فهرس الكتاب

الصفحة 206 من 1942

فالحضاري في البدء كانت كلمة طيبة ثم أخذت بالنمو حتى أصبحت شجرة وارفة الظلال كثيرة الثمار عظيمة الفوائد.وهذه الحضارات الكبرى التي تضرب بها الأمثال عبر التأريخ لم تكن سوى كلمات طيبة في صدور أولي الذكر، ثم تطورت وتنامت وازدهرت فأصبحت حضارة يشار إليها بالبنان.

وكما كان أصل الحياة من اللَّه الخالق المبدع سبحانه وتعالى الذي يخرج الحي من الميت، كذلك كانت الكلمة الطيبة جذرالحضارة البشرية.

وقد تتفاوت مفردات التعبير عن هذا الاصطلاح، حيث يحلو للبعض من علماء التاريخ أن يعبروا عن أساس وجذرالحضارة بكلمة الفكرة الحية ويعادلون بها كلمة (الخلية الحية) حيث تتكاثر وتتنوع حتى تصبح حياةبأنواعها، كذلك الفكرة الحية تتكاثر وتتنوع فتصبح حضارة.

ولكنني أفضل الاستفادة من التعبير القرآني الأدق والأصح وهو (الكلمة الطيبة) استيناسًا بقوله سبحانه وتعالى: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَآءِ) (إبراهيم/24) . وإذا أردنا تعبيرًا مناسبًا لفكرة الحضارة، فأظن أن أرجح تعبير عن ذلك هو كلمة (المائدة السماوية) .

ولعل الأسباب الكامنة وراء اختيار هذه التسمية هي:

1/ إن مفردة الحضارة مستمدة من الحضور، بمعنى أن يكون هناك أناس حاضرين إلى آخرين حاضرين. وبعضهم يسميها بالمدينة، إذ المجموع يجتمع في مدينة واحدة. وكان العرب من قبل يميزون بين الحضارة وغيرها على هذاالأساس، حتى قال شاعرهم:

ومن تكن الحضارة أعجبته

فأي رجال بادية ترانا

نظرًا إلى أن البدو في الصحراء القاحلة لا يجتمعون على شي ء، خلافًا للحاضرين في المدينة. وعلى هذا الأساس فإن الحضارة والمدنية شي ء واحد، باعتبار أن المدنيين يجتمعون إلى بعضهم، فلا حضارة دون مدينة، ولا مدينة دون حضارة.

2/ لما كان الحضور والاجتماع هو الأساس، فهل يمكن تصور حضور واجتماع دون محور مشترك أو داع مقنع؟

والجواب هو النفي قطعًا، إذ الناس لا يجتمعون ولا يحضرون في مكان واحد صدفة؛ فقد يكون الماء - الذي هو وجه الحياة - أو التجارة أو الفكرة أو المسجد أو.. أساس حضورهم. وحينما ندرس تاريخ المدن نكتشف بأن كل مدينة قدتأسست بسبب محور ما؛ فمثلًا كانت الجزيرة العربية قليلة المياه، وكان الناس يجتمعون حول الماء أينما وجدوه، ثم يتكاثر الجمع حتى يشيدوا مدينة وحضارة.. ولم تكن مدينة مكة المكرمة استثناء عن هذه القاعدة، حيث شيدت على أساس بئر زمزم التي تفجرت تحت قدمي النبي اسماعيل عليه السلام، ثم تكرست مدنية الجمع بعد أن شيد النبي إبراهيم عليه السلام بيت اللَّه الحرام، فأصبحت مدينة مكة المكرمة محورًا حضاريًا لكافة المدن في الجزيرة العربية آنذاك.

الحضارة روح وجسد

وبعد كل ذلك علينا الإجابة عن هذا السؤال المهم، والخطير جدًا، وهو: ماذا يحدث لو اختلف أفراد الحضارة إختلافًامعنويًا؟

إن ما يضمن استمرار المدنية هو القيم والمقدسات الصالحة لا غير، وقد جاء في الحديث النبوي المروي عن الإمام الباقرعليه السلام، يقول: (وإنَّ اليمين الكاذبة وقطيعة الرحم لتذران الديار بلاقع من أهلها) (8) بمعنى أن البلاد التي تنعدم فيها القيم والقوانين ستتحول بمرور الزمن إلى أرض خاوية، فكان لابد من فكرة وقانون ونظام ورؤية وإيمان تحول دون التفكك وتحفظ للمجتمع ذمته واحترامه وأمنه واستمراره في الحياة؛ أي إن الناس إذا اجتمعواوحضروا لمجرد وجود الماء دون إطار قانوني أو محتوى فكري، فإن اجتماعهم هذا سرعان ما ينتهي إلى الاختلاف والتناحر والتفرق والخراب، فتصبح البلاد بلقعًا.

ومن هذه الفكرة استمد علماء التاريخ والحضارة كابن خلدون وتوينبي وآخرون مقولة إن الحضارة أساسها فكرة قبل أن تكون مصلحة مادية، أو إن المصلحة المادية تحتل مرتبة متأخرة عن الأساس الفكري للحضارة.

ونحن نقول: إن الحضارة كلمة طيبة مصدرها اللَّه تبارك وتعالى، لأن اللَّه هو الطيب وهو الخير، وهو الذي يخلق الخيروالجمال، أما الإنسان فهو ربيب الدنيا والشهوة والمصلحة إذ منع على نفسه الخير والجمال.

إذن؛ فالكلمة الطيبة من اللَّه سبحانه وتعالى، واجتماع الناس لابد أن يكون حول شي ء ينزل من السماء ليسمو بهم إلى الأعلى، ونسمي ذلك بالمائدة السماوية التي لا تعني مجرد الأكل والشرب، حيث قد يتحققان بمجرد تناول قرص رغيف وجرعة ماء.. بل المائدة المقصودة سفرة ممدودة وخوان متسع يجتمع الناس حوله ليأكلوا ويشبعوا من طيبه السماوي المقدس.

مائدة من السماء

ولذلك نجد أن سورة قرآنية كاملة، وهي آخر سور القرآن الكريم التي نزلت على صدر نبينا محمدصلى الله عليه وآله وسلم، وهي التي تنسخ سائر السور ولا ينسخها شي ء، قد سميت باسم سورة المائدة، وذلك لقصة تأريخية محورها نبي اللَّه عيسى بن مريم عليهما السلام والحواريون الذين نصروا نبيهم وكانوا بيضًا في ظاهرهم وباطنهم، حيث اجتمعوا حول نبيهم قائلين له: (هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِنَ السَّمآء) . وهذه المقولة رمز لتلكم الفكرة الجميلة التي تتنزل من السماء فيجتمع الناس حولها.

ولا تفوتنا الإشارة هنا إلى أن تساؤل الحواريين بقولهم هل يستطيع ربك لا يعني تشكيكهم أو كفرهم بقدرة اللَّه سبحانه وتعالى، بقدر رغبتهم في معرفة هل أن ما يطلبونه مناسب إلى اللَّه...

وكان أول شي ء واجههم به النبي عيسى عليه السلام هو قوله: (اتَّقُوا اللّهَ إِن كُنتُم مُؤْمِنِينَ ) أي أنكم إذا كنتم تريدون مائدة من السماء فعليكم بالتمحور حول مبدأ وثقافة التقوى التي هي أفضل مائدة وأطيب كلمة.

ولم يكن أمام الحواريين الذين تربوا في ظل الرعاية النبوية إلاّ التسليم لهذه الحقيقة الربانية، ولكنهم في الوقت نفسه تمادوا في الاستكثار من الطلب، حيث طلبوا إلى نبيهم أن يسأل اللَّه لأن ينبئهم بقبول تقواهم وعبادتهم فينزل عليهم المائدة لكي تتجسد التقوى في شي ء ملموس يرونه، فكان أن قالوا:

1/ (نُرِيدُ أَن نَأْكُلَ مِنْهَا) ومن الطبيعي أنهم لم يكونوا جياعًا حتى يطلبوا أكلًا لمجرد إشباع بطونهم، بل إن الأكل من المائدة السماوية الإلهية ليتجسد لديهم رمز المحبة بينهم وبين اللَّه. وبعبارة أخرى؛ إنهم طلبوا من النبي عيسى عليه السلام أن يحملهم إلى ضيافة اللَّه بشكل مباشر وملموس، تمامًا كما يستضيف اللَّه أمة نبيه محمدصلى الله عليه وآله وسلم في شهر رمضان الكريم، حيث يضاعف اللَّه على المسلمين بركاته ونعمه ورحماته في شهر الصيام.

2/ والأهم من الأكل الظاهري هو أنهم قالوا: (وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا) إذ نحن - الحواريون - مؤمنون بأنك روح اللَّه وكلمته وأن الكتاب والحكمة قد أنزلها اللَّه عليك، ولكننا نريد تكريس هذا الإيمان. فأن يسعى المرء إلى حقيقةيطمئن إليها قلبه، فإنه في واقع الأمر يسعى إلى هدف مقدس.

3/ وبعد اطمئنان القلب؛ قلب الحوارين لنبيهم (قَالُوا نُرِيدُ أَن نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَاوَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ ) (المائدة/113) فإنك - يا نبي اللَّه - حينما بشرتنا بالجنة، نريد أن نرى شيئًا منهاعلى هذه الأرض، وهذه كلها رموز لها مصاديقها، تمامًا كما بشر رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم المؤمنين بالجنة وبشرهم أيضًا بأنهم سيكونون ملوكًا في الأرض أيضًا، وقد تحقق لهم ذلك، فصدقهم الرسول.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت