بسلسلة من الأسباب) (6) . وهذا الأخير، تتمثل فيه الحضارة كأنها مجموعة عددية تتتابع في وحدات متشابهة، ولكنها غير متماثلة، وهكذا تتجلى لأفهامنا حقيقة جوهرية في التاريخ هي: (دورة الحضارة ) (7) .
فالمجموعات العددية المتتابعة هي الحضارات المتعاقبة، تتشابه في أنها تمثل كلها حلقات متصلة في الملحمة الإنسانية الخالدة، وتختلف عن بعضها من حيث إن (كل دورة محددة بشروط نفسية زمنية خاصة بمجتمع معين ) (8) . فإذا توفرت هذه الشروط كانت حضارة، ثم إنها تهاجر إذا ما اختل تركيبها إلى موطن آخر، لتتحول معه إلى حضارة أخرى، وفق التركيب الخاص للإنسان والتراب والوقت.
ومن هنا فإن (ابن نبي ) ينتقد الذين ينظرون إلى مشكلة العالم الإسلامي بسطحية ومعزل عن التيار العام للإنسانية، والقانون الذي يضبط انتقال الحضارة في شروطها النفسية والاجتماعية، ويقول: (هذه الملاحظات تدفعنا إلى أن ننتقد مسلك بعض الباحثين حين ينظرون إلى ظاهرة(الحضارة) منفصلة عن ظاهرة (الانحطاط) ; وإن العالم الإسلامي لفي مسيس الحاجة في هذه النقطة إلى أفكار واضحة تهدي سعيه نحو النهضة، ولهذا فإن مما يهمنا في المقام الأول أن نتأمل الأسباب البعيدة التي حتمت تقهقره وانحطاطه ) (9) .
وفي دراسته لانحطاط العالم الإسلامي، والسبيل إلى تحقيق النهضة، يدعو إلى تأمل دورة التاريخ وتسلسله، لتحقيق إدراك واع (بمكاننا من دورة التاريخ، وأن ندرك أوضاعنا، وما يعتورنا من عوامل الانحطاط، وما ننطوي عليه من أسباب التقدم. فإذا ما حددنا مكاننا من دورة التاريخ، سهل علينا أن نعرف عوامل النهضة أو السقوط في حياتنا ) (10) .
فتحديد المكان الذي نوجد فيه يسهِّل علينا كثيرًا معرفة إمكانياتنا، كما يساهم في تحقيق وعي بأسباب التخلف وعوامل النهوض الكامنة في ذاتنا، وإذا ما غاب هذا التحديد، فإننا قد ننهمك في حل إشكالات ليست حقيقية، أو أن صلتها بأزمتنا الحضارية صلة واهية أو معدومة، إذ من الواضح أن (الفرق شاسع بين مشاكل ندرسها في إطار الدورة الزمنية الغربية، ومشاكل أخرى تولدت في نطاق الدورة الإسلامية ) (11) . فهناك فرق في الطور بين مشاكل مجتمع يعمل على التخلص من ركام التخلف والدخول في دورة حضارية جديدة، وبين مشاكل مجتمع في قمة حضارته.
ولعل من أعظم ملامح زيغنا وتنكبنا عن طريق التاريخ، أننا نجهل النطقة التي منها نبدأ تاريخنا، مما جعلنا نراوح المكان، بين أن نحتمي بالتاريخ، أو نطفر إلى الإمام طفرة عمياء في حركتنا نحو الغرب (12) ، ولهذا يؤكد (ابن نبي ) أنه: (لا يجوز لأحد أن يضع الحلول والمناهج، مغفلًا مكان أمته ومركزها، بل يجب عليه أن تنسجم أفكاره، وعواطفه، وأقواله، وخطواته مع ما تقتضيه المرحلة التي فيها أمته، أما أن يستورد حلولًا من الشرق أو الغرب، فإن ذلك تضييعًا للجهد، ومضاعفة للداء، إذ كل تقليد في هذا الميدان جهل وانتحار ) (13) .