فهرس الكتاب

الصفحة 1737 من 1942

إن اقتصادهم يقوم على قانون الغاب، ويبيح كل أشكال الإبادة والقتل، ويصب في خزائن تجار الموت ، وسماسرة السلاح، وقادة العصابات المنظمة، والجريمة المنسقة. كل الهرم الاقتصادي الدولي ، مقام على الجور ، قاعدته نهب ثروات المستضعفين، وإذلال الشعوب الفقيرة ، وبث الفرقة بينها ، وتوكيل الوكلاء على مصائرها ، وإقرار سيادة الدول الكبرى على طاقاتها، وأسعار موادها الأولية.. أما قمة الهرم ، فتمثله المصارف العملاقة ، بفخاخ قروضها ، وفوائدها ، يعلوها جميعًا عرش البنك الدولي ، وصندوق النقد الدولي. كل الهرم مؤسس على أيديولوجية مواصلة الاستخراب ، وتغيير أشكال النهب والسلب ، وتزويق وجه الباطل بمساحيق النظام الاقتصادي العالمي الجديد ، من أجل تسويق الاعتقاد بأن العالم يخضع لقانون أبدي خالد هو الظلم ، وتحكم الدول الأخطبوطية الكبرى في مصائر الشعوب.

هذه هي الدائرة الفكرية التي يريدون أن يجرونا إليها ويحسبون أننا نسكت عن الكلام المباح ، ونقر لهم بأننا عاجزون عن الخوض في الاقتصاد المكنّى بالعالمي، بينما الحكمة هي أن نشك في أسس هذه الاقتصاد المفروض، ونفند بواعثه الأيديولوجية، ونفضح مروجيه السماسرة، انطلاقًا من فقه الاقتصاد الإسلامي، الذي لا حل سواه، حتى نحمي مصالحنا الحيوية، ونضع مستقبل أطفالنا تحت مظلة ظليلة.

إن الواقع الراهن يثبت أن ما نسميه مقتضيات الاقتصاد العالمي، ما هو إلا تكريس الهيمنة على خيرات الأرض ، من طرف عشرين بالمائة من سكانها ، ولهذه الأقلية وسائل سخرتها لاستمرار المظلمة ، وآخر تلك الوسائل ما فرضته من ضريبة الكربون على إنتاج البلاد المسلمة من النفط ، حتى تخضع لضغوط السوق ، وتقبل بأسعار منخفضة لهذه المادة الحيوية، لا تستجيب لضرورات التنمية في مجتمعاتنا .. وآخر تلك الوسائل ، هذه القرارات الأممية القاضية بفرض حصارات على بلدان مسلمة ، لأسباب شتى حتى تنهار مقدراتها وتنحل الروابط الإسلامية القائمة بينها ، وبين جيرانها، ورهن مستقبل أجيالها لعقود طويلة قادمة.

كما أن آخر تلك الوسائل ، الشروع في الترويج لمشروع الشرق الأوسط الاقتصادي، دون رفع الجور التاريخي المسلط على شعب مسلم ، هو الشعب الفلسطيني، وعلى حساب بلدان عربية مسلمة ، لا تزال بعض أراضيها محتلة جهارًا نهارًا من طرف إسرائيل ، رغم أنف قرارات مجلس الأمن الداعية لتحريرها .. وينادي المروجون للسوق الشرق أوسطية ، بإذلال الشعوب المسلمة وحصرها في دور الأيدي العاملة، وإهانة بعض الدول العربية، بتسخيرها للتمويل ، كأنما هي خزائن مال ، وليست شعوبًا أصيلة، لها مجدها، ولها رجالها، ثم تخصيص دور إسرائيل في هذا المثلث، يجعلها العقل التكنولوجي المدبر، والقلب الاقتصادي الحي ، وما نحن إلا الأذرع الرخيصة ، والخزينة المليئة ، والأرض المفتوحة ، والسوق المضمونة ! وذلك يعني أن دار الإسلام ستكون لإسرائيل ، وحماتها ، إذرعًا تصنع ، وبطونًا تبلع ، وصيرفيًا يدفع ! فياله من مآل خزي ، ومصير هزيمة ، أهون منهما أن يبدلنا الله سبحانه وتعالى بأمة غيرنا ، ولا تكون مثلنا ، وذلك هو الوعد الذي أنذر به القرآن أممًا هانت على نفسها ، ضربت على مصائرها المذلة ، فهانت على أعدائها والمتربصين بها.

والسؤال هو: بماذا نواجه هذا الاقتصاد ؟ وما هو بديلنا؟

أول ما يجب علينا فعله ، هو تفكيك آليات ذلك النظام الخادع ، وفهم محركاته ، والتدبر في الأيدي التي تديره في الظل ، في مكاتب الشركات الكبرى المتعددة الجنسيات ، ومكاتب سماسرة السلاح ، ومن تحت هذه الأشباح توجد الأحزاب والحكومات في أوروبا وأمريكا ، ومن تحتها قاعات تحرير التلفزيونات والصحف والإذاعات.

ثلاث مستويات تسيِّر دفة الاقتصاد العالمي: صاحب المال ، وصاحب القرار السياسي ، ثم صاحب الرأي العام .. ونحن كشعوب وصفت بأنها سائرة نحو النمو نقع في هذه الكماشة ، وبين فكيها .

وثاني ما يجب علينا فعله ، بعد الفهم ، أن نرسي قاعدة قوية للاقتصاد الإسلامي ، بفضل عمل متعمق رصين ، يصل بين المثل الأعلى ، وحياتنا اليوم ، وبين النظرية القرآنية ، والتطبيق في عصرنا الحاضر . وأخطر ما سيلاقيه علماؤنا وخبراؤنا المسلمون في هذه المرحلة ، هو حجة الجاهليين والمتغربين القائلة: بأننا بعيدون بعد كوكب المشترى ، عن عصر الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، وعن زمن نزول القرآن . وهي حجة باطلة ، لأن رجل الاقتصاد الإسلامي يأخذ من روح القرآن وجوهر السنة ، الأسس الأخلاقية الخالدة ، ويطوعها ببصيرته وإيمانه وعلمه ، حتى تلبس مشاكل عصرنا ، ومعضلات واقعنا ، شأنه شأن المربي في عالم التربية الحديثة ، والطبيب في ميدان الطب ، والإعلامي عندما يؤسلم الإعلام .

إن النكبة الحقيقية ، هي أساسًا في عدم توفيق المسلمين اليوم ، لابتكار اقتصاد إسلامي ، وأصل هذه النكبة سببان رئيسان: الأول جهل لا إرادي بالقيم الإسلامية في الاقتصاد ، مما جعلنا نتخبط في الأنماط الواردة علينا ، من شرق وغرب ، حتى ضاع جيل كامل من الأمة المسلمة ، في جدل أيديولوجي عقيم ، بين أنصار الشيوعية، ودعاة الرأسمالية، وانقسمت شعوبنا إلى عربات مجرورة من طرف المعسكر الماركسي، وعربات مجرورة من طرف المعسكر الحر ، وتحملنا انتقال الجدل الاقتصادي ، إلى خنادق سياسية، تمركز فيها هؤلاء وأولئك ، وبلغ بنا الحال إلى الحرب الباردة المنسوخة عن أصلها ، الحرب الباردة بين العملاقين ، فانقسمت صفوتنا إلى تقدمية ورجعية ، وذهب كل فريق إلى شطط: الأول إلى شطط التصنيع الثقيل ، والثاني إلى شطط التداين ورهن الإعناق لدى البنك الدولي للإنشاء وإعادة التعمير ، ولم تنج إلا دول مسلمة قليلة ، حاولت الأخذ من هذا وذاك ، وكادت ترسم سياسة اقتصادية غير منحازة ووطنية لولا مؤمرات دولية.

أما السبب الثاني ، فهو انعدام التشاور والتنسيق والتكامل ، وهو سبب داخلي وخارجي ، لسنا بصدد تعداد منطلقاته ، وهي معروفة ، مما جعل سياستنا الاقتصادية ، لا تقوى على تحقيق استقلال قرارها ، ولا تقوى خاصة على تحقيق اكتفائها الذاتي ، لا في التغذية ، ولا في الصناعات الخفيفة المرافقة للزراعة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت