إنّ الحضارة الحقّة التي تفي بمعنى تلك الكلمة، هي التي تجلّت تباشيرها في رسالة السماء الخاتمة، كما تجلّت من قبل في الرسالات السابقة، والتي تجعل من الإنسان وتكامله محور حركتها؛ فهي تعتمد هذا المخلوق الناطق الذي كرّمه اللَّه تبارك وتعالى على كل مخلوق، فلا تلغي دوره أو تهمل جانبًا من حياته، بل هي حضارة عدم الإفراط والتفريط في جميع جوانب الحياة الإنسانيّة، وفي أي بعد من أبعادها؛ وهي الحضارة ذات البناء المتكامل، وهي في داخل الإنسان حضارة الروح والنفس والعقل والجسم، وهي في الحساب الزمني حضارة العصر الحاضر، والزمن الماضي، والمستقبل الآتي. ثم إنّها حضارة المعنويات السامية، والمعاني النبيلة، والقيم والمفاهيم الرفيعة، وحضارة الإصلاح والإحسان والازدهار والتقدم، وهي الحلقة الرابطة بين الدنيا والآخرة، بل هي مقدمة الحضارة الأخروية ، والمبشرة بها.
والحضارة التي ترسمها لنا رسالات السماء وخصوصًا الإسلام في هذه الدنيا هي بمثابة المدرسة التي تصنع الإنسان وتصوغه، فيتخرّج منها البشر الصلحاء الذين يصبحون أهلًا لحضارة الآخرة.
الدعوة السامية إلى البناء الحضاري
ومن بين ثنايا السورة المباركة نفهم وندرك الدعوة السامية إلى البناء الحضاري القائم على الركائز والأسس الإلهية التي تضمّنتها كل رسالات السماء؛ فلو كان الذين اتبعوا النبي عيسى بن مريم عليه السلام قد أخلصوا في اتباعهم ومناصرتهم له، ولوأنّهم أخذوا بالإنجيل طبقًا لما هو في الأصل، وطبّقوه في حياتهم وانتهجوا خطوطه في مسالكهم، ولو أنّ الذين سبقوهم-أعني اتباع النبي موسى عليه السلام- أخذوا بالتوراة كما أنزلها اللَّه سبحانه وتعالى، بلا تحريف ، ولا إضافة، ولا تزييف، ولوكانوا قد تجنّبوا الداء الذي مزّق شمل ووحدة الإنسانية في أطر الأفكار الضيقة والأطروحات الاستعلائية الجاهلية.. لوأنّهم فعلوا كل ذلك لاعتُرف بهم من وجهة النظر الإسلامية والمنظار القرآني شريطة أن يطهّروا عباداتهم وتشريعاتهم من تلك الأفكار والمفاهيم الدخيلة التي تشربت ونفذت إلى معتقداتهم، كفكرة الحلول والخلوص في المسيحية، وفكرةالعنصرية التي دخلت في اليهودية.
ونحن نلحظ ونلمس في الآيات القرآنية إشارات واضحة وعديدة إلى هذه الحقيقة، وهي أن الإسلام زرع لنا بذورالأمل والبشرى بقيام حضارة الإنسان المتكامل، ومن تلك الإشارات الواضحة قوله عز من قائل: (إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ ءَامَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ) (المائدة/69)
وفي آية أخرى من سورة آل عمران يقول سبحانه وتعالى: (قُلْ يَآ أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلِمَةٍ سَوَآءٍ بَيْنَنَاوَبَيْنَكُمْ اَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَيَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّواْ فَقُولُوا اشْهَدُواْ بِاَنَّامُسْلِمُونَ ) (آل عمران/64)
هل تحققت الحضارة التكامليّة؟
وقد يعترض معترض في هذا المجال فيقول: إنّ شيئًا بمعنى (الحضارة التكاملية) لم يتحقق على يد الرسل والأنبياء على امتداد التأريخ الطويل، ولم نلمسه نحن حتى الآن، علمًا أن ألفًا وأربعمائة عام أو يزيد قد انطوت على عمرالرسالة الخاتمة. ولكنني أقول جوابًا على هذه الشبهة إن هذه المدّة ليست بالزمن الذي يذكر عندما نقارنه بالآلاف المؤلّفة من السنين في عمر الرسالات المديد، وعمر الإنسانية على هذه البسيطة. فالإنسان ربما عاش على هذه الأرض كما يرى ذلك علماء الجيولوجيا والتاريخ- منذ أربعة ملايين عام- على تقدير البعض، وربمّا يستمرّ في بقائه عليها إلى ملايين أخرى... ولكن نظرتنا السطحية واستعجالنا للأمور، سببهما أعمارنا الضئيلة قياسًا بتلك المدة المتطاولة.
ونحن لنا رؤية أعمق وأوضح في هذا المجال تختلف عن الرؤى الأخرى، فعمر الإنسان وحياته على هذه الأرض أطول بكثير مما قيل، ودليلنا على ذلك قول الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام: (وقرونًا بين ذلك كثي) ر (7) ثم إن مايدعم نظرتنا واعتقادنا هذين، هو ما تم اكتشافه في بعض الحفريات والآثار، حيث قدّر فريق من العلماء أن وجودالإنسان على كوكب الأرض يعود إلى ما قبل مليون عام!!
ولو نظرنا إلى تاريخ البشرية على الأرض منذ أهبط اللَّه تعالى آدم عليها ثم المضيّ نحو المستقبل الممتد البعيد، فافترضنا-جدلًا- أن كل هذا التاريخ هو بمثابة يوم واحد، لوجدنا أن هناك طفرات هائلة في مقاطع متقاربة جدًا ومتداخلة من هذه المسيرة. وبعبارة أخرى؛ لرأينا أنّ مسيرة التقدم الحضاري تتصاعد بشكل متسارع، فلو أردنا قياس عمر هذاالتطوّر الإنساني وافترضناه يومًا واحدًا فسوف يتضح لنا هذا التقدّم بالشكل التالي: في الساعات الأولى لم يكن الإنسان يعرف شيئًا، وكان طبعه كطبع الحيوانات الوحشية، ثم في الساعة الخامسة من هذا اليوم اكتشف الإنسان النار،وبعدها بساعة اكتشف الزراعة، ثم بعدها بساعة أو ساعتين ظهرت الحياة الاجتماعية، وأقيمت المدن والقرى، وبعدبضعة دقائق من تلك الساعة أقيمت الحضارات، ثم اخترعت الماكنات والآلات، وقامت الثورة الصناعية، وبعد بضع ثوان صنعت المركبات الفضائية، وتم غزو القمر... وهذه هي حركة التقدم البشري، فهي بصورة متوالية هندسيةمعكوسة بالنسبة إلى العمر الزمني؛ أي إنّ الإنسان استغرق سنين طوالًا ربما كانت قرونًا حتى اكتشف النار، ولكن المسافة الزمنية بين اختراع الماكنة البخاريّة واكتشاف الذرة لم تكن إلاّ قرنين، ثم ما هي إلاّ عشرات من السنين حتى وطأت قدماه أرض القمر.. وهذه هي مسيرة البشرية، وانطلاقها السريع نحو الأمام.
ونحن لو أمعنّا النظر مرة أخرى في الفترة الزمنية الأخيرة التي شهدت هذا التقدم الهائل والقفزات السريعة لوجدناهاأنها إنّما حدثت بعد أن بُعث النبي عيسى عليه السلام، ثم نشطت بزخم أقوى بعد بعثة خاتم الأنبياء والمرسلين النبي محمدصلى الله عليه وآله وسلم،وهذا إن دلّ على شي ء فإنّما يدل على أنّ رسالة الإسلام، والمؤمنين الحقيقيين بها هم أصحاب البشارة الحقيقة، والقفزات الكبرى المترقبة.
الحوار بين الحضارات الإلهية
(إِذْ قَالَ الْحَوارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِنَ السَّمآءِ قَالَ اتَّقُوا اللّهَ إِن كُنتُم مُؤْمِنِينَ * قَالُوا نُرِيدُ أَن نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ * قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللّهُمَّ رَبَّنَآ أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِنَ السَّمَآءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لأَوَّلِنَا وءَاخِرِنَا وءَايَةً مِنكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُالرَّازِقِينَ * قَالَ اللّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّي اُعَذِّبُهُ عَذَابًا لآ اُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ ) (المائدة/115-112)
كانت الحياة خلية واحدة ثم نمت وتكاثرت وتنوعت. هكذا يقول علماء التاريخ.