ويضاف إلى ذلك من المؤهّلات الموضوعية ما تتوفّر عليه الحياة في الغرب من المناخات الميسّرة للتواصل، ومن الوسائل المساعدة عليه. فالحرّية التي هي شرط أساس من شروط التبليغ قائمة السوق في تلك الديار بأقدار كبيرة، وهو ما يمكّن من استحداث مختلف القنوات التنظيمية والإجرائية للاتّصال بمختلف فصائل الناس، والتحاور معهم في مختلف الشؤون، وتبليغ الرسالة إليهم.. والوسائل التقنية الميسّرة للاتّصال، والمقرّبة للمسافات، والعابرة للحواجز، هي أيضًا سوقها قائمة، ممّا يمكّن من التعريف الواسع بما يراد التعريف به من القيم الثقافية والحضارية الإسلامية.. كما يمكّن أيضًا من يسر الحصول على المستجدّات من العلوم والمخترعات، وتبليغها في الإبّان، ليستفيد منها العالم الإسلامي الاستفادة المثلى.
وبإضافة هذه المؤهّلات إلى بعضها، الذاتية منها والموضوعية، يتبيّن أنّ العقول الإسلامية المهاجرة إلى الغرب تتوفّر على قدر من المؤهّلات للتبليغ الرسالي لا تتوفّر على كثير من عناصره العقول الإسلامية التي تعيش داخل العالم الإسلامي، وهو ما يقوّي من واجب الالتفات إلى هذه العقول، وتوجيهها إلى أن تقوم بدورها الرسالي الذي هيّأها القدر لتقوم به، وهيّأ شروطه ومستلزماته، لتتحوّل تلك الصورة السلبية لهجرة هذه العقول، باعتبارها نزيفًا من رصيد الأمّة لصالح غيرها، فيُرى منها أيضًا وجه آخر إيجابي، بل هو على قدر كبير من الإيجابية، وليقع العمل على تشخيص ذلك الوجه وتوضيحه، ثمّ على تفعيله ليصير نفعه واقعًا ملموسًا، وليأخذ طريقه في الإثمار.
5-تفعيل البعد الرسالي لهجرة العقول المسلمة:
إذا كان في هجرة العقول المسلمة إلى الغرب ذلك البعد الرسالي، وإذا كانت تلك العقول مؤهّلة على النحو الذي وصفنا للقيام بدور رسالي، فهل هي قائمة فعلًا بذلك الدور؟ وإذا لم تكن قائمة به فما السبيل إلى القيام به لتؤتي تلك الهجرة ثمرتها الإيجابية، وتعوّض ما خسرته الأمّة من تميّزها وريادتها بنزوحها عنها، وذلك بما تؤدّيه من عمل بعيد المدى في التفاعل الحضاري المنتج بين ديار الإسلام وديار الغرب؟
لا شكّ أنّ العقول الإسلامية المهاجرة إلى الغرب قامت وتقوم ببعض الأعمال الرسالية منذ عقدين أو ثلاثة من الزمن، وهو ما يتمثّل بالأخصّ في ذلك النشاط الدعوي الإسلامي الذي لا يخلو منه بلد من البلاد الغربية، مهما يكن قويًّا أو ضعيفًا، والذي تشارك فيه بعض العقول المهاجرة وإن لم تكن هي المحرّك الأساس فيه في بعض الأحوال.. كما يتمثّل في بعض ما يقام من الحوار الثقافي والحضاري بين المسلمين وبين أهل الغرب، عبر بوادر فردية أو عن طريق مؤسّسات ثقافية فكرية.
ولكنّ ذلك كلّه لا يرقى إلى ما هو دور رسالي مأمول من هذه الهجرة للعقول الإسلامية، لا من حيث الحجم ولا من حيث الكيف، وهو ما يستلزم بذل جهود تفعيلية من أجل استنهاض تلك المؤهّلات التي تتوفّر عليها العقول المهاجرة، وتوجيهها نحو القيام بالدور الرسالي على النحو الذي وصفنا آنفًا.
ولعلّ من أهمّ وسائل التفعيل الذي يمكن أن يثمر الثمرة المرجوّة ما يلي:
أ- استكشاف العقول المهاجرة وحصرها:
إذا كانت العقول الإسلامية المهاجرة إلى الغرب معلومة في جملتها، وتتردّد إحصائيّات تقريبية في شأنها بين الحين والحين، فإنّ حقيقتها الكاملة غير محدّدة ولا معلومة، وهو ما يستلزم في سبيل تفعيل دورها الرسالي أن تُعلم أوّلًا بأكثر ما يمكن من وجوه العلم، وأن تتّضح صورتها الجملية والتفصيلية؛ وذلك لينطلق العمل التفعيلي من منطلق معلوم، ويمارس نشاطه على أرض بيّنة المعالم، وهو ما يندرج ضمن القاعدة الأساسية التي تفرض في سبيل الجدوى أن يكون تفعيل أيّ مادّة مبنيًا على العلم بطبيعتها.
ويمكن أن يقوم بهذا العمل الإحصائي الممهّد للتفعيل رابطةٌ عالمية تتأسّس لهذا الغرض، فتجمع العقول المهاجرة في العالم الغربي، وتقيم لها فروعًا في المراكز الكبرى من ذلك العالم، ثمّ تقوم بعمل إحصائي شامل لتلك العقول على وجوه عدّة.
ومن تلك الوجوه الإحصائيّة: حصر أعداد هذه العقول بأكبر قدر ممكن، وحصر تنوّعها في توزّعها الجغرافي، وفي اختصاصاتها العلمية، وفي توجّهاتها الثقافية، وفي مكانتها الريادية، وفي مقاماتها الوظيفية، وفي استعداداتها المختلفة للعطاء، ليقع الانتهاء من كلّ ذلك إلى صورة متكاملة عن العقول الإسلامية المهاجرة من حيث ذات الأفراد بأكبر قدر ممكن، ومن حيث الهيئة الجماعية التي تتكوّن من أولئك الأفراد، فإذا خارطة العقول المهاجرة التي ستكون مسرح الحركة التفعيلية لدورها الرسالي واضحة المسالك، بيّنة المواقع.
ب- التوعية بالهدف الرسالي:
مهما يكن من وجود أعداد من العقول المهاجرة تتمثّل دورها الرسالي من هجرتها بمفهوم مّا من المفاهيم، فإنّ الأكثر منها ليست على وعي كاف بهذا الدور، أو ليست على أيّ وعي به أصلًا؛ فالذين هاجروا إلى الغرب من أصحاب هذه العقول كانت هجرتهم لأسباب أخرى غير السبب الرسالي، وقد أخذت هذه الأسباب معظمهم لتزجّ بهم في زحام مشاهد أخرى من مشاهد الحياة انشغلوا به فغفلوا عن المشهد الرسالي، وذلك ما يستدعي أن تقوم في أوساط هذه العقول المهاجرة حركة توعية بالبعد الرسالي في هجرتها ليكون ذلك أساسًا للانطلاق في إحياء ذلك البعد وتفعيله.
وقد يسهّل هذه التوعية الرسالية ما أشرنا إليه آنفًا من بعد دعوي مستكنّ في ضمائر المسلمين عمومًا وفي ضمائر النخبة المثقّفة منهم خصوصًا؛ فالخلفية الثقافية للمسلم تحمل معاني التفاعل بين المسلمين وبين بني الإنسان عامّة، في طرفي العطاء والأخذ لما هو حقّ وخير، وهو ما ترسّب في المخزون المرجعي للمسلم جرّاء تعاليم الدين وجرّاء مسيرة التاريخ، وخاصّة فيما يتعلّق بهما من أمر الهجرة وآدابها.
فهذا الرصيد المخزون سواء كان مشعورًا به أو غير مشعور، يمكن استثماره في حركة التوعية بالمهمّة الرسالية للهجرة في أوساط العقول المهاجرة، إذ من الميسور أن يُستدعى ذلك المخزون الثقافي، ويُستنهض في سبيل إحداث وعي عامّ في تلك العقول بأنّ هجرتها ينبغي أن تكون هجرة هادفة على غرار هجرة الأنبياء والمصلحين التي كانت غايتها، التي لا تعلو عليها غاية، تبليغ الخير للناس مهما يكن في طريق تلك الغاية العليا من غايات مرحلية.
ولعلّ من أهمّ ما يُستنهض به هذا المخزون الثقافي تعهّد مفهوم الانتماء للأمّة الإسلامية والولاء لها لدى العقول المهاجرة بالتجلية والتصحيح والتقوية، وذلك ليأخذ وضعه الحقيقي في المنظومة العقدية، حيث يحتلّ هذا العنصر فيها موقعًا أساسيًا؛ فهذا المفهوم ربّما اعترته بعض الغشاوات عند بعض تلك العقول، وذلك بسبب بعد الشقّة بينها وبين أمّتها، أو بسبب انخراط بعضها في الولاء الوطني للبلاد التي تقيم فيها.
فتجلية هذا المفهوم وتقويته، وإزالة ما يمكن أن يكون اعتراه من اضطراب جرّاء مزاحمة الولاء الوطني له، وتبيين الحدود بين الطرفين من شأنه كلّه أن يهيّئ العقول المهاجرة للوعي العميق بالدور الرسالي الذي تقتضيه هجرتها إلى بلاد الغرب كأساس من أسس التفعيل لذلك الدور.
ج- البناء المؤسّسي: