وبالنسبة إلى الإنسان ذي الإلف والحساسية، قد يبدو في هجرته الفردية أو الجماعية ضرب من المعاناة متمثّلة في آلام الفرقة ومشاكل الاغتراب، سواء بالنسبة إلى البيئة الطبيعية أو بالنسبة إلى البيئة الاجتماعية، وهو ما حفلت بتصاويره وأوصافه آداب الشعوب وفنونها على مرّ الزمن، إلاّ أنّ الهجرة مع ذلك لعلّها تعتبر أحد العوامل الهامّة في التقدّم الإنساني العامّ، وفي التطوّر الحضاري بمختلف وجوهه؛ ذلك أنّها تمثّل عاملًا مهمًّا من عوامل التلاقح الفكري بين الناس، وسبيلًا من سبل تفاعل الخبرات والتجارب بينهم، وهو أحد أهمّ أسباب النموّ في الحضارة الإنسانية بوجه عامّ.
وللهجرة في التاريخ الإسلامي معنى خاصّ وآثار متميّزة، بحيث اتّخذت فيه وضعًا لم يكن لها في أيّ دين أو مذهب آخر، فقد جاءت النصوص الدينية تبارك الهجرة في سبيل الدين، وتحثّ عليها، وتعتبرها إحدى وسائل النضال من أجله، والجهاد في سبيله، ومن ذلك قوله تعالى: (( قَالْواْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا ) ) (النساء:97) ، وكانت هجرة النبيّ صلى الله عليه وسلم من مكّة إلى المدينة عاملًا حاسمًا في انتصار الإسلام ورسوخ قدمه، كما كانت بعد ذلك هجرات المسلمين إلى أصقاع الأرض سببًا في انتشاره بين الناس، وسببًا في تلاقح حضاري اعتبر أحد الأسباب المهمّة في نشأة الحضارة الغربية الراهنة.
ومن هذا الوضع المتميّز للهجرة في الإسلام وتاريخه أصبح في المخزون الثقافي للمسلمين ما يمكن أن يسمّى بثقافة الهجرة، وهي ثقافة أصبح بها المسلم يعتبر أنّ الهجرة لئن كان فيها من الشدّة والمعاناة ما يلقاه عموم الناس منها إلاّ أنّها بالنسبة إليه تعتبر وسيلة من وسائل الدعوة إلى الدين، وضربًا من ضروب الجهاد في سبيل الله، فاكتست بذلك في نفس المسلم بعدًا رساليًا اختلفت به عن موقعها في نفوس غير المسلمين من سائر أهل المذاهب والأديان الأخرى.
وإذا كان هذا البعد الرسالي للهجرة المترسّب في ثقافة المسلم قد يخفت أحيانًا في نفوس بعض الأفراد أو الجماعات في ظروف معيّنة، أو في أحقاب زمنية محدّدة، لسبب أو لآخر من الأسباب، إلاّ أنّ التأصّل العميق لثقافة الهجرة في النفسية الإسلامية يظلّ محافظًا على ذلك البعد الرسالي فيها مهما أتى عليه من عوامل الخفوت، وهو ما يبدو فيما يلحظ من استفاقة ذلك البعد وفعاليته بأقلّ جهود تبذل في إحيائه واستنهاضه، وذلك ما يعتبر رصيدًا بالغ الأهمّية من أرصدة الدعوة التي يمكن استثمارها في سبيل التعريف بالإسلام ونشره بين الناس.
وقد شهد نصف القرن الأخير هجرة أعداد كبيرة من المسلمين إلى العالم الغربي لأسباب متعدّدة اقتصادية وسياسية واجتماعية، حتى أصبح عدد المهاجرين فيه يعدّ بالملايين، ولئن كان البعد الرسالي في هذه الهجرة خافتًا عند أكثر المهاجرين، لأسباب يعود بعضها إليهم متعلّقة بضعف وعيهم الثقافي العامّ، ويعود بعضها إلى المناخ الحضاري الذي هاجروا إليه متمثّلة في السطوة الحضارية الغالبة في الحضارة الغربية، إلاّ أنّ التطوّرات التي حدثت في نوعية المسلمين المهاجرين وفي مجمل الوجود الإسلامي بالديار الغربية، مضافًا إليه ذلك الرصيد من البعد الرسالي المخزون مستكنًّا في النفسية الإسلامية يمكن أن يكونا عاملين مهمّين من العوامل التي يمكن استثمارها في الدفع بالهجرة الإسلامية إلى الديار الغربية إلى آفاق رسالية واسعة يمكن أن تكون لها آثار نوعية في الدعوة الإسلامية.
وفي هذا الإطار يتنزّل ما يثار اليوم من حجاج واسع في هجرة العقول من البلاد الإسلامية إلى الديار الغربية، فقد كثرت حول هذه الهجرة التساؤلات فيما إذا كانت تمثّل عاملًا سلبيًا بالنسبة إلى المسلمين يضعف من أسباب نهضتهم وتقدّمهم، أو هي تنطوي على عناصر من القوّة بالنسبة لمجمل الوضع الإسلامي العامّ في جانبه الدعوي على وجه الخصوص، وكيف يمكن لتلك العناصر، من القوّة، إذا ثبتت أن تفعّل لتحدث آثارها المطلوبة فيربو ما تنطوي عليه من خير على ما يمكن أن تكون منطوية عليه من ضرر؟
وسنحاول فيما يلي المشاركة في الإجابة على هذه التساؤلات، متّخذين منطلقًا لهذه المشاركة ما رسمناه آنفًا من إطار لموقع الهجرة في الثقافة الإسلامية، وما ينطوي عليه ذلك الموقع من بعد رسالي أثبتته النصوص الدينية عقديًا، ورسّخته التجربة التاريخية على مدى زمن طويل، فهل في هجرة العقول من البلاد الإسلامية إلى ديار الغرب ما يمكن أن يعتبر خيرًا للإسلام والمسلمين، أم هي ظاهرة سلبية محض؟ وإذا كانت تنطوي على خير ففيم تبدو عناصر ذلك الخير؟ وكيف يمكن تفعيلها لتؤتي ثمارها في خدمة الإسلام والمسلمين؟
2-هجرة العقول المسلمة بين السلب والإيجاب:
منذ بعض العقود تكثّفت هجرة أعداد كبيرة من العلماء والمفكّرين المسلمين من بلادهم بالمشرق إلى أوروبا وأمريكا حتى أصبح عددهم اليوم يقدّر بعشرات الآلآف إن لم يكن بالمئات، ومنهم من بلغ في الريادة العلمية الدرجة الأولى من بين علماء العالم ومفكّريه، وهم يساهمون إسهامًا فاعلًا في تقدّم الحركة الحضارية في جميع وجوهها. وبقطع النظر عن الأسباب التي أدّت إلى تفشّي هذه الظاهرة وتناميها بمرور الزمن، والتي ليس هذا محلّ بحثها، فإنّها ظاهرة ذات تأثير بالغ على كلّ من طرفي البلاد، المهاجر منها والمهاجر إليها، على حدّ سواء، إلاّ أنّه تأثير يختلف في طبيعته بعض الاختلاف بين الطرفين.
أمّا بالنسبة إلى البلاد المهاجر إليها، فإنّ هذه العقول المهاجرة تعتبر رصيدًا إضافيًا في مجال الريادة العلمية والفكرية، تساهم إسهامًا فاعلًا في التقدّم الصناعي والتكنولوجي، وتسرّع من حركة التنمية الشاملة فيها، وهو أمر مشهود به من قبل أهل تلك البلاد أنفسهم، كما يدلّ عليه حصول بعض العلماء المسلمين المهاجرين على جائزة نوبل، وهي الشهادة العالمية العليا على الريادة والعطاء في المناشط العلمية على اختلافها.
وأمّا بالنسبة إلى البلاد المهاجر منها، فإنّ تأثير هجرة العقول يبدو في طرفه القريب تأثيرًا سلبيًا عليها، إذ هجرة العقول منها يعتبر نقصانًا من رصيدها الذي به تتحرّك نحو نهضتها، وذلك بما ينقص بتلك الهجرة من إمكانيات الابتكارات والكشوف العلمية والفكرية التي من شأنها أن تطوّر الحياة وتنمّيها، وإن كان بعض الباحثين يشكّك في أن يكون لتلك العقول المهاجرة تأثير إيجابي في البلاد التي هاجرت منها فيما لو بقيت فيها، إذ هي حينئذ سيكون مآلها الانكماش والعطالة كالعقول التي لم تهاجر، وذلك بحسبان أنّ المناخ العامّ في تلك البلاد غير مساعد على الانطلاق في سبيل الريادة والابتكار والعطاء، وهو ما كان أحد أسباب هجرتها إلى بلاد يتوفّر فيها ذلك المناخ.
ولكن قد نظفر بنتائج أخرى لظاهرة هجرة العقول الإسلامية مخالفة للنتائج الآنفة البيان لو وسّعنا زاوية النظر إليها، بحيث تتجاوز في التقدير حدود الربح والخسارة، بميزان التنمية المادّية، لتمتدّ إلى مساحات تشمل مستقبل الدعوة الإسلامية فيما يمكن أن يكون لها من انتشار بتلك الهجرة في ديار الغرب من شأنه أن يثمر من النتائج ما يعود بنفع حضاري عامّ، مادّي ومعنوي، لكلّ من طرفي الهجرة، المهاجر منه والمهاجر إليه، على حدّ سواء، ونحن نعني هنا ما أشرنا إليه آنفًا من البعد الرسالي في هجرة العقول الإسلامية إلى بلاد الغرب.