إنّ العقول الإسلامية المهاجرة إلى الغرب هي من صميم الأمّة فيما ترسّب في مخزونها الثقافي من بعد رسالي ظلّ ثابتًا فيه مهما أتت عليه من أحوال النشاط والخفوت، بل إنّ هذه العقول بما هي من صفوة الأمّة في قدراتها العقلية وفي درجاتها العلمية وفي مستوياتها الفكرية لعلّ ذلك البعد الرسالي المترسّب في ثقافتها يكون أقوى عندها منه عند غيرها من سائر أفراد الأمّة وجماعاتها، وهي قوّة ربّما ظهرت عند بعضهم في حال نشاط فاعل، وربّما كانت عند بعضهم الآخر في حال كمون، لكنّها لا تلبث عند الأكثرين منهم أن تنهض إلى حال النشاط إذا توفّرت لها العوامل المناسبة.
وإذا ما استُنهض هذا البعد الرسالي في العقول الإسلامية المهاجرة ليصبح نشيطًا فاعلًا فإنّه سيمتدّ بالدعوة الإسلامية بما تتضمّنه من قيم إيمانية وخُلقية واجتماعية إلى بلاد المهجر الغربي، وستتكوّن من ذلك حركة تفاعل حضارية بالغة الأهمّية تتلاقح فيها تلك القيم الإسلامية ذات البعد الإنساني بما يتوفّر عليه الغرب من كسوب العلوم الكونية والأنظمة الإدارية، وتكون تلك العقول المهاجرة واسطة تبليغ إيجابي تنقل الحسنات من كلّ طرف إلى الآخر، فإذا التقدّم المادّي بالبلاد الغربية يتعزّز بالقيم الإسلامية في أبعادها الإنسانية، وإذا بتلك القيم عند المسلمين تتعزّز بكسوب الغرب من العلم الكوني وأنظمة الإدارة، وإذا بذلك كلّه يفضي إلى مدخل مهمّ من مداخل التلاقح الحضاري الذي يبلّغ فيه خير الإسلام إلى الناس، ويستفيد فيه المسلمون ممّا عند هؤلاء الناس.
يتبيّن إذن أنّ ظاهرة هجرة العقول المسلمة إلى الغرب هي ظاهرة تنطوي من مكوّنات الخير والمنفعة للأمّة الإسلامية وللإنسانية عامّة على ما يمكن أن يذهب بما قدّر فيها من الوجوه السلبية، ممّا أشرنا إليه آنفًا، وذلك حينما ينظر إليها من زاوية أرحب تجعل البعد الرسالي وما ينجرّ عنه من تفاعل حضاري مثمر المحور الأساس في التقدير، والمحور الأساس في معالجة هذه الظاهرة وتوجيهها.
وحينما يكون النظر إلى هجرة العقول المسلمة على النحو الذي وصفنا فإنّ ما يثور اليوم في محافل الحجاج في هذه القضية من لجاجة تنحو في تيّارها العامّ منحى تشاؤميًا، جرّاء الاقتصار في تقدير الظاهرة على جوانبها السلبية، يمكن أن ينعدل بما يتّجه إليه البحث فيها من تقدير شامل تكون تلك الجوانب عنصرًا من عناصره فحسب، وتكون الجوانب الإيجابية متمحورة على البعد الرسالي فيها، العنصر الأكبر في ذلك التقدير، فيحظى بمزيد من البحث والتحليل والتوجيه، وذلك ما يستلزم بالأخصّ البحث العميق في ثلاثة من جوانب ذلك العنصر: محتوى البعد الرسالي في ظاهرة هجرة العقول المسلمة، والمؤهّلات الرسالية في ذلك البعد، وسبل استنهاضه ودفعه للفاعلية والعطاء.
3-محتوى البعد الرسالي في هجرة العقول المسلمة:
الإسلام دين عالمي، على معنى أنّه موجّه للناس كافّة، والمسلمون جماعة مكلّفون بتبليغه في كلّ زمان ومكان، وكلّ فرد من أفراد المسلمين مكلّف أيضًا بهذا التبليغ على قدر طاقته، وهو مدلول قوله تعالى: (( قُلْ هَاذِهِ سَبِيلِى أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِى ) ) (يوسف:108) ، وكلّما توفّرت إمكانيات التبليغ المادّية والمعنوية بأقدار أكبر أصبح واجب الدعوة آكد وأثقل، سواء بالنسبة إلى مجموع الأمّة أو بالنسبة إلى أفراد المسلمين على حدّ سواء.
والمسلمون في مقابل ذلك التبليغ وفي سبيل إتقانه وإحسانه أيضًا مدعوّون بحكم الدين إلى أن يتحرّوا الحقّ أينما كان، وأن يأخذوا به ويتّبعوه ويعملوا وفقه.. وإذا كان الحقّ في شرح أحوال الوجود وفي توجيه الحياة يجدونه في دينهم تامًّا غير منقوص، فإنّه في الشؤون الكونية المادّية، وفي الشؤون التقنية والإدارية المدبّرة للحياة، قد يجدونه في الكسب الإنساني العامّ، فيكونون مدعوّين دينًا إلى أن يطلبوه من ذلك الكسب، وفقًا في ذلك للمأثور الإسلامي من أنّ «الحكمة ضالّة المؤمن فحيث وجدها فهو أحقّ بها» ( [1] ) .. وقد كانت التجربة الحضارية الإسلامية في ذلك تجربة ثريّة غنية، حيث استفاد المسلمون في بناء حضارتهم استفادة كبيرة من حضارات الأوائل وعلومهم الكونية كما هو معلوم.
من هذا المنطلق ذي الوجهين: عالمية الدين المقتضية للتبليغ، وواجب الاستفادة من الحقّ الذي يتضمّنه الكسب الإنساني العامّ، يمكن أن ترتسم الملامح الأساسية لمحتوى البعد الرسالي في هجرة العقول المسلمة إلى الغرب، إذ يكون هو أيضًا محتوى ذا اتّجاهين متكاملين: ينحو في الأوّل منحى العطاء بتبليغ الإسلام إلى أهل الغرب، وينحو في الثاني منحى طلب الحقيقة من كسوبهم العلمية الكونية والتقنية والإدارية لإفادة الإسلام والمسلمين بها، فتكون إذن رسالة مزدوجة النفع: عطاء لما هو موجود من حقائق الإسلام وقيمه، وأخذ لما هو مفقود من حقائق العلم الكوني والتقني والإداري.
أ- رسالة التبليغ:
تعني هذه الرسالة تبليغ الدين لأهل الغرب، وهو تبليغ لرسالة إيمانية حضارية شاملة، تتعلّق بالمعتقد المفسّر للوجود وللكون وللحياة، كما تتعلّق بالقيم الخُلقية والإنسانية العامّة، وبالقوانين المنظّمة للحياة في جميع وجوهها، توخّيًا في ذلك كلّه لسبل مختلفة متعدّدة، تلتقي جميعها عند الحسنى في طريقة التبليغ، وتفترق بعد ذلك من حيث الكيفية، بحسب أحوال المخاطبين بالدعوة، وبحسب الظروف المحيطة بها.
والعقول الإسلامية المهاجرة إلى الغرب هي عقول تنتمي إلى الإسلام وأهله، معتقدًا وحضارة وتاريخًا، وهي وإن كان بعضها لا يلتزم بالإسلام التزام دعوة وتبليغ أو التزام تطبيق شامل لمقتضياته، فإنّها جميعها أو معظمها تحمل رؤيته العقدية الفلسفية المفسّرة للوجود، كما تحمل قيمه الإنسانية والحضارية العامّة، وهي لذلك تعتبر بهجرتها إلى ديار الغرب نقلة لأنموذج ثقافي حضاري من مناخه الإسلامي إلى مناخ غربي ذي ثقافة وحضارة مغايرة، وذلك ما يوفّر فرصة لدور رسالي يمكن أن تقوم به هذه العقول في مهجرها الجديد. ويتمثّل هذا الدور الرسالي بمجمله في تبليغ الإسلام إلى أهل الغرب تبليغًا يشمل جوانبه المختلفة، ويتمّ بأساليب متنوّعة بحسب المقامات والأوضاع.
ومن هذا التبليغ تبليغ عقدي، يتمثّل في عرض دعوي للإسلام في تفسيره للوجود وفي تنظيمه للحياة، وفق ما تسمح به الظروف والمقامات، وذلك على اعتبار أنّه رؤية أخرى غير الرؤية السائدة عند الناس في بلاد الغرب، وعلى اعتبار أنّ تلك الرؤية تحمل من الحقّ والخير للإنسانيّة ما تكون به حلاًّ لما تعانيه من المشاكل المختلفة الوجوه، بحيث تكتسب في عقول المخاطبين مصداقية تجعلها جديرة بالاهتمام والنظر والتأمّل. وهذا الضرب من التبليغ ينحو المنحى النظري، وساحته في الغالب هي ساحة الحوار الفكري والتدافع الفلسفي بين المفاهيم والنظريات والمذاهب.
ومنه تبليغ قيمي، يتمثّل في عرض دعوي أيضًا للقيم الإسلامية ذات الطابع الخُلقي والإنساني منها على وجه الخصوص، وهو عرض لمنظومة من القيم المتكاملة التي تحدّد المبادئ الكبرى الحاكمة للعلاقات بين بني الإنسان سواء على المستوى الإنسانيّ العامّ، أو على مستوى الجماعات والفرق، أو على مستوى الأسر، أو على مستوى الأفراد.