فهرس الكتاب

الصفحة 1900 من 1942

فكل هذه التصوّرات المستقبلية للعطاء الحضاري الإسلامي في مجالات شتى، التي تساهم في بلورتها وتقديمها كفاءات إسلامية مهاجرة، من شأنها أن تكون بابًا للدعوة لرسالة الإسلام في كل مناطق العالم التي توجد بها أقليات مسلمة، وإضافة نوعية لمجهودات العلماء والمفكرين في العالم الإسلامي من أجل تحقيق مشروع النهضة الإسلامية.

ومعلوم أن هذا المشروع يحتاج إلى اجتهاد وفهم دقيق للواقع الذي يتنزّل فيه. وحتى يكون هذا الفهم دقيقًا وشاملًا، فإنّ الكفاءات المسلمة المهاجرة يمكنها أن تساهم في تجديد الفكر الإسلامي، وفي تقديم قراءة عميقة للتراث الإسلامي، وفي النهضة العلمية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية والسياسية في العالم الإسلامي، بفضل ما استفادت من خلاصة التجربة الغربية الحديثة القائمة على ثقافة التعددية، التي تختلف عن ثقافة الأحادية السائدة في كثير من البلاد الإسلامية، وبفضل ما تمتلكه من قدرة على دمج الأدوات المنهجية الإسلامية والغربية في البحث بعد تمحيصها ونقدها.

من جانب آخر، إذا علمنا أنّ تحقيق التقارب الثقافي والحوار الحضاري بين العالمين الإسلامي والغربي يعتبر من مقومات النهضة الحضارية العالمية حاليًا وفي المستقبل، فإنّ الطليعة المسلمة المثقفة تمثّل جسر علاقة العالم العربي الإسلامي بالعالم الغربي، والمحرّك الأوّل الدافع إلى التصالح بين الثقافتين والحضارتين، والعامل الأساس في نزع فتيل الصراع الحضاري، الذي تتمناه العديد من الدوائر السياسية والفكرية، وتسعى إلى تحقّقه بكل ما أوتيت من جهد. ويكون ذلك بالاجتهاد في مساعدة الأقليات المسلمة في الغرب على أن تكون في مستوى رسالة الإسلام الإنسانية العالمية، وتقليص أسباب التوتّر وسوء التفاهم بين العالمين الإسلامي والغربي.

ولا يشك أحد في أنّ عملية تصحيح الصورة المشوهة عن الإسلام والمسلمين لدى الغرب ستكون لها انعكاسات جدّ إيجابية على العالم الإسلامي، من حيث المساهمة في كسر جدار الخوف من \"الغول الإسلامي\"، ودفع الغرب نحو التعامل بندّية مع سدس سكان المعمورة.

وبقدر ما تُلقى المسؤولية على الكفاءات المسلمة في الغرب من أجل تصحيح صورة الإسلام والمسلمين هناك، بقدر ما تكون مهمّتها ومسؤوليتها كبيرة في تحسيس الطرف الإسلامي بضرورة مراجعة موقفه من الغرب عبر تقديم فهم أعمق للفكر والواقع الغربيين. فالنظرة السائدة في العالم الإسلامي أن الغرب شرّ كلّه، والخطاب يسوده التهجّم والعقلية الصدامية، والحال أنّ المسلمين جزء من هذا الغرب الذي يلعنه مسلمون آخرون صباح مساء، والمواطنة تقتضي وحدة الهموم والمصير.

ولا يمكن تحقيق تقارب بين العالمَين في ظل خطاب مزدوج من طرف المسلمين بين لاعن ومادح، وبين قادح للغرب والغربيين جملة وتفصيلًا داخل العالم الإسلامي وداع إلى التوطين والمواطنة في الغرب. فهذا الموضوع الدقيق يحتاج إلى معالجة حكيمة وإلى مراجعات عميقة بهدف التوصّل إلى تقارب بين المسلمين في النظرة للغرب، وتجنّب التعميم، وإعطاء كلّ ذي حقّ حقّه؛ لأنّ ديننا الحنيف يدعونا إلى القسط: (( يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ للَّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَانُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ) ) (المائدة:8) وذلك من خلال التفريق بين مواقف أصحاب القرار ومواقف الشعوب، والتمييز بين المعادي والمنصف، وبين من يكنّ العداء الدفين للمسلمين وبين من هو ضحية حملات تشويهية لصورة الإسلام والمسلمين.

فليس كل الغربيين مورّطين في استعمار الشعوب، ونهب ثرواتها، واستغلال طاقاتها، وفرض أنظمة متسلطة على بعضها.. وليس كل الغربيين مشاركين في إقامة دولة إسرائيلية على أرض فلسطين، وفي دعم هذا الكيان بكل الوسائل لكسر شوكة الانتفاضة، وليس كل الغربيين عنصريين.. الخ.

وبهذه الرؤية العادلة، تتمّ محاصرة الدعاة إلى حتمية الصراع الحضاري بين الطرفين.

ويجدر التنبيه إلى أن الدور الحضاري المنشود للعقول المسلمة المهاجرة يحتاج -إلى جانب الكفاءات البشرية- إلى آليات ووسائل في مستوى التحديات المطروحة، ومن بينها الوسائل الإعلامية التقليدية (مثل الصحف والمجلات والإذاعات والتلفزيون) والمعاصرة (مثل الإنترنت والفضائيات) ومراكز البحوث والدراسات، ودُور النشر. وإلى جانب قيامها بالأدوار المشار إليها أعلاه، يمكن أن تكون هذه المؤسسات محضنًا لهذه الكفاءات، بتجميعها وتشجيعها على الانخراط في النهوض الحضاري، الذي تستفيد منه البشرية جمعاء.

( [1] ) جاء في وثيقة عمل بعنوان\"عرض إحصائي لأوضاع التعليم العالي في العالم: 1980-1995 \" (ص10) نوقشت في المؤتمر العالمي للتعليم العالي بمنظمة اليونسكو بباريس 5-9 أكتوبر /تشرين الأول 1998م حول \"التعليم العالي في القرن الحادي والعشرين، الرؤية والعمل\"، أنّ مستوى المشاركة في التعليم العالي في المناطق \"النامية\"التي تشمل حسب الوثيقة الدول العربية ومعها أمريكا اللاتينية والكاراييب يبلغ 1000 طالب لكل 100.000 من السكان، مقارنة بـ\"بلدان المرحلة الانتقالية \"التي تتألف من بلدان أوروبا الوسطى وأوروبا الشرقية وبلدان الاتحاد السوفياتي السابق (2602 من الطلبة لكل 100.000 من السكان ) ، والمناطق الأكثر تقدمًا -أوروبا وأمريكا الشمالية وشرق أسيا، حيث يبلغ المتوسط العام فيها 4110 طلبة لكل 100.000 من السكان.

( [2] ) المرجع نفسه، ص 28.

( [3] ) حسام شاكر: \"متطلبات أساسية للنهضة الحضارية\"، سلسلة رسائل الأمة 1، آفاق، الطبعة الأولى 1998م، ص 24.

( [4] ) مداخلة د. زكي بدوي في ندوة بعنوان \"الإسلام والإسلاموفوبيا\"، نظمها المعهد العالمي للفكر الإسلامي، مكتب فرنسا، يوم 11 /5/2001م بباريس.

( [5] ) د. محمد الغمقي: \"مصداقية الدعوة الغربية إلى النقد الذاتي داخل المسلمين\"، مجلّة رؤى، العدد13، خريف 2001م، ص43-44.

( [6] ) نفس المصدر.

البعد الرسالي في هجرة العقول المسلمة إلى الغرب

أ.د. عبد المجيد النجار

1-تمهيد:

هجرة الإنسان من موقع إلى موقع على وجه الأرض، ومن بيئة اجتماعية إلى بيئة اجتماعية أخرى ظاهرة فردية وجماعية عرفت في التاريخ القديم والحديث، وستظلّ ظاهرة سارية ما وُجد الإنسان؛ وذلك بما هي سنّة من سنن الاجتماع البشري، وقانون من قوانينه لا يتخلّف مهما تغايرت الأسباب وتعدّدت الدوافع، بل لعلّها بما هي ظاهرة مندرجة ضمن قانون كوني عامّ يتمثّل في الحركة الدائبة التي تشمل كلّ ما في الكون، فتنتقل بها الموجودات باطّراد من مواقعها حتى لتبدو أنّها على غير قرار ثابت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت