ويأتي السبب الثالث ، مكملًا لهذه المعوقات ، وهو الداء العضال ، المتمثل في القطيعة بين المؤسسة التربوية ، والمؤسسة الاقتصادية . القطيعة بين المدرسة والمجتمع ، حيث ظلت مدارسنا ، على مدى جيل تخرج العاطلين ، وتدفع بالدفعات البشرية نحو المقاهي ، والشوارع ، كأن المدرسة كوكب صناعي يدور في فضاء رحب ، لا تربطه بأرض الواقع رابطة ، وتوالت في جل دولنا برامج الإصلاح ، تجب برامج الإصلاح، ويتناوب على تخطيط مناهجها التربوية (خبراء) و (متعاونون) من دول أوروبا ، ومن أمريكا، ومن روسيا، بينما الحل الأوحد هوا لخيار الأصيل النابع من إسلامنا، ومن هويتنا، والمنصب في عصرنا، والمتكلم بلساننا العربي ، قبل أية لغة أجنبية ، فلا تغيير لاختياراتنا الاقتصادية، دون البداية بالتربية ، التي هي رحم الاقتصاد، وفيه ينشأ جنين الاستقلال، والهوية والنهضة. فكل بنيان نبنيه على غير أسسه، إنما هو آيل للسقوط، مقدر عليه الانهيار، وجلت كلمة الله تعالى عن حضارة قوم عاد ، التي أقاموها شامخة، لكن بدون التقوى - أي بدون الاستناد إلى أصول الإسلام - (أتبنون بكل ريع آية تعبثون * وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون * وإذا بطشتم جبارين * فاتقوا الله وأطيعون * واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون ) (الشعراء:128-132) . (أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم والله لا يهدي القوم الظالمين ) (التوبة:109) .
إن مبدأ الانطلاق من شريعة الله في الاقتصاد ، هو تبين التضاد الكامل ، بين المقصد الإسلامي، والمقصد الغربي -وهو الطاغي- فبينما يخضع المقصد الإسلامي ، إلى نظرية الخير والشر ، في شؤون الإنتاج والبيع ، والشراء ، والكسب ، والإنشاء كلها ، يخضع المقصد الغربي ، إلى نظرية الربح والخسارة ، في تنظيم أمور السوق كلها .. وفي حين يرتكز المقصد الإسلامي ، على عقيدة الحق والباطل في كل ما يتعلق بإيجاد الثروة ، وتنميتها ، يرتكز المقصد الغربي القائم حاليًا، على عقيدة التوسع ، والتكثيف، ومضاعفة الكم.
ولعله من اليسير علينا ، إذا ما أرخنا لأمتنا الإسلامية ، وللغرب الأوروبي ، أو الغرب الأمريكي اليوم ، أن نتأمل في ما انتهت إليه حضارتنا وحضارتهم .
لقد كانت الحروب الصليبية ، التي دامت قرنين كاملين ، تجسيمًا ، عن طريق العدوان والحرب ، لمنظور الغرب الاقتصادي ، أي الربح والغنم السريعان ، بواسطة التوسع والإبادة ، وكانت كذلك أيضًا عمليات غزو القارة الأمريكية ، منذ 1492م على أيدي كرستوف كولمبو ، ثم كانت كذلك الحملات الاستخرابية (المعبر عنها بالاستعمارية!) بداية من حلول جيوش نابليون بالقاهرة يوم 24 يوليو 1798 ، ومرورًا باحتلال الشام والمغرب الإسلامي ، والهند ، وأندونيسيا ، تحت شعار توسع السوق الأوروبية -غير الموحدة آنذاك- إلى يوم الناس هذا ، حيث نعاني من ويلات العقيدة نفسها بطرق أخرى ، أي من انعكاسات قانون السوق .
ثم انظر إلى آثار عقيدتنا الإسلامية ، التي أفشلت الحروب الصليبية بسلاح الإيمان والجهاد أولًا ، ثم بتمسك المسلمين بالثوابت الاقتصادية . فكم من حصار لمدن مسلمة ، دام شهورًا ، ثم اندحر على أعقابه ، وانهزم فيه المحاصرون ، بسبب النظام الاقتصادي المتبع ، من الإيثار والصدقة ، وتكثيف الإنتاج والقناعة ، بل وابتكار اقتصاد حرب إسلامي متكامل ، مثل نهاية حصار أنطاكية وأسر حكامها بوهيموند الصليبي سنة 1100م ، وانتصار المسلمين في الموصل سنة 1127م ، واستيلاء عماد الدين زنكي على حلب سنة 1128م ، إلى آخر هذه السلسلة المشرقة ، التي أدى فيها الاقتصاد الإسلامي رسالته الجهادية.
وكان مصير المعتدين الصليبيين الهزيمة ، والعودة إلى نقطة البداية ، بعد قرنين ، فانتهت الصليبية بموت ملك فرنسا القديس لويس في قرطاج سنة 1270م ، وأسر ملوكها ، مثل ريتشارد قلب الأسد ، وكانت نتيجة الحملات الصليبية ، انتقال النظام الاقتصادي الإسلامي في بعض مظاهره إلى أوروبا ، مثل الزراعات ، وتنظيم الأسواق ، والمسالك التجارية . وبعد قرون من ذلك العهد ، انهزمت جيوش نابليون في مصر ، وكانت المقاومة الاقتصادية المسلمة ، للدخيل المحتل ، وجهًا من وجوه الصمود ، مثلما جاء في مذكرات أحد المؤرخين الفرنسيين ، المشاركين في الحملة Vivant-Denon ( فيفان دونان ) وكما أكده الجبرتي في تاريخه ، ولعله من الرموز الناطقة بعزة الإسلام ، أن يتسلل نابليون هاربًا ناجيًا برأسه من مصر ، تاركًا نائبه كليبر ، الذي قتل على يد الشهيد الإسلامي سليمان الحلبي ، وتولى الجنرال مينو عوضًا عنه قيادة جيش الاحتلال ، فانحاز إلى جانب المسلمين ، وأشهر إسلامه وأصبح اسمه عبد الله مينو .
وهكذا انهارت آخر الحملات الصليبية ، وأولى الحملات الاستخرابية ، إلى أن تقاسمت دول أوروبا المشرق والمغرب الإسلاميين ، بداية من مطلع القرن التاسع عشر ، وأول ما صنعته ، كان تخريب الاقتصاد الإسلامي ، بالتوازي مع مقاومة دين الأمة ولغتها ، ومعالم حضارتها ، وتم بسرعة تذييل قوت الشعوب ، وربط اقتصادها باقتصاديات مركزية أوروبية ، وتمادت هذه الحالة من التبعية المادية والمعنوية ، حوالي قرن ، إلى أن نالت بلداننا استقلالاتها الإدارية والعسكرية ، ولكنها في أغلبها ظلت تعاني التشابك القوى ، بين اقتصادها ، واقتصاد أوروبا وأمريكا وأحيانا روسيا ، وظلت كذلك تعاني زعزعة قواعدها الدينية واللغوية ، وارتجاج ثقة المسلمين في هويتهم وحضارتهم ، ولعلها إلى اليوم تحمل أوزار ضعفها ووهنها ، وتبحث عن الخلاص.
ثم يكفي مقارنة حضارة الإسلام ، بالحضارة الغربية ، في مثل تاريخي واحد ، لتعرف مدى قوتنا ، ومدى هشاشتها . وهذا المثل هو كما أسلفنا الوجود الصليبي في مشرقنا الإسلامي من 1095م إلى 1270م ، واحتوى على ثماني حملات مدججة بالسلاح والمال ، وتعاونت فيها أوروبا كلها ، واستعملت أساليب الإبادة والتهجير والتنصير كلها ، لكنها باءت بالهزيمة النكراء ، ولم تؤسس دويلة ، ولم تترك أثرًا عمرانيًا ، أو معلمًا ثقافيًا ، بل غنم الصليبيون النهضة الإسلامية ، لبناء مدنهم ، وتكوين جامعاتهم ، حتى إن أول مستشفى أوروبي ، نشأ بعد أن شهد الصليبيون مستشفى دمشق ، ومصحة شنِرر.
وبالمقابل تأمل وجود المسلمين في الأندلس: ثمانية قرون كاملة، من الحضارة، عمادها اقتصاد راسخ ، وعدالة متسامحة ، ومعمار أصيل ، وأدب رفيع ، وطب مزدهر ، حتى إن نظام الري القرطبي، لا يزال معمولًا به في إسبانبا إلى اليوم.
فشتان بين حضارة الإسلام، القائمة على تسخير الوسائل، من أجل الغايات، وبين حضارة الغرب ، القائمة على تسخير الوسائل ، لمضاعفة الوسائل بلاغايات.
ونحن حينما ندعو إلى الرجوع إلى جوهر الاقتصاد الإسلامي، فإننا لا ندعي الإحاطة بهذا الاختصاص ، بل إن غايتنا تحريك سواكن فقهاء الاقتصاد الإسلامي حتى ييسروا هذا العلم ، ويستنبطوا أسبابه، ويثروا روافده ، وقد شرع المسلمون في هذا العمل الصالح ، فصدرت الدراسات الجامعية ، حول المصارف الربوية ، وفضحت دراسات أخرى مؤامرات تحديد النسل ، وكشفت دسائس إباحة الإجهاض ، وكل ما من شأنه تشويه دار الإسلام ، وتحجيم قوتها ، وخضد شوكتها.
وأول ما يجب الرجوع إليه ، هو أصل عبارة الاقتصاد ، التي جاءت من ( ق ص د ) أي المنهج السوي، ووجوب النيّة، بعكس عبارة Economy التي اشتقت من التوفير.