فهرس الكتاب

الصفحة 204 من 1942

البند الثالث يشير إليه سبحانه في قوله: (يَسْأَلُونَكَ مَاذَا اُحِلَّ لَهُمْ قُلْ اُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ ) (المائدة/4) .هذا هو شعار المجتمع الإسلامي، والحضارة الربانية، وتفسير ذلك أن النفس البشرية تعتريها حالتان هما؛ حالةالانغلاق، وحالة الانبساط. فحالة الانغلاق تساوي حالة التخلّف، أما حالة الانبساط فتعادل حالة التحضّر.

ونحن نعلم أن الغالبية العظمى من البشر تسودهم حالة الرهبة والخوف من بعض الأشياء والظواهر المحيطة بهم؛ أي أنهم يمتلكون نظرة تشاؤمية تجاه ما حولهم، وإذا ما درسنا تأريخ الشعوب البدائية وجدنا أنها كانت تعبد الظواهر الطبيعةالمخيفة الموجودة في بيئتها كالبحار والأنهار، والأصوات الغريبة، والصواعق.. لأنهم كانوا يخافون منها، ومن أجل أن يأمنوا شرها -حسب زعمهم- فقد كانوا يعبدونها.

وعلى هذا الأساس؛ فإن الإنسان عندما يكون بدائيًا متخلّفًا فإننا نراه يهاب ويخاف كل شي ء، ونراه يعمد إلى تحريم كثير من الطيبات والأرزاق على نفسه، بل إن الأصل عنده هو الحرمة، أما الحلّية فإنها استثناء بالنسبة إليه، ولذلك فإن الناس في ذلك العصر سألوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم قائلين: (ماذا أحل لهم ) ولم يقولوا: (ماذا حرّم عليهم ) لأنهم يعتقدون أن كل شي ء حرام باستثناء أشياء معدودة.

أما القرآن الكريم؛ فقد أعطاهم القاعدة العامة في ذلك، فقال: (قُلْ اُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ ) ، وقدّم لهم قاعدة: (كل شي ء حلال حتى تعلم أنه حرام ) ، شريطة أن تكون (الطيبات ) هي المدار في الحلّية،ذلك لأن الإنسان إذا اندفع معتقدًا بأن كل شي ء حلال فعله يعمّم اعتقاده هذا حتى على الخبائث، وهذا مما لا يجوز،وعليه في هذه الحالة أن يعود إلى عقله وضميره ووجدانه.

وعليه؛ فإن الإقبال على الطيّبات وتجنب المحرمات هما بند أساسي من بنود الحضارة التي أشار إليها تعالى في قوله: (اُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ ) ؛ أي الاستغلال الصحيح للطبيعة وما فيها، والقرآن الكريم يفتح لنا الآفاق الواسعة في هذا المجال.

4/ النظرة الإيجابية إلى المتعة الجنسية

بعد أن يقرر اللَّه سبحانه وتعالى أصل الحلّية في الاستفادة من نعمه، يصل بنا إلى بند آخر هو بند النظرة الإيجابية إلى المتعة الجنسية. فالإنسان المتحضّر من المفروض فيه أن ينظر نظرة إيجابية إلى متعة الجنس في حدودها الشرعيةوالطبيعية، في حين نرى أن الإنسان البدائي المنغلق على نفسه يتصور خطأً أن التمتّع مع الجنس الآخر هو جزء من الحرام إلا في حالة الاضطرار، ونحن نرى هذه الظاهرة لدى بعض الديانات إذ تحرّم على رجال الدين ممارسة العلاقة الجنسية.

أما الإسلام؛ فيفتح أمام الإنسان الأفق في هذا المجال موضحًا أن العلاقة الجنسية في حدودها الشرعية لا ضير منها؛ بل إنها تعتبر واجبة في بعض الأحيان كان يشعر الإنسان بأنه سيندفع إلى ارتكاب المحرّم في حالة عدم زواجه.

وبناءً على ذلك؛ فإن ممارسة العلاقة الجنسية تعد أمرًا طبيعيًا من وجهة النظر الإسلامية إذا ما تمت على ضوء أحكام الشريعة الإلهية، وأن ليس هناك من داعٍ إلى أن يشعر الإنسان بتأنيب الضمير والكآبة بعد ممارستها، فقد أثبت علم النفس والتربية الحديث أن شعور الإنسان بالندم والكآبة بعد ممارسته للجنس يعد حالة غير طبيعية ناجمة عن عوامل تربوية خاطئة.

وقد أشار سبحانه إلى هذا البند المهم من بنود الحضارة في قوله بعد أن يوضح أن طعام أهل الكتاب حلّ للمسلمين وبالعكس: (...وَالُْمحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالُْمحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ اُوْتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَآ ءَاتَيْتُمُوهُنَ اُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الاَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِين ) (المائدة/5)

ونحن نستوحي من هذه الآية الكريمة أن التعامل مع الجنس يتم خلال مرحلتين؛ المرحلة الأولى باعتباره ضرورة،والمرحلة الثانية بوصفه أكثر من ضرورة. وحسب ما يبدو لي فإن الآية تحدّثنا عن هذا الجانب، فهي لا تقرّر أن الجنس هو ضرورة اجتماعية فحسب، بل يجب أن يتحول إلى متعة بريئة طاهرة، فيكون هناك عقد، ويكون هناك دفع للأجور،وأن يكون بريئًا من السفاح واتخاذ الأخدان. ونحن إذا درسنا تأريخ الحضارات، فأننا سندرك أن هذا البند يمثل نوعًامن التقدم فيها.

5/ الالتزام بالنظافة

إن النظافة هي من أصول الحضارة الإسلامية، فعلى الواحد منا أن لا يتصور أنه يقوم بعمل دوني وضيع عندما يعمد إلى تنظيف الوسط الذي يعيش فيه، بل إن هذا العمل هو من صميم دورنا في الحياة، والقرآن الكريم يرفع مستوى التنظيف إلى درجة بحيث يجعله في بعض الأحيان من الواجبات المقدسة كما يشير إلى ذلك تعالى في قوله بعد أن يأمر بالتوضؤقبل الصلاة: (مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِنْ حَرَجٍ وَلكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) (المائدة/6)

الحضارة مجموعة من القيم السامية أولًا

وفي نهاية هذا البحث لابد أن نذكّر بأن الحضارة ليست مجرد تقنية، وتكنولوجيا، وتوفير للوسائل الترفيهية، بل هي قبل كل شي ء مجموعة من القيم الرفيعة السامية التي يلتزم بها الإنسان، ومن هذه القيم؛ القيم الجمالية، فالإنسان الذي لايستطيع أن يتذوق مظاهر الجمال في الحياة ليس جديرًا بأن يكون متحضرًا. فنحن إذا أردنا أن نصل إلى مستوىً حضاريّ رفيع، فلابد من أن نهتم بالجوانب الجمالية كما نهتم بالجوانب الأساسية في حياتنا، وأن لا نقصر اهتمامنا على الجوانب المادية من الحضارة فحسب، فنتصوّر إن الحضارة هي التقدم في الجانب التكنولوجي والعلمي فقط، بل علينا-بالإضافة إلى ذلك- أن نهتم بالمظهر، وأن نحرص على تكريس المظاهر الجمالية في حياتنا، كالاهتمام بالنظافة، والسعي من أجل أن نكون منضبطين ومنظمين في جميع أمورنا، لأن النظام بحد ذاته- مظهر من مظاهر الجمال التي من شأنها أن تجعل حياتنا جميلة مشرقة في ظاهرها وفي باطنها، علمًا إن الإسلام قد وجّه اهتمامنا إلى هذه الناحية في نصوص كثيرةفي نفس الوقت الذي لفت أذهاننا فيه إلى ضرورة تحقيق التقدم في المحتوى والمضمون.

الإسلام ضمانة الحضارة المنشودة

الحضارة الفضلى الرفيعة التي تصبو إليها الإنسانية المعذبة، والتي وعد بها الإسلام، وبشّرت بها رسالات اللَّه سبحانه وتعالى، هذه الحضارة ترتسم لنا تباشيرها في سورة المائدة الكريمة، وهي خاتمة السور القرآنيّة التي نزلت على قلب نبيّنا محمدصلى الله عليه وآله وسلم.

وإذا ما أمعنّا النظر وتدبّرنا في المعنى العميق لكلمة (المائدة) لوجدنا أنها تجسّد لنا معاني السعادة الإنسانية،والأمن، والاستقرار، وراحة النفس والروح، ذلك لأنّ ظلالها وامتداداتها أوسع وأكبر من مصطلح الحضارة، ومفهوم (المدنيّة) ، حيث أنّ لهذين المصطلحين آثارًا بعيدة عن الصحة والصواب في أطر المفاهيم المادية السائدة،والرؤى السطحية للحياة المعاصرة.

الإسلام روح الحضارة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت