وإذا كان هذا التبليغ القيمي يمكن أن يكون عرضًا نظريًا حواريًا، فإنّ الجانب الأهمّ فيه هو العرض الفعلي العملي متمثّلًا في التحلّي بتلك القيم في التعامل مع الآخرين على جميع مستويات التعامل، سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا وإنسانيًا، بحيث تقدّم تلك المنظومة القيمية للناس أنموذجًا عمليًا يعيشها أهل الغرب واقعًا في تعاملهم مع العقول المهاجرة، ويشاهدونها أنموذجًا تطبيقيًا في حياتهم.
ومنه تبليغ حضاري تعميري، يتمثّل في عرض الأنموذج الإسلامي من جهة التعمير في الأرض، وذلك فيما يتعلّق على سبيل المثال بالاهتمام بالعلم الكوني والجدّ فيه بالبحث والابتكار، والاهتمام بالتكنولوجيا والجدّ فيها بالاختراعات والتصنيع، والعناية بالعمل كلّه والإتقان فيه، والإحسان في التعامل البيئي في كلّ اتّجاهاته ومستوياته، والإنتاج الفنّي المميّز في المجال المعماري خصوصًا وفي غيره من المجالات عمومًا، والنحو في ذلك كلّه نحوًا ثقافيًا إسلاميًا يبدو في مختلف تلك التصرّفات، إن بصفة مباشرة أو غير مباشرة، بحيث يرتبط في ذهن المتعامل معها والراصد لها ظاهرها المشهود بخلفيتها المرجعية الثقافية الإسلامية.
ومن البيّن أنّ هذا العرض الدعوي الحضاري هو بالأساس عرض عملي تطبيقي، وإن كان فيه من دورٍ للمناظرة والحوار فهو دور تابع للتطبيق والعمل.
ب- رسالة الانتفاع:
لا شكّ أنّ البلاد الغربية حقّقت أقدارًا كبيرة من التقدّم في العلوم الكونية وتطبيقاتها التكنولوجية، وفي التنظيم الإداري والسياسي للحياة الاجتماعية.. والعقول الإسلامية المهاجرة، بما تنطوي عليه من قوّة، قادرة على أن تستوعب ذلك التقدّم بكفاءة عالية، بل هي قادرة على أن تساهم فيه بالإنتاج كما أثبتت ذلك التجربة الواقعية متمثّلة في تحقيق الكثير منها لإنجازات اختراعية معتبرة وصلت بها إلى أعلى مراتب الجوائز العالمية.
وبما أنّ هذه العقول المهاجرة، وإن كانت قد انتقلت من بلادها الإسلامية إلى البلاد الغربية، فإنّ ذلك لا يعني انبتاتها عن البلاد التي هاجرت منها، بل هي حتى وإن هاجرت الهجرة الدائمة فتكون بالمعنى السياسي منتمية إلى مهاجرها، فإنّها تبقى باعتبارها مسلمة منتمية إلى دائرة الأمّة الإسلامية، بالمعنى العقدي والثقافي والحضاري، وهذا الانتماء يقتضي منها أن تقوم بدور رسالي تجاه الأمّة التي تنتمي إليها، ولكنّه دور رسالي في اتّجاه معاكس للدور السابق، إذ هو يتّجه من بلاد المهجر نحو البلاد الإسلامية.
ويتمثّل هذا الدور في إفادة البلاد الإسلامية بما يتيسّر الإفادة به ممّا توصّلت إليه الحضارة الغربية من العلوم الكونية والاختراعات التقنية والنظم الإدارية، وذلك بنقل تلك المكاسب إلى المسلمين، وتيسير سبل استفادتهم منها، وإدخالها إلى حركة الحياة، ويمكن أن يشتمل هذا الدور على عدّة عناصر مختلفة ولكنّها متكاملة.
ومن تلك العناصر: تمثّل مكاسب الحضارة الغربية تمثّلًا صحيحًا، سواء تعلّق ذلك بالعلوم الكونية أو بالعلوم الإنسانية، بحيث تكون العقول المهاجرة مستوعبة لتلك المكاسب على حقيقتها كما هي عند أهلها دون تأويل لما يقبل منها التأويل، استيعابًا يشمل مفردات العلوم كما يشمل منازلها في الشبكة المعرفية العامّة، عموديًا في التاريخ، وأفقيًا في المشهد المعرفي الشامل، فيكون علمهم فيها لا يقلّ عن علم مخترعيها بها، تحصيلًا للموجود المتراكم، ومتابعة للحادث الجديد، وذلك على نحو ما كان من صنيع الإمام الغزالي حينما درس، الفلسفة اليونانية فاستوعبها بدقّة فاقت أحيانًا علم أهلها بها، كما يبدو فيما دوّنه في كتابه الشهير «مقاصد الفلاسفة» .
ومنها تبيّن الخلفيات الثقافية والأسس المرجعية لكلّ ما يقع استيعابه من تلك العلوم، سواء ما كان منها كونيًا أو تكنولوجيًا أو إنسانيًا، فإنّه لا شيء منها إلاّ وهو ناشئ في منشأ ثقافي فلسفي ذي صفات خاصّة، فيكون متأثّرًا بذلك المنشأ، إن قليلًا أو كثيرًا، وإن بصفة مباشرة أو غير مباشرة، فيكون استيعاب العقول المهاجرة لتلك المكاسب العلمية استيعابًا لذاتها، واستيعابًا أيضًا لعللها وأسبابها، ومراجعها وموجّهاتها، وأهدافها ونهاياتها، بحيث يكون العلم بها غير مقتصر على صورها، وإنّما يكون شاملًا لأبعادها المختلفة، فنّية وثقافية وفلسفية، مهما بدا في بعضها من تمحّض فنّي مثل بعض العلوم الكونية والتكنولوجية.
ومنها العمل على نشر تلك المكاسب العلمية في أوساط الأمّة الإسلامية وترويجها فيها، وذلك بتيسير وصولها إليها في مؤلّفات توجّه بحيث تناسب أوضاعها، أو بالتعليم المباشر في مؤسّساتها حينما تسنح الفرصة لذلك، أو بمساعدة مؤسّساتها العلمية بأيّ وجه من وجوه المساعدة على الحصول عليها ونشرها ضمن برامجها، أو بمساعدة أبناء الأمّة من البعثات الدراسية العلمية على استيعاب أكبر الأقدار منها، أو بأيّ وجه آخر من الوجوه الميسّرة لانتقال تلك المكاسب العلمية المختلفة الوجوه إلى الأمّة الإسلامية.
ومنها تهيّئة المكاسب الحضارية الغربية في وجوهها التطبيقية، بحيث تتلاءم مع الوضع الثقافي للأمّة الإسلامية، وتسهم في تنميتها من خلال تلك الثقافة، لتنحو في وجهتها الحضارية وجهة متميّزة تتلافى فيها النواقص والمنزلقات التي وقعت فيها الحضارة الغربية، وتنسجم مع المقاصد التي يحدّدها دينها الذي هو منبع ثقافتها ومرشد مسيرتها، وذلك بما يكون من ملحظ في التعامل معها لمناشئها الثقافية ومرجعياتها الفلسفية التي تؤثّر فيها صياغة وغاية وتطبيقًا، فيفصل فيها ما هو حقائق مجرّدة عمّا هو مستصحبات ثقافية فلسفية، وتقدّم من قبل العقول المهاجرة للأمّة على هيئة من ذلك الفصل، وعلى تنبيهات إلى تلك المستصحبات، لتكون ملائمة لوضعها الثقافي ومقاصدها الدينية.
إنّ هذا المحتوى للبعد الرسالي في هجرة العقول المسلمة، في طرفي الأخذ والعطاء، من شأنه أن يغيّر طبيعة تلك الهجرة من مجرّد حركة انتقال آلي تحوّلت به تلك العقول من ضفّة حضارية إلى أخرى، ومن نمط اجتماعي إلى آخر، عابرة ما بينهما من هوّة في سبيل تحقيق مآرب فردية ضيّقة، مثل العيش في رفاهية من الحياة، أو الاطمئنان بالأمن، أو إشباع الطموح العلمي، مع بقاء تلك الهوّة الفاصلة على حالها، إلى انتقال يحمل معه مخزونًا ثقافيًا قيميًا حضاريًا يبلّغه إلى أهل الغرب، ويشارك به في حركة الحوار الحضاري من أجل المصلحة الإنسانية العامّة.
ومن شأن ذلك أن يغيّر من طبيعة تلك الهجرة لتكون هجرة واصلة بين حضارتين، تحمل من كلّ منهما إلى الأخرى ما هي في حاجة إليه من الحقّ النظري والعملي، لينمو الخير فيها وتضيق مساحة القصور، فتضيق إذن تلك الهوّة الفاصلة، وتقترب الأمّة الإسلامية من أمم الغرب بما تقدّم إليهم من القيم الخُلقية والدينية، وبما تأخذ من الكسوب المادّية والإدارية، وفي ذلك خير الإنسانية، وفيه على وجه الخصوص خير الإسلام والمسلمين.. وإنّ العقول الإسلامية المهاجرة لمَؤهّلة للقيام بهذا الدور الرسالي في هجرتها.
4-مؤهّلات العقول المهاجرة للدور الرسالي: