فهرس الكتاب

الصفحة 1736 من 1942

وتأتي عبارة العلم هنا في القرآن الحكيم، للرد على العلمانية المزيفة، فالعلم اقترن في تاريخ الإسلام بالوحي الإلهي، لدرجة أن لفظة حكيم كانت إلى زمن قريب تطلق على الطبيب، في أرجاء العالم الإسلامي كافة. إن ا لذي أصاب المسلمين هو التفريط في هذه العبقرية الحضارية الفريدة، الرابطة بين العلم والدين، وبين العقل والوحي، ومثال علم الطب، نموذج صالح للاعتبار. والكثير من أطبائنا الحكماء المسلمين، يأسفون لهذه القطيعة بين الطب والإيمان وللهبوط الذي أصاب رسالة الطب، حينما تحولت إلى صناعة، يوجه إليها الطلبة حسب معدلات الثانوية العامة، فأصبح الطب علمًا بلا حكمة، إلا من رحم ربك من ذلك المعدن الإنساني الباقي، والذي لم يجر لاهثًا وراء ربح مادي سريع، وجاه دنيوي زائل. وقد أحسن الدكتور زيدان تفكيرًا عندما قرن ذلك الهبوط المؤسف في الحكمة، بهبوط أعم وأشمل في العلاقات الاجتماعية، بين المسلمين، وهبوط في سلم القيم الحضارية، التي تشكل نسيج هويتهم، وهبوط في مستوى التعامل الأخلاقي، بين أفراد الأمة الإسلامية وشعوبها. فلا غرو إذن أن يتحول الطب إلى مهنة عادية، والعلاج إلى صناعة، والاستشفاء إلى تجارة، حتى إن الاستثمار بمعناه المادي الربوي، دخل إلى هذا المجال الشريف، فأخضعه إلى نواميس السوق والعرض، والطلب، مما جعل مجهود الحكومات في العلاج الرخيص، أو المجاني، يصبح كأنه ملجأ للصدقة والزكاة، أمام المستشفيات ذات النجوم الخمسة الاستثمارية.

وأستسمح القراء الكرام أن أستعيد معهم بعض معالم الطب الإسلامي وتاريخه الحافل بالأمجاد، فهو الطب الذي غذاه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بما يلزم من سمو روحي، ورفعة أخلاقية، جعلته - منذ عهد طبيب الرسول والصحابة حارث بن كلدة الثقفي - أداة مثلى لإنقاذ الجسد والروح، وعلاج الألم والريبة بواسطة الدواء والإيمان معًا. وهذا هو سر حكمة الطب الإسلامي: اكتشاف عظيم للنفس البشرية، التي ألهمها الله سبحانه فجورها وتقواها، وأعلن في السورة نفسها أنه قد أفح من زكاها، وقد خاب من دساها.

كما أن المسلمين هم أول من أعاد بعث قسم أبقراط، ونجد له فصلًا وافيًا عند أبي أصيبعة في كتابه:"عيون الأنباء لطبقات الأطباء"، وثبت أن أوروبا لم تعرف قسم أبقراط إلا عن طريق هذا الكتاب الإسلامي في القرن الثالث عشر المسيحي، ثم هلت على العالم أنوار بن سهل الطبري، والرازي، وابن سينا، وسواهم حتى استوت في الدنيا مدرسة الحكمة، بعد أن كانت أوروبا قبل التقائها بالثقافة الإسلامية الأندلسية، تعتبر المرض حلولًا للشيطان في جسم الإنسان، تعالجه بالحرق والمباخر، والتعاويذ.

وجاءت حكمة الأطباء المسلمين، من كونهم فقهاء، قبل التعمق في الطب، فكان الفقه الإسلامي ، يسبق العلم، بإرساء الأسس الأخلاقية، من فضيلة، ورحمة، وصبر، وإيثار، ونصيحة، وتعفف.

يقول الشيخ الرئيس ابن سينا في مقدمة كتاب النجاة: (إن أفضل الحركات الصلاة، وأمثل السكنات الصيام، وأرفع البرّ الصدقة، وأزكى السير الاحتمال، ولن تخلص النفس عن الدرن، ما التفتت إلى قيل وقال، ومناقشة وجدال، وانفعلت بحال من الأحوال، وخير العمل ما صدر عن خالص نية، وخير النية ما ينفرج عن جناب علم، والحكمة أم الفضائل، ومعرفة الله أول الأوائل…) .

وأروع ما في هذه التعريفات الكريمة للطب، ما جاء على لسان رشيد الدين على بن خليفة، حيث قال:"الأمراض لها أعمار، والعلاج يحتاج إلى مساعدة الأقدار، وأكثر صناعة الطب حدث وتخمين، وقلما فيه اليقين، وجزاها القياس والتجربة، لا السفسطة وحب الغلبة، ونتيجتها حفظ الصحة، إن كانت موجودة، وردها إن كانت مفقودة.. ويتميز الفاعل عن الجاهل، والمجد عن المتكاسل، والعامل بمقتضى القياس والتجربة، عن المختال في اقتناء المال، وعلو المرتبة…)."

ويضيف القلقشندي درة حكمة، لهذه التعريفات في القرن السابع الهجري، حيث يبدع في الإيجاز والبيان قائلًا:"يشترط في الطبيب أن يتحلى بالإيمان، وشرعة التقوى". أما ثابت بن قرة الحراني، عالم الفلك والرياضيات والطب والفلسفة، الذي نبغ في هذه الفنون في عهد المعتضد العباسي، فيقول: (إن راحة الجسم في قلة الطعام، وراحة النفس في قلة الآثام، وراحة القلب في قلة الاهتمام، وراحة اللسان في قلة الكلام…) .

ثم إلى جانب شرف الفضيلة، فإن صفوة من حكماء الطب الإسلامي ضحوا بحياتهم أو بحرياتهم، من أجل مواقف وقفوها، وفي سبيل كلمة حق قالوها في حضرة سلطان جائر، فقتل منهم من قتل، وسجن منهم من سجن، ومات منهم من مات، في الفاقة والنسيان والإهمال، ومن بين هؤلاء الحكماء المجاهدين: أبو بكر الرازي، وعلي بن رضوان، والحسن بن الهيثم، وإسحاق بن عمران، ولسان الدين بن الخطيب، وابن ماجة، ونجيب الدين السمرقندي، وسواهم أكثر في جميع العهود، رحمهم الله، إن كانوا قضوا ، ونصرهم الله إن كانوا بيننا، وجزاهم عن الإسلام كل خير.

ولعل القارئ الكريم يريد مزيد التعمق في هذه المعاني الجليلة، خاصة وشبابنا المسلم ، يتعطش لمعرفة تراثه العلمي الغني والواسع، أرجو أن يفوز بتلك المعرفة من ينابيعها، أي بالرجوع إلى مؤلفات القمم، التي ذكرت بعضها في هذا الفصل القصير، وإذا تعذر عليه ذلك، فليعد إلى كتب أوجزت هذه العلوم الإسلامية الطبية للقارئ المعاصر، منها كتاب تاريخ الطب الإسلامي، للأستاذ الدكتور سليم عمار، أستاذ الطب النفسي بالجامعة التونسية، وكتاب المستشرق الألماني المنصف يوحنا كرستوف بيرغل بعنوان: الوجه المزدوج للطب في الحضارة الإسلامية، وغيرهما من المؤلفات، وليتأمل القارئ الحصيف كذلك بعض ما بلغه أطباء علماء مسلمون، يعملون في جامعات أوروبية وأمريكية من شأو بعيد، ليدرك أننا لسنا أيتام علم وحكمة، بل إننا أمة تصدر عقولها وتفيد مجتمعات غيرها.

الاقتصاد الإسلامي يؤسس على الفضائل

شهدت السنوات الأخيرة في أمتنا ، رواج فكر علماني سفسطائي ، وجد له منظرين ، ووجد له بخاصة مستثمرين ، فالكلمة السحرية التي أصبح يستعملها أعداء النهج الإسلامي ، هي كلمة اقتصاد ، والدعوى هي أن الخيار الإسلامي لا برنامج اقتصادي لديه ، وثانيًا: لا يكون الاقتصاد إلا عالميًا . فكيف نصنع في دوامة الاقتصاد العالمي؟

هاتان في الواقع حيلتان من قبعة المشعوذين الجدد ، كالأرنب والحمامة الذين يخرجهما المهرج للجمهور ، وهما حجتان واهيتان ، اعتمد نجاحهما لا على عبقرية الجاهلين ، بل على جهل قسم من شباب الإسلام ، بأسرار الاقتصاد ومحركاته وثوابته ، مضافٌ إلى عدم إحاطة بالتراث الفكري الاقتصادي الإسلامي.

وعلي شبابنا إذا أراد توخي النجاعة ، أن لا يقع في الدائرة التي يحددها أعداء الإسلام ، في أي جدل حول الاقتصاد ، بل أن يجلبوا هؤلاء إلى الدائرة التي حددها الإسلام ، وذلك لاختلاف تام بين المنظور الاقتصادي الجاهلي الرأسمالي السائد ، وبين المنظور الاقتصادي الإسلامي المنشود ، فهما خطان لا يلتقيان.

نحن ننطلق من أسس أخلاقية وفضائل إنسانية ، وهم ينطلقون من منطق القوة العمياء ، والربح السريع ، والاستغلال الفاحش.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت