إن الإنسان الذي يوقى شحّ نفسه، ويتحرّر من ذاتيته وأنانيته فإنه سيلحق بتجمّع الرساليين عبر التاريخ؛ وينضمّ إلى صفوف شخصيّات عظيمة مثل آدم، وإدريس، ونوح، وإبراهيم الخليل، وموسى بن عمران، وعيسى بن مريم، ونبينامحمدصلى الله عليه وآله وسلم والأئمة الأطهارعليهم السلام وسيلتحق بركب الحضارة التاريخية، ولذلك قال تعالى: (وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) ، وهذه هي الصفة الأساسية التي تتفرّع منها سائر الصفات.
إننا إذا أردنا أن نعرف أنفسنا، وهل نحن في عداد هؤلاء الأشخاص الرساليين، فإن مقياسنا في ذلك هو الصفات الفرعية، فإن كان الواحد منا محبًا للمهاجرين، ولايجد في صدره حاجة مما أوتي، وكان مؤثرًا على نفسه ولو كان به خصاصة، فحينئذ سيكون ممّن قال عنهم عز وجل: (وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) .
الوحدة منطلق تأسيس الحضارة
إننا قد لا نعيش أزمة حضارية، وقد لا نمر بالغليان الثوري الذي يهزّ المجتمع من الأعماق فنحتاج إلى الإيثار، ولكننانعيش -لا ريب- في حالة نحتاج فيها إلى الوحدة، ولذلك يقول اللَّه تعالى: (وَالَّذِينَ جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا) . فبداية تأسيس الحضارة، ومنطلق الوحدة اعتراف الإنسان بالذنب، واعترافه باحتمال أن يصدرالخطأ منه برحابة صدر، وإلا فإن أرضية الوحدة لا يمكن أن تتهيأ أبدًا.
إن هذه الأرضية تتطلّب مني أن اعترف بخطأي، واستغفر اللَّه، قبل أن أشير إلى أخطاء الآخرين، واستغفر لهم. وإلى هذاالمعنى يشير قوله تبارك وتعالى: (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ ) . والغل يعني أن تضمر في نفسك السوء للآخرين، فإن كان هذا السوء يعني أن تحبّ لنفسك ما لا تحب لهم، وتكره لها ما لا تكرهه لهم، فإن هذامعناه أنك تحب أن يرتكبوا خطأ، وينزلقوا، ويتوقفوا عن التحرك إلى الإمام. فالغل هو أي سوء تضمره في نفسك للآخرين، ولذلك يقول عز وجل محذّرًا من هذه الصفة: (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا رَبَّنَآ إِنَّكَ رَؤوفٌ رَحِيمٌ ) .
والملاحظ هنا أن اللَّه سبحانه استخدم صفة الرأفة والرحمة عندما تحدث عن ضرورة أن يكن المؤمنون الحبّ لبعضهم البعض. وهذا معناه أننا عندما نريد أن نتحدث عن التعاون، والوحدة بين الأصدقاء، فإن علينا أن لا نتحدث معهم بلغةالجبار، ولغة عذاب اللَّه، بل بلغة رحمة اللَّه ورأفته.
إن على الإنسان أن يتخلّق بأخلاق ربه، فعندما تريد أن تتعاون مع الآخرين فلا تحصِ أخطاءهم. فاللَّه سبحانه وتعالى هو الذي يتولى المحاسبة والمراقبة، وهو الذي من أجله نعمل، وهو الغفور الرحيم.
إن هذه هي الصورة الحقيقية للحضارة كما يرسمها لنا القرآن الكريم، فهي ليست مجرّد كلمات وشعارات، أو إنجازات مادية، بل هي مكاسب معنوية قبل كل شي ء، وهي تعاون ينطلق من حالة الإيثار.
ثمّ يصوّر لنا القرآن الكريم الجانب المخالف للحضارة، فيقول: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُواْ يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَروا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ اُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلاَ نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * لَئِنْ اُخْرِجُوا لاَ يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِن قُوتِلُوا لاَ يَنصُرُونَهُمْ وَلَئِن نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الأَدْبَارَ ثُمَّ لاَيُنصَرُونَ ) .
ترى من أي فريق نريد أن نكون؟
إننا يجب أن نجتهد اليوم من أجل أن نكون من الفريق الأول، وللأسف فإن الكثير منّا يرفع شعار الوحدة، ولكنه عندمإ؛
ّّيواجه الواقع العملي سرعان ما ينهار، فتزلّ قدمه بما يرفع من شعار.
إننا نعلم أن هناك خلافات، وأن هناك وجهات نظر مختلفة، وأسبابًا تدعو إلى الشقاق، ولكن لابد أن نتمتّع بتلك النفسيةالرحبة التي تستطيع أن تستوعب الجميع، ولابد من أن نصمد أمام الخلافات، فلا نستسلم لأي إنسان يثيرنا بصورة أوبأخرى بحيث تشتعل حرب لا تبقي ولا تذر بسبب أمور ثانوية تافهة.
أن من العار علينا أن ندخل في صراع مع بعضنا البعض، فالأعداء يتربصون بنا الدوائر، والقرآن الكريم يأمر أن نكون أشداء على الكافرين، أذلّة مع المؤمنين الذين يتمثلون اليوم في التجمعات الإسلامية، والمؤسسات الدينية. صحيح إن هناك الكثير من النفوس الطيبة، ولكن ينبغي أن لا نغفل عن أن الشيطان قد تكون له بعض الخطوط في هذه التجمعات والمؤسسات، وقد يستطيع النفوذ إلى مواقع قريبة من القيادة، ويمرّر إليها بعض الأوراق الصفراء المليئة بالتهم ضد هذاوذاك، فإن لم تكن هذه القيادة متصفة بصفة الإيمان الحق، والحكمة، والرشاد، والتريّث في الأمور فإنها ستقع لا محالة في تلك المزالق الشيطانية.
إن الشيطان قد لا يخدعك -كقائد- بشكل مباشر، ولكنه يخدع من وراءك، كصديقك ومن يعمل معك، أو يخدع الطفيليين الذين يدورون حولك، ويجعلك تنخدع من خلالهم. فلتعلم القيادات أنّها -هي الأخرى- قد تكون طعمةسائغة للدوائر الاستعمارية، لأن وحدتنا تهددهم، وتشكل الخطر الرئيسي عليهم، ولتتذكر قياداتنا إن شياطين الإنس لهم طرق خفية ، فلا تنس هذه القيادات أن مواقعها خطيرة، وعليها أن لا تتورّط في الصراعات، ولا تنسى أن بعض من يحوم حولها قد يثير الخلاف باسمها، وفي هذه الحالة سيضطرّ القائد إلى خوض الصراع بسبب عدم انتباهه وحذره.
وبالطبع؛ فإنه لا بأس أن يعتمد القائد على مجموعة أو أجهزة معينة، ولكنّ القرار النهائي يجب أن يكون بيده، كما يقول عز وجل: (وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ) (آل عمران/159) .
فالحذر الحذر من أن يتدخّل الآخرون سلبيًا في قرارات القائد، وخصوصًا في قضايا الصراع، فإنهم في هذه الحالةسيشعلون نار هذا الصراع، ويتركون القائد يحترق في نارها دون أن يشعر.
إن من الواجب على الأمة الإسلامية أن تنصح القيادة، وربّما يكون من أبرز معاني النصيحة أن تقول لها الحق، ولاتحاول التأثير على قراراتها من خلال التقارير الكاذبة. وهذه هي من أهم واجبات من يحيط بالقيادات في المؤسسات الدينية، أو التجمعات الإسلامية.
وقد يصبح الواحد منّا قائدًا في المستقبل، وأنا أوجّه تحذيراتي هذه بالدرجة الأولى إلى الشباب الرسالي، وإلى طلاب العلم الذين من الممكن أن يتصدّوا لمراكز قيادية في المستقبل، فالفتيا لا تنحصر في مسائل الدماء والطهارة وما إلى ذلك من أبواب الفقه، بل إن المواقف هي فتاوى بحدّ ذاتها، فلنتخذ مواقفنا هذه بوعي وعمق، ولنفكّر ونجيل النظر فيها قبل أن نتخذها. فالفقيه من الممكن أن ينفق عشرات الأيام من أجل أن يعرف حكم مسألة شرعية قد لا يبتلي بها إلا القلةمن الناس، أما بالنسبة إلى المواقف فيبغي أن ننفق عليها أضعافًا مضاعفة من الأيام لكي لا نقع في أخطاء فادحة تسبب الضرر إلى الأمة كلها.
وكل ذلك من الممكن أن نتفاداه من خلال تطبيق الأسس الحضارية التي أشارت إليها الآيات القرآنية السابقة، والتي تعتمد بالدرجة الأولى على الأساس الأكبر المتمثل في سيادة روح المحبة، والتآلف والتعاون بين صفوف المؤمنين.
بصائر الحضارة في سورة المائدة