غير أن هذا لا يدفع إلى الانعزال عن بقية الإنسانية والتعلم من التجارب التي يتم إنجازها، وبخاصة في عالم يشهد انحسار الحدود، وتقريب المسافات بين الشعوب والأمم والحضارات، مما يدفعنا إلى تحديد مكاننا من منطلق واقع اجتماعي معيش.
ومن هذه الرؤية الواقعية ينطلق (ابن نبي ) ، باعتبار أن العالم يتجه نحو التوحد، ولا يمكن للعالم الإسلامي أن يعيش في عزلة.. وعلى الرغم من أن حلول العالم الإسلامي لا تأتي من خارج حدوده، فإنه مطالب أن يتعلم من التجارب الإنسانية، ومنها التجربة الغربية، التي شهدت إنجازات كبرى كما شهدت إخفاقات كبرى في جوانب أخرى تتصل من قريب أو من بعيد بالمشكلة الإسلامية في بعض جوانبها.
2-الحاجة إلى معرفة الغرب:
يقول (ابن نبي ) ، وهو يتحدث عن صلة الغرب بالمشكلة الحضارية في العالم الإسلامي: (ولا شك أن هذا الإشعاع العالمي الشامل الذي تتمتع به ثقافة الغرب، هو الذي يجعل من فوضاه الحالية مشكلة عالمية، ينبغي أن نحللها وأن نتفهمها في صلاتها بالمشكلة الإنسانية عامة، وبالتالي بالمشكلة الإسلامية ) (14) .
وهذا لا يجعل العالم الإسلامي تابعًا في حلوله للغرب، وإنما يتطلب منه أن يعرف التجارب حتى يتحقق من مدى نسبيتها ومدى قابليتها للنقل والاستفادة، فإذا ما أدرك العالم الإسلامي أن صدق الظواهر الأوروبية مسألة نسبية، فسيكون من السهل عليه أن يعرف أوجه النقص فيها، كما سيعرف عظمتها الحقيقية، وبهذا تصبح الصلات مع العالم الغربي أكثر خصوبة، ويسمح ذلك للنخبة المسلمة أن تمتلك نموذجها الخاص، تنسج عليه فكرها ونشاطها. فالأمر يتعلق بكيفية تنظيم العلاقة وعدم الوقوع في الاضطراب كلما تعلق الأمر بالغرب.
فالعالم الإسلامي منذ بداية الجهود التجديدية الحديثة يضطرب، كلما تعلق الأمر بالغرب، غير أن هذا الأخير لم يعد له ما كان يتمتع به من تأثير ساحر، وجاذبية ظفر بها على عهد أتاتورك.. فالعالم الغربي صار حافلًا بالفوضى، ولا يجد فيه المسلم الباحث عن (النظام ) نموذجًا يحتذيه، بقدر ما يجد فيه نتائج تجربة هائلة ذات قيمة لا تقدر، على الرغم مما تحتوى من أخطاء، بل بسبب ما بها من أخطاء (15) .
فالغرب تجربة تعد درسًا خطيرًا لفهم مصائر الشعوب والحضارات، فهي تجربة مفيدة لبناء الفكر الإسلامي، وتحقيق الوعي السنني، الذي ينسجم مع البعد الكوني لحركة التاريخ، ذلك البعد الذي يسبغ على حركة انتقال الحضارة قانونًا أزليًا أشار إليه القرآن في الآية السابقة الذكر (16) .
فالتأمل في هذه التجربة التي (صادفت أعظم ما تصادفه عبقرية الإنسان من نجاح، وأخطر ما باءت به من إخفاق، وإدراك الأحداث من الوجهين كليهما، ضرورة ملحة للعالم الإسلامي في وقفته الحالية، إذ هو يحاول أن يفهم مشكلاته فهمًا واقعيًا، وأن يقوم أسباب نهضته كما يقوّم أسباب فوضاه تقويمًا موضوعيًا ) (17) .
وحتى تنظم هذه العلاقات، ويستفاد من هذه التجربة البشرية، ويدرك مغزى التاريخ، لا بد من فهم هذا الغرب في عمقه، وتحديد خصائصه، ومعرفة ما يتميز به من إيجابيات وسلبيات، حتى لا تكون معرفتنا به سطحية مبتسرة، وأفكارنا عنه عامة وغير نابعة من إطلاع متأمل، وبالتالي يكون وعينا به مشوهًا أو جزئيًا. ولهذا ينتقد (ابن نبي ) الطلبة والباحثين المسلمين في صلتهم بأوروبا، بأنها صلة تجارية أو وظيفية، بدل أن تكون صلة تأمل وإدراك لسر حركة التاريخ في أوروبا.. ويقول: (نرى' أن الطالب المسلم لم يجرب حياة أوروبا، بل اكتفى بقراءتها، أي أنه تعلمها دون أن يتذوقها. فإذا أضفنا إلى ذلك أنه ما زال يجهل تاريخ حضارتها، أدركنا أنه لن يستطيع أن يعرف كيف تكونت، وكيف أنها في طريق التحلل والزوال لما اشتملت عليه من ألوان التناقض، وضروب التعارض مع القوانين الإنسانية ) (18) .
وإذا كان القرن العشرين قد تميز -كما أسلفنا- بتقريب المسافات، واتجاه البشرية نحو التوحد، في مصيرها، وفي علاقاتها، فإن المثقف المسلم نفسه ملزم بأن ينظر إلى الأشياء من زاويتها الإنسانية الرحبة، ويرتقي إلى إطار الحضور العالمي، وعيًا وإنجازًا، حتى يدرك دوره الخاص ودور ثقافته في هذا الإطار العالمي (19) ، إذ لا يمكن أن نطرح مشاكلنا في زمن (العالمية) (20) ، دون أن نأخذ في الاعتبار كل المعطيات السياسية والجغرافية (21) .
وتحديد الصلة بالغرب وبغيره من الكيانات الحضارية، يعطينا تحديدين مهمين في إنجاز مشروعنا التجديدي:
التحديد الأول; هو التحديد السلبي، من خلال إدراك نسبية الظواهر الغربية، ومعرفة أوجه النقص فيها وأوجه العظمة الحقيقية.
والتحديد الثاني; هو التحديد الإيجابي، من خلال تحديد ما يمكن أن نسهم به في ترشيد الحضارة الإنسانية وهدايتها.
وهذا في حد ذاته ينضج ثقافتنا ويعطيها توجهًا عالمىًا، فمن (المفيد قطعًا أن ننظر إلى مشكلة الثقافة من زاوية عالمية... فإذا ما أدرك المثقف العربي المسلم(22) مشكلة الثقافة من هذه الزاوية، فسوف يمكنه أن يدرك حقيقة الدور الذي يناط به في حضارة القرن العشرين ) (23) .
ولهذا نجد (ابن نبي ) يؤكد على أن هناك وحدة في المشكلة الإنسانية تنبثق عن المصير المشترك (24) .
كما نجده يؤكد على فكرة وحدة التاريخ الإنساني -في القرن العشرين- بقوله: (فوحدة التاريخ تتأكد في القرن العشرين بطريقة لا تدع مجالًا لفكرة(الوحدات التاريخية) المستقلة، التي تفهم فيها كل وحدة في حدودها; فلقد دخلت الإنسانية مرحلة لم يعد ممكنًا فيها تحديد مجال الدراسة الخاص على طريقة (توينبي) . ولعله للمرة الأولى ينبغي على التاريخ أن يضع مشكلته وضعًا منهجيًا في المصطلحات الميتافيزيقية ) (25) .
كما يولي (ابن نبي ) رحمه الله عناية خاصة بأهمية الرؤية المتوازنة للأشياء، ولذلك نجده ينتقد موقف المثقفين المسلمين من الغرب، الذين يتخذون مواقفهم بشكل حدي مطبوع بطابع ثقافة (ما بعد الموحدين ) ، التي ترى أن الشيء إما طاهر مقدس وإما دنس حقير. ويرى أن عددًا كبيرًا من المسلمين، لم يرحل في طلب العلم بالغرب، ودراسته في جوهره. فالحركة الحديثة (26) لا تعدو على هذا مستوىً يتخبط فيه مجتمع فقد توازنه التقليدي، إذ هي مكونة في جوهرها من عناصر خالية من المعنى، مأخوذة عن المدرسة الاستعمارية، ثم يضاف إلى هذه العناصر، بعض العناصر الأخرى التي التقطتها اتفاقًا الشبيبة الجامعية، التي نشأت في طبقة متوسطة، وأقامت في أوروبا إقامة قصيرة لم تهدف من خلالها إلى معرفة الحضارة الغربية (27) .
ومن ثم وجدنا المسلم يحكم على النظام الأوروبي الذي يحيط به أو الذي يستشعر وجوده في مطالعاته المبتورة، فأفكاره عن الحضارة الأوروبية تصدر عن ذلك الحكم المبتسر، وعن تلك العلاقة السطحية -الوظيفية أو التجارية- بينه وبينها. وهذا مرض متجذر في ذاتنا منذ قرون مضت، حينما صار الفكر الإسلامي عاجزًا عن إدراك حقيقة الظواهر، فلم يعد يرى منها سوى قشرتها; وأصبح عاجزًا عن فهم القرآن، فاكتفى باستظهاره، حتى إذا انهالت منتجات الحضارة الأوروبية على بلاده اكتفى بمعرفة فائدتها إجمالًا، دون أن يفكر في نقدها، وتفهمها، وغاب عن وعيه أنه إذا كانت الأشياء قابلة للاستعمال، فإن قيم هذه الأشياء قابلة للمناقشة (28) .