فالجذور الإسلامية للكلمة ، انغرست إذن في تربة الدين ، والفضيلة ، والأخلاق ، باشتراط النية ، وفرضية استقامة النهج ، بينما جاءت الكلمة الغربية من مبدأ جمع المال ، وتوفيره ، وكنز الثروة .
وقد ذكر الله في كتابه المجيد مشتقات القصد ست مرات ، هي كالآتي: (واقصد في مشيك واغضض من صوتك ) (لقمان: 19) .
والمعنى هو: اليسير المتعارف أي عدم الإسراف ، ولكن أيضًا إخضاع المشي إلى سلوك أخلاقي ، يوجب التواضع والتعفف .. (وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد وما يجحد بآياتنا إلا كل ختار كفور ) (لقمان: 32) .
المقتصد في أداء الشكر والحمد لله ، بعد أن نجاه ربه إلى البر ، أي القائم بواجب الشكر ، دون تجاوز ذلك السلوك ، إلى إيفاء حق الله كاملا من العرفان ويفيد معنى الكفاية والتقليل.. (لو كان عرضًا قريبًا وسفرًا قاصدًا لاتبعوك ) (التوبة: 42) .
هنا يعني المولى عز وجل أولئك المنافقين الذين يتأخرون عن الجهاد ، أما لو دعاهم الرسول صلى الله عليه و سلم إلى عرض قريب ، أو سفر قاصد (بمعنى له قصد وغاية) لاتبعوه ، ويلاحظ هنا استعمال القاصد بمفهوم الغاية. (ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ، ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ) ( فاطر: 32) .
تلاحظ هنا الدرجات الثلاث ، التي وضع فيها الله سبحانه ورثة الكتاب، ممن اصطفاهم، فمنهم ظالم لنفسه، ومنهم مقتصد ، ومنهم سابق بالخيرات ، ويحدد الله منزلة المقتصد كدرجة بين ظلم النفس وهي رزيلة ، وبين السبق بالخيرات ، وهي فضيلة ، وتفيد الوسطية السلوكية ، حيث لا عقاب الأول ينالها ، ولا ثواب الثالث. (ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعملون ) (المائدة: 66) .
وهنا يتعرض الله سبحانه وتعالى لأهل الكتاب ، ويطنب الشيخ الشهيد سيد قطب في شرح معنى الأمة المقتصدة ، غير المسرفة على نفسها ، قائلًا رحمه الله: ( يبدو من خلال الآية ، أن الإيمان والتقوى ، وتحقيق منهج الله في واقع الحياة البشرية .. لا يكفل لأصحابه جزاء الأخرة وحده - وإن كان هو المقدم وهو الأدوم - ولكنه كذلك يكفل صلاح أمر الدنيا ، ويحقق جزاء العاجلة ، وفرة ونماء ، وحسن توزيع ، وكفاية ، يرسمها في صورة حسية ، تجسم معنى الوفرة والفيض في قوله:(لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم ) .
ثم نأتي للآية التي ذكرت القصد بذلك المعنى الجليل الذي عرضناه: (وعلى الله قصد السبيل ) ( النحل:9) .
ويفيد القصد هنا: تبيان المنهاج ، ورسمه على النية ، وهي أمانة أوكلها سبحانه لذاته العليا: (وعلى الله قصد السبيل ) ، ونحن ندرك أبعاد تلك الأمانة ، فنجعل من قصد السبيل -ما نعبر عنه اليوم بالاقتصاد- وسيلة لبلوغ غاية سامية كريمة ، ألا وهي تحقيق إنسانية الإنسان ، ودعم أواصره بخالقه ، وإعادة ترميم الجسور التي انهدمت ، أو كادت ، بينه وبين السعادة ، وبينه وبين عالم الغيب ، إذ الشهادة مقرونة بالغيب.
هذا هو السر المكنون في الجهاد الاقتصادي الإسلامي ، وهو الذي ينبغي أن يعلو على الأرقام ، والجداول ، والحسابات ، والأرباح ، ومعدلات الإنتاج ، ومسالك التوزيع ، وإلا كان مآلنا مآل الأمم الخاسرة ، مهما كان دخلها ، وهل تجدون تفسيرًا لشعب مثل شعب السويد ، حقق رقمين لهما عبرة:
-حقق رابع معدل في الإنتاج الوطني الخام في العالم.
-حقق أول نسبة في الانتحار لدى الشباب ، ما بين الخامسة عشر والخامسة والعشرين سنة ، وذلك في عام 1992م.
يقوم جوهر الاقتصاد الإسلامي ، على ثوابت خالدة ، صلح بها حال المسلمين في فجر الإسلام وعزه ، ويصلح بها حالهم اليوم ، إذا أعملوا فيها حكمة الاجتهاد ، واخضعوا لها معاملاتهم ، وهذه الثوابت توجز في المباديء التالية:
الملكية: العقيدة المؤسسة للاقتصاد الإسلامي ، هي الإيمان بأن ملكية العالم لله وحده سبحانه ، وما الإنسان إلا مؤتمن عليه: (لله ملك السموات والأرض وما فيهن ) (المائدة:120) .
وهنا يراجع الفصل الذي أفردناه ، للخلافة ، والأمانة ، في هذا الكتاب .. وملكية الله للعالم ، تجعل من رسالة الإنسان المستخلف المؤتمن ، رسالة صيانة وحفاظ وتوريث للثروات ، التي في السماوات والأرض، وقد توصل كل علماء الاقتصاد ، والبيئة ، والفيزياء ، والاجتماع ، حتى في الغرب نفسه ، إلى أن معضلات الإنسان المعاصر ، من التلوث ، إلى تخريب الطبيعة ، تعود إلى اعتقاد الإنسان ، بأنه سيد الكون، وما الأحزاب الخضراء الصاعدة في الغرب ، إلا دعوة لهذا النبع الصافي ، لوضع الإنسان في منزلته الحقيقية من الكون ، أي أنه جزء منه ، لا مالكه الأوحد ، وهو أساس الفكر الاقتصادي المسلم.
أما الملكية الصغيرة أي حق التصرف ، وحق التوريث ، فقد بينهما القرآن الكريم والسنة المطهرة بما لا يدع مجالًا للتأويل ، ويبقى الإسلام حضارة اقتصادية متكاملة ، امتازت بذلك عن الأديان السابقة ، وحتى النظريات اللاحقة.
الإنفاق: من أبدع ما عرف به الله سبحانه المؤمن ، صفة الإنفاق مما رزق ، (ومما رزقناهم ينفقون ) (البقرة:3) . وذلك في أول آيات أول سورة بعد الفاتحة ، حيث وضع الله عز شأنه ، شروط إيمان المؤمن: (آلم * ذلك الكتاب لا ريب فيه هدىً للمتقين * الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون ) (البقرة:1-3) .
وصفة المؤمن إذن ، هي عدم حبس المال ، وهي قاعدة قرآنية ، وقاعدة أساسية في علم الاقتصاد الحديث ، إذ أن دور السيولة في مجرى الحياة ، هو الضامن للانتعاش الاقتصادي ، وما نسميه اليوم: تنمية . وقد ربط الله بين الإيمان والإنفاق لجعل المسؤولية الاقتصادية للمسلم ، موازية لمسؤوليته الإيمانية: (الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ) لأن الإنسان المسلم ليس متلقيًا للعمل التنموي ، بل هو باعثه ، والمسؤول عنه، والمطالب به ، أي وسيلته وغايته في آن واحد.
وقدر الله درجة الإنفاق فوضعها بين التبذير والتقتير ، أي في الدرجة الوسطى بين رزيلتين ، وكل درجة وسطى هي فضيلة - عدم غل اليد إلى العنق ، وعدم بسطها كل البسط - وهذه الوسطية هي العقيدة الأساسية في النهج الاقتصادي الإسلامي ، لأنها تقف ضد الحرية المطلقة المتوحشة للرأسمالية ، وضد التقييد القاتل المشل للشيوعية.
أليس هذا هو ما وصل إليه علماء الاقتصاد ، في العصر الراهن ، بعد انهيار الماركسية ، وإعادة النظر في الليبرالية؟
المال: إن الإنفاق في القرآن الكريم مقترن بالمال ، أي بعصب الاقتصاد ، فأعلن سبحانه وتعالى أن المال مال الله: (وآتوهم من مال الله الذي آتاكم ) (النور:33) .