فهرس الكتاب

الصفحة 203 من 1942

الحديث عن علاقة الدين بالحضارة حديث ذو شجون، وقد أسهب في تفصيلها وشرحها الكثير من المؤلفين والباحثين.

وخلاصة رؤيتنا فيها؛ إن الحضارة والدين يشتركان في الطريق، ولكن الحضارة البشرية -وأعني بها الجوانب الإيجابيةمن مدنية الإنسان- تتوقف عند الحياة الدنيا، بينما يستمر الدين في تنظيم حياة الإنسان في الآخرة أيضًا .

وفي هذا أود أن أتحدث عمّا توصلت إليه من خلال التدبر في سورة المائدة التي نستطيع أن نقول: إنها تحدثنا عن حضارةالمسلمين.

والمعروف عن هذه السورة أنها آخر سورة نزلت على قلب النبي الأمين صلى الله عليه وآله وسلم، ومنها آية إكمال الدين حيث يقول تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا) (المائدة/3) .

ونحن نجد في هذه السورة أيضًا الملامح الخاصة بشخصية الأمة الإسلامية، التي تميّزها عن شخصية المعتنقين للديانات السماوية الأخرى وخصوصًا اليهودية والنصرانية.

مقياس تسمية السورة القرآنية

وقبل أن نتحدث عن البرنامج الحضاري الذي نستخلصه من هذه السورة المباركة، نود أن نقف قليلًا عند كلمة (المائدة) التي سميت السورة بها، بل لماذا سميت السور القرآنية -أساسًا- بالأسماء المعروفة عنها؟

إن اللَّه تبارك وتعالى ينتزع أسماء السور من الواقع، وبالذات من أكثر الحقائق والظواهر إثارةً في هذا الواقع؛ فعندمايحدثنا القرآن الكريم في سورة (البقرة) عن التقوى، ودورها في بناء شخصية الفرد والمجتمع، فإنه على الرغم من ذلك يطلق عليها اسم (البقرة) لأن قصة أصحاب البقرة قصة مثيرة، وهي تتكرر في حياة المجتمعات،حيث أن أغلب الناس يزعمون أنهم متدينون، وأنهم ليسوا منافقين بالمعنى المعروف عن النفاق، ولكنهم - في نفس الوقت - ليسوا مؤمنين بالمعنى الحقيقي للإيمان، وإنما هم عناصر تحب أن تكون مؤمنة، إلا أنهم -في ذات الوقت-يحاولون الالتفاف حول الدين، والقيم، والأحكام، وخصوصًا تلك التي تبدو صادقه وحاسمة وشديدة الوقع عليهم.ولذلك فقد أطلق اسم (البقرة) على هذه السورة المباركة استنادًا إلى الفكرة المستوحاة في قصة بني إسرائيل المعروفة.

وهناك سورة مباركة أخرى تحدثنا عن القيادة الإسلامية التي تمنح المسلمين الانسجام والتكامل والتفاعل، وقد أطلق على هذه السورة (آل عمران ) ، لأن وجود القيادة النزيهة الطاهرة المختارة من قبل اللَّه جل وعلا هو ركيزةوحدة الأمة، ولذلك سميت هذه السورة ب (آل عمران ) .

أمّا السورة التي تحدثنا عن المجتمع الإنساني وخصوصًا المجتمع الإسلامي فتحمل اسم (النساء) ، ذلك لأن الموقف من المرأة هو سمة أساسية في حضارة المجتمعات، وفي تقدمها، أو تخلّفها.

التوجيهات الحضارية في سورة المائدة

والسورة التي نحن بصددها -أعني سورة المائدة- فإنها سميت باسم المائدة التي نزلت على بني إسرائيل في عهد النبي عيسى عليه السلام.

والمائدة -هنا- لا تعني الخوان الذي ينضد عليه أنواع الطعام والشراب، بل إنها تعني -بمفهوم أشمل- ما يسترزق الإنسان به، أو ما يستريح له من طعام وشراب، أو ما يسبّب الرفاه له.

في الآيات الأولى من هذه السورة المباركة تطالعنا فكرتان:

1/ نموّ التعاون.

2/ النهي عن مجموعة من المحرمات؛ كأكل الميتة، والمتاجرة بالقمار، وأنواع السحت.

ترى ما هي العلاقة بين هاتين الفكرتين من جهة، وبين بناء الحضارة الإنسانية المتطوّرة من جهة أخرى؟

الجواب؛ إن الحضارة هي الحضور؛ أي تفاعل الإنسان، وتعاونه مع نظيره الإنسان، وهذا التفاعل والتعاون قائمان على أساس قانون؛ إذا التزم به الجميع فإن التعاون سيسير بانتظام وتصاعد؛ أما إذا لم يلتزموا به، فإن التعاون لا يلبث أن يتحوّل إلى فوضى.

وقد تضمنت سورة المائدة جملة بنود للحضارة، ونذكرها كما يلي:

1/الالتزام بالقانون

ولذلك نجد في الآية الأولى من سورة المائدة أن اللَّه تقدست أسماؤه أمر بالالتزام بالقانون في قوله: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (المائدة/1) . وهذا هو البند الأول من البرنامج الذي سبقت الإشارة إليه، فعلى الجميع أن يلتزموا بالقانون، ويفوا بالعقود التي تمثل القوانين والالتزامات التي يضعها الإنسان في مجال التعامل مع غيره، أيًاكان نوعها.

وهناك من العقود ما هو تجاري، وما هو اجتماعي، ونحن جميعًا سمعنا بنظرية العقد الاجتماعي التي تحاول أن تصوغ النظام السياسي للمجتمعات، فهي قائمة على فكرة أن الإنسان حرّ ولكنه قادر على أن يربط نفسه بعقد، فيكون ملتزمًابه ولا يجوز له أن يتحلل منه، وتقرّر هذه النظرية أن السلطة السياسية تقوم على هذا الأساس؛ أي على أساس أن العلاقة بين أفراد المجتمع والسلطة الحاكمة تقوم من خلال عقد سياسي.

وبناءً على ذلك، فإن الركيزة الأولى للمجتمع المتحضّر هي الالتزام بالعقود والمعاهدات كما يقول تعالى: (يآ أَيُّهَاالَّذِينَ ءَامَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) .

2/ اجتناب المحرّمات

وأما عن البند الثاني يقول القرآن الكريم: (أحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُم ) .

وبعد ذلك يذكر لنا القرآن مجموعة من المحرمات، وهنا علينا أن نلاحظ نوع هذه المحرمات، فهي من النوع الذي لابد من تثبيته لتصفية الحضارة من الطفيليات. فهناك من المجتمعات من هو مبتلى بالطفيليات كما هو الحال بالنسبة إلى الإنسان؛بمعنى أن هناك بعضًا من أفراد المجتمع يعملون، ولكن هناك مجموعة منه تعيش عالة على غيرها، مثل الإنسان المرابي الذي يجلس في بيته وفي نهاية الشهر أو السنة تأتيه الأرباح والفوائد دون أن يبذل أي جهد، وفي الحقيقة فإن هذه الأرباح مبتزّة من جهد سائر أفراد المجتمع.

والنموذج الآخر من المحرمات التي نهى عنها الإسلام هو الأطعمة الخبيثة التي يشير إليها تعالى في قوله: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَآ اُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَآ أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّمَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُب ) .

إن هذه المجموعة من المحرمات هي من نوع آخر فهي ليست من الطفيليات، بل هي من أنواع المحرمات التي لو شاعت في المجتمع فإن روح التكاسل ، والتقاعس سوف تنتشر فيها. فالإسلام يطلب من الإنسان القادر الذي يمتلك النشاطوالقوة أن يعمل، كأن يزرع الأرض، أو يصطاد الحيوانات الحيّة المحلّلة، وينهاه بشدة عن أكل الميتة، أو ما يتبقى من لحوم الحيوانات بعد أن تأكلها الحيوانات المفترسة، أو الحيوانات الميتة نتيجة تعرضها لحادثة من الحوادث كالسقوط والنطح والقتل.. كل ذلك لكي ينمي في الإنسان روح العمل والنشاط وعدم الاتكال على الغير. فالحضارة التي تقوم على أساس تلك الصفات السلبية هي حضارة منهارة لا محالة ، بينما الحضارة المثلى لابد من أن تقوم على أساس النشاطوالاجتهاد والسعي.

ونحن نستطيع من خلال ذلك التحريم أن نستوحي بصيرة ورؤية خاصة بطبيعة الاقتصاد في المجتمع الإسلامي، تقوم على أساس لغو كل نوع من أنواع العمل الكاذب. ونحن إذا درسنا تأريخ الحضارات الناجحة رأينا أن تلك الحضارات لم تكن لتقوم وتزدهر لو كان فيها مجموعة من تلك الأعمال الكاذبة، فكلما استطعنا أن نحذف الوسائط ونلغيها كلّمااستطعنا أن نقترب من المفهوم الحقيقي للحضارة.

3/ الإقبال على الطيّبات

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت