إنّ العقول الإسلامية المهاجرة إلى الغرب تتوفّر على مؤهّلات كثيرة للقيام في هجرتها بالدور الرسالي الذي شرحنا محتواه، سواء في طرف العطاء أو في طرف الأخذ، وهو ما يمكّنها من القيام بذلك الدور على وجه فاعل لو قدّرت تلك المؤهّلات التقدير الصحيح ثمّ استثمرت الاستثمار الأمثل ضمن خطّة متكاملة واعية. وتبدو تلك المؤهّلات في مؤهّلات ذاتية تتعلّق بإمكانيات تلك العقول وقدراتها، وفي مؤهّلات موضوعية تتعلّق بالوضع الذي هي عليه، والمناخ الثقافي والاجتماعي العامّ الذي تعيش فيه.
أ- المؤهّلات الذاتية:
لا شكّ أنّ العقول الإسلامية المهاجرة هي من صفوة عقول الأمّة في قدراتها الذاتية: ذكاء وقدرة على التحصيل والاستيعاب والتحليل، فأغلب تلك العقول ذهبت إلى الغرب ضمن بعثات علمية يُتخيّر فيها الأفضل فالأفضل من الخرّيجين، وكثير منها هاجر به طموحه إلى الأعلى في سلّم العلم، وهو ما يكون ناشئًا في الغالب عن استشعار لقدرات التحصيل المعرفي، وقد يكون هو بدوره منمّيًا لتلك القدرات إلى أعلى المستويات، وبذلك يتوفّر في تلك العقول شرط أساس هو الكفاءة العقلية للقيام بالأدوار المهمّة مثل هذا الدور الرسالي الذي نحن بصدد الحديث عنه.
وقد تعزّزت في العقول المهاجرة تلك القدرات الذاتية بالمحصول العلمي الذي تحقّقت به خلال ممارستها العلمية في بلاد الغرب، إذ هي عقول في أغلبها ممارسة للعلم النظري أو التطبيقي، بالغة فيه درجات عالية، كما يتبيّن من حصول بعضها على أعلى الجوائز العالمية، وذلك ما يعتبر رصيدًا مهمًّا في مؤهّلاتها الذاتية، حيث تفتح الحصيلة العلمية للعقل آفاقًا بعيدة في النظر، وتنقله من ضيق الذاتية، شخصيّة وعرقية وإقليمية، إلى رحابة الإنسانية في أبعادها المختلفة، إذ العلم على اختلاف فروعه هو إنتاج متراكم للإنسانية، فالتحقّق به يفتح الأبواب على أفق الإنسانية، ويكون معوانًا على السعي في الحوار والتفاعل الإيجابي، نفعًا وانتفاعًا، وهو ما يقتضيه الدور الرسالي، كما تقدّم بيانه.
ومن المؤهّلات الذاتية لهذه العقول الإسلامية المهاجرة أيضًا: ما توفّرت عليه من اطّلاع واسع على الأوضاع الواقعية للعالم الغربي، في أبعاده الثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، فهي بالإضافة إلى قدراتها العقلية ومحصولها العلمي الممكّنة من الاستنتاج النظري تمارس العيش في تلك الأوضاع، وتقف على مكوّناتها الظاهرة والخفيّة، وهو ما يمكّنها من فهم أعمق للواقع الغربي بفهم أسبابه وعوامله وخلفياته، إضافة إلى فهم ظواهره وأحداثه، وذلك أمر مهمّ في التعامل معه تعامل حوار فاعل مثمر.. ومن أهمّ المؤهّلات الرّسالية في أيّة علاقة دعوية فهم الواقع مناط الدعوة، الفهم الصحيح العميق.
ويضاف إلى تلك المؤهّلات الذاتية ما تتوفّر عليه العقول المهاجرة من تحقّق بالثقافة الإسلامية، إن لم يكن على مستوى الالتزام الفعلي فعلى مستوى الوجود بالقوّة، إذ هي عقول نشأت في أغلبها في بيئات إسلامية تشرّبت منها القيم العامّة التي تقوم عليها تلك الثقافة، فهي إن لم تكن ملتزمة بالفعل بثقافة أمّتها فإنّها تحمل استعدادًا للالتزام بها. وإذا ما أُضيف ذلك التحقّق بالثقافة الإسلامية، فعلًا أو استعدادًا، إلى الفهم العميق للواقع الثقافي الغربي حصل من هذا التحقّق المزدوج مؤهّل مهمّ للوساطة الحوارية بين الطرفين، ممّا يفضي إلى قدرة على القيام بالدور الرسالي الذي نحن بصدد بحثه.
بمجموع هذه المؤهّلات الذاتية للعقول المهاجرة، ما كان منها فطريًا وما كان مكتسبًا بالسعي أو مكتسبًا بالمناخ المعيش، يمكن أن تتمكّن هذه العقول من القيام بدور رسالي في هجرتها إلى البلاد الغربية، إذ هي بتلك المؤهّلات تكون منطوية على قابلية كبيرة للوعي بذلك الدور، وهو أولى المراحل اللازمة فيه، كما تكون بها قادرة على المضيّ في إنجازه حينما تستثار تلك المؤهّلات وتوظّف التوظيف الأمثل لأجل ذلك الإنجاز، خاصّة وأنّ تلك المؤهّلات الذاتية تجد لها تعزيزًا في مؤهّلات أخرى موضوعية من واقع المناخ الحضاري الذي تعيش فيه العقول المهاجرة.
ب- المؤهّلات الموضوعية:
بالإضافة إلى تلك المؤهّلات الذاتية المتحقّقة في العقول الإسلامية المهاجرة للقيام بدورها الرسالي، فإنّها تتوفّر أيضًا على مؤهّلات للقيام بهذا الدور من حيث البيئة الغربية التي هي مسرح وجودها ونشاطها.. فهذه البيئة بالرغم من كونها بيئة مغايرة في جذورها الفلسفية وفي تشكيلها الثقافي للرسالة الإسلامية إلى حدّ التعارض في كثير من العناصر، إلاّ أنّها تنطوي على جملة مهمّة من المعطيات المؤهّلة لدور رسالي تقوم به العقول الإسلامية المهاجرة، وذلك سواء بالنظر إلى المناخ الروحي النفسي الذي يسود تلك البيئة، أو بالنظر إلى الوسائل المتاحة للحوار والتبليغ.
فالمجتمع الغربي يعاني معاناة مضنية من الإرهاق المادّي جرّاء المذاهب الفلسفية المادّية التي صاغت حياته فأفضت به إلى فقر روحي مدقع، ظهر في مستوى المشاعر الفردية وفي مستوى العلاقات الأسرية والاجتماعية على حدّ سواء، وأفضى إلى جملة من المشاكل النفسية والاجتماعية من مثل الاكتئاب والإجرام والمخدّرات والاضطراب الأسري.
وبما أنّ هذا الوضع نشأ من خلل في الفلسفة التي بنيت عليها الحياة، إذ هي فلسفة تعتدي على الفطرة الإنسانية ذات البعدين المادّي والروحي، بإفراطها في الأوّل وإجحافها في حقّ الثاني، فقد ظهرت بوادر كثيرة فردية وجماعية تعبّر عن الرّفض لهذا الاعتداء على الفطرة الإنسانية المزدوجة، وباتت تطلب تعديل الميزان بالبحث عن مذاهب ذات بعد روحي تجد فيها النفوس تحقيق أشواقها الروحية، وهو ما بدا في انتماء الكثيرين من أهل الغرب إلى أديان ونحل شرقية روحانية، وسقوط أخرى في ضروب من التهويمات والأساطير ذات الطابع الروحي، فما ذلك إلاّ تعبير عن الحاجة إلى مذهب جديد يحقّق الفطرة التي تعرّضت إلى الإجحاف.
ولو عرض الإسلام في هذا المناخ المتعطّش للروحانية عرضًا رشيدًا لكان رسالة تتلقّاها نفوس أهل الغرب المرهقة بالمادّة لما تجد فيه من توازن تشبع فيه أشواق الروح وتلبّى مطالب الجسم، إذ هي مؤهّلة بحكم الوضع الذي آلت إليه لتلقّي تلك الرسالة.
وبما أنّ أهل الغرب بصفة عامّة قد قامت حياتهم على احترام العلم والعلماء، واحتلّ التميّز والرّيادة والمتميّزون والروّاد في سلّم قيمهم درجات عالية، فإنّ ذلك سيحدّد موقفهم النفسي والفكري من العقول الإسلامية المهاجرة، وقد اتّصفت في أكثرها بالتميّز والجدّية والريادة، لتحتلّ هذه العقول في نفوسهم وعقولهم مكانة عالية من الاحترام والتقدير لتميّزها وريادتها.
وحينما يمارس أصحاب هذه العقول مهمّة رسالية بما يبلّغون من قيم حضارية، تبليغًا قوليًا أو فعليًا، وبما يرغبون فيه من الفوائد العلمية لتمثّلها أو تبليغها لمن وراءهم من أهل أوطانهم الأصلية، فإنّ ذلك يقوم مقام الاقتران الشرطي مع ما وقر في النفوس من الاحترام والتقدير، فتنفتح تلك النفوس للتفاعل الإيجابي، وتستعدّ للاستجابة بتقبّل الرسالة في اتّجاهي العطاء والأخذ، وهو ما يعتبر مؤهّلًا موضوعيًا من المؤهّلات الرسالية للعقول المهاجرة.