إنّ المهمّة الرسالية للعقول المهاجرة، كما شرحناها آنفًا، لا يمكن أن يقوم بها أفراد بصفاتهم الفردية؛ ذلك لأنّها مهمّة ذات طبيعة جماعية باعتبار أعبائها الثقيلة التي ينوء بها الأفراد، ولأنّها من جهة أخرى تمارس على مسرحٍ المنهجُ الغالب على الأعمال فيه هو المنهج الجماعي، والتفاعل بالاستجابة يتمّ فيه على مقتضى ذلك المنهج الغالب، وذلك كلّه يقتضي أن يكون تفعيل المهمّة الرسالية آخذًا بعين الاعتبار هذه الخاصّية الجماعية في طبيعة المهمّة وفي مسرح حركتها.
ومن أظهر المقتضيات في هذا الشأن العمل على بناء مؤسّسات متعدّدة المظاهر ومختلفة الأنواع تتحمّل القيام بهذه المهمّة الرسالية، وذلك من مثل المراكز البحثية، والمنظّمات العلمية، والجمعيات الدعوية، والمؤسّسات التعليمية، وما شابهها من التشكيلات الجماعية ذات الطبيعة المؤسّسية.
فهذه التشكيلات المؤسّسية ذات الطبيعة الجماعية تنخرط فيها العقول المهاجرة بحسب تخصّصاتها واهتماماتها لتكون محضنًا للحوار في العمل الرسالي بوجوهه المتعدّدة، وفيها تضبط الخطط والمشاريع في هذا الشأن، ومنها ينطلق الأفراد في الممارسة العملية للمهمّة الرسالية.
إنّ هذه المحاضن المؤسّسية لمن شأنها أن تفعّل الدور الرسالي للعقول المهاجرة؛ إذ هي بالإضافة إلى كونها محضنًا لتجميع الجهود وتوجيهها الوجهة الصحيحة، فهي تعتبر عاملًا من عوامل التحشيد النفسي والإرادي للعزم على تحمّل الرسالة الحضارية المنوطة بعهدة تلك العقول، كما تعتبر أيضًا عاملًا من عوامل الصيانة للولاء للأمّة والانتماء إليها، إذ هي صورة مصغّرة منها، والولاء للجزء مرحلة ممهّدة للولاء للكلّ.
كما تكتسب هذه المحاضن المؤسسية من المصداقية في عيون أهل الغرب وفي نفوسهم وعقولهم، وتكتسب من المكانة لديهم في مخاطبتهم والتعامل معهم ما لا تكتسبه العقول المهاجرة فرادى، وذلك من طبيعة ما بُني عليه المجتمع الغربي من القواعد في التعامل، فينبغي أخذه بعين الاعتبار في تفعيل الدور الرسالي لهجرة العقول.
د - التوجيه العملي:
إنّ ذلك المحتوى في الدور الرسالي للعقول المهاجرة، كما بيّناه آنفًا، وتلك المؤهّلات التي تتوفّر عليها للقيام بذلك الدور ليس من شأنها جميعًا أن تثمر الثمرة المرجوّة منها إذا ما وقع تفعيلها إلاّ إذا واكبها تفعيل للأساليب التي يقع بها القيام بذلك الدور في كلّ من اتّجاهي الأخذ والعطاء؛ ذلك لأنّ أساليب التبليغ هي من أكثر ما يجب فيها التفعيل لتطلّبها التعهّد بالتعديل والتغيير المستمرّين تناسبًا مع تغيّر أحوال المتلقّين في طرائق تقبّلهم للخطاب واقتناعهم به واستفادتهم منه.
وقد كانت العقول المهاجرة، التي قامت ببعض من المهامّ الرسالية في مراحل سابقة، تعتمد في خطابها التبليغي لأهل الغرب على الأساليب ذاتها التي يمارس بها التبليغ في العالم الإسلامي، أو على ما هو شبيه بها، وكانت أيضًا تعتمد في خطابها للعالم الإسلامي بتجربتها في الهجرة على الخطاب الصوري الذي يكتفي بنقل مشاهد التجربة دون جهود توظيفيّة لها بما يناسب المخاطبين من المسلمين، وكلّ من هذا وذاك قد لا يكون ملائمًا للدّور الرسالي المطلوب من هذه العقول في المرحلة المقبلة، وهو ما يستدعي تفعيلًا جديدًا يتمثّل في توجيه المناشط الرسالية التي تقوم بها العقول المهاجرة توجيهًا عمليًا.
والمقصود بالتوجيه العملي لتلك المناشط أن يتحرّى تبليغ المضمون الحضاري الإسلامي إلى الغرب، وكذلك المضمون الحضاري الغربي إلى المسلمين، منحى البيان العملي الذي يقدّم ذلك المضمون في الاتّجاهين بمواصفات واقعية مهيّأة للقبول بحسب ما تقتضيه الحاجة الواقعية في كلا الطرفين، وبحسب ما تستجيب له البنية الثقافية العامّة في مكوّناتها الفعلية في كلّ منهما.
إنّ أهل الغرب على وجه العموم بُنيت ثقافتهم بناءً عمليًا واقعيًا، وذلك جرّاء ما ترسّخ فيهم من نزعة ذرائعيّة زرعتها فيهم الفلسفة النفعية، ورعاها ونمّاها حبّ المتعة المادّية الذي طبع الحياة الغربية بصفة عامّة.. فبتلك النزعة أصبح أهل الغرب لا يتفاعلون على وجه العموم إلاّ مع الخطاب الذي يمسّ بصفة مباشرة حياتهم العملية، ويجعلهم ينتظرون من ورائه نفعًا ناجزًا يتمثّل في حلّ لمشكلة من مشاكل حياتهم الفردية أو الاجتماعية، أو في سبب من أسباب الرّفاه المادّي، أو في مسلك من مسالك الأمن النفسي أو الجماعي، وأمّا ما عدا ذلك ممّا طابعه نظري صوري بحت فإنّ التفاعل معه يكون محدودًا في كمّه من حيث عدد المتفاعلين، وفي كيفه من حيث درجة قبوله والاقتناع به.
واعتبارًا لهذه النزعة العملية لدى أهل الغرب، فإنّ تفعيل الدور الرسالي للعقول المهاجرة إلى الغرب لا بدّ ليكون ناجعًا أن يوجّه الخطاب فيه هذه الوجهة العملية ليواطئ عقولًا تتقبّله وتقتنع به، إذ يلبّي مطلبها في تحقيق النفع العملي.
ويمكن أن يكون ذلك التفعيل العملي سالكًا أحد مسلكين:
المسلك الأوّل: أن يكون الخطاب الإسلامي سالكًا مسلك الأنموذج العملي، بحيث تظهر القيم الإسلامية، فردية وأسرية واجتماعية، في الممارسة العملية للحياة على اختلاف وجوهها، وخاصّة ما يتعلّق منها بما فيه علاقة مباشرة بالمجتمع، إذ ذلك هو الأظهر للعيان، والأقرب للملاحظة، وإن كان الشأن الشخصي أو الأسري ملحوظًا هو أيضًا للناس، قائمًا لديهم مقام الشهادة المؤثّرة في النفوس، فهذا الضّرب من الخطاب العملي المجسّم للقيم الإسلامية الجماعية والفردية يعتبر حجّة بالغة التأثير في نفوس أهل الغرب وعقولهم، لما يرون فيها من حلول واقعية لبعض ما يعانون من المشاكل النفسية والأسرية الاجتماعية، فتسري إليهم القيم الدينية من خلالها، ويكون ذلك تهيئة لقبول ما بعدها من الحقائق الإيمانية العليا.
المسلك الثاني: أن يكون ذلك الخطاب سالكًا مسلك التهيئة العملية في بيانه للناس وشرحه لهم وتبليغه إليهم، على معنى أن ترتبط في ذلك الخطاب كلّ قيمة نظرية ببيان مغازيها العملية، وآثارها النفعية في الحياة مهما كانت درجتها من التجريد النظري، وأن تُبيّن الطرق والأساليب العملية التي يمكن بها أن تأخذ تلك القيم طريقها للتطبيق الواقعي المنتج لتلك المنفعة العملية، دون أن يُكتفى في التبليغ بالبيان النظري، المجرّد الذي قد يبقى في الأذهان ذات الثقافة العملية عصيًّا عن الفهم، أو غير مثير للاهتمام، فلا تتحرّك العقول لتقبّله واستيعابه والتكيّف به جرّاء تلك الثقافة العملية.
وكما يكون هذا التفعيل في الدور الرسالي للعقول المهاجرة، بأسلوبيه، صالحًا في طرف العطاء من طرفي ذلك الدور، كما بيّنّا، فإنّه يكون صالحًا في طرف الانتفاع منه أيضًا.