(إذا بعث الله المؤمن من قبره، خرج معه مثال يقدمه أمامه، فكلما رأى المؤمن هولًا من أهوال يوم القيامة، قال له المثال: لا تجزع ولا تحزن وأبشر بالسرور والكرامة من الله عزّوجل، فما يزال يبشره بالسرور والكرامة من الله سبحانه حتى يقف بين يدي الله عزوجل ويحاسبه حسابًا يسيرًا، ويأمر به إلى الجنة والمثال أمامه، فيقول له المؤمن: رحمك الله نِعَم الخارج معي من قبري! مازلت تبشّرني بالسرور والكرامة من الله عزوجل حتى كان ما كان، فمن أنت؟
فيقول له المثال: أنا السرور الذي أدخلته على أخيك المؤمن في الدنيا، خلقني الله لأبشرك) .
هذه هي البرامج الإسلامية لبناء المجتمع الفاضل. وكم يكون راقيًا ذلك المجتمع الذي يسعى لادخال السرور والفرح على قلوب سائر أبنائه.
وللإمام جعفر الصادق عليه السلام حديث يبيّن فيه أن تعاون المؤمنين وترابطهم المادي والمعنوي أفضل من العبادات المستحبة.
عن المشمعل الأسدي قال: خرجتُ ذات سنة حاجًّا، فانصرفت إلى أبي عبد الله الصادق عليه السلام فقال: من أين بك يا مشمعل؟ فقلت: جعلت فداك كنت حاجًا، فقال: أو تدري ما للحاج من الثواب؟ فقلت: ما أدري حتى تعلمني فقال:
(إن العبد إذا طاف بهذا البيت أسبوعًا - أي سبع مرات - وصلى ركعتيه وسعى بين الصفا والمروة كتب الله له ستة آلاف حسنة، وحط عنه ستة آلاف سيئة، ورفع له ستة آلاف درجة، وقضى له ستة آلاف حاجة للدنيا وادّخر له للآخرة كذا) .
فقلت له: جعلت فداك إن هذا لكثير.. فقال: أفلا أخبرك بما هو أكثر من ذاك؟ قلت بلى، فقال عليه السلام:
(لقضاء حاجة امرئ مؤمن أفضل من حجة وحجة حتى عدّ عشر حجج..) .
فهل تملك نفسك بعد ما تسمع هذا الحديث وتؤمن به إلا أن تهرع لقضاء حوائج إخوانك المؤمنين. وكم يكون ساميًا ذلك المجتمع الذي يسعى بل يهرع كل واحد لقضاء حوائج اخوانه بهذه الروحية العالية والنية الخالصة. ثم إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول:
(والله لقضاء حاجة المؤمن خير من صيام شهر واعتكافه) .
ويحدثنا الامام الصادق عليه السلام بحديث بالغ الأهمية نرجو أن يصبح منارًا نهتدي به:
(إنّ الرجل ليسألني الحاجة فأبادر بقضائها مخافة أن يستغني عنها فلا يجد لها موقعًا اذا جاءته) .
فحينما يسألك شخص حاجته فبادر إلى قضائها ولا تماطل فقد يتغيّر الوضع ويستغني عنها فتفوتك بذلك فرصة عظيمة، ويقول عليه السلام في حديث آخر:
(من كان في حاجة أخيه المسلم كان الله في حاجته ما كان في حاجة أخيه) .
والإسلام في الوقت الذي يقول للمقتدر: إقض حوائج اخوتك المؤمنين، يقول للمحتاج: أطلب من أخيك حوائجك.
يقول الإمام الصادق عليه السلام: (إذا ضاق أحدكم فليُعلم أخاه ولا يعين على نفسه) .
أي ينبغي لمن يقع في مشكلة أن يستعين بأخيه المؤمن على حلها ولا يتركها تستفحل.
وفي حديث آخر يشجعنا على الاجتماعات الايمانية ويقول:
(تبسّم الرجل في وجه أخيه حسنة، وصرفه القذى عنه حسنة، وما عُبد الله بشيء أحب إلى الله من إدخال السرور على المؤمن) .
أوَلا تريد أيها المسلم ان تجلب لنفسك حب الله تبارك وتعالى؟
وأكثر من هذا، يقول الإسلام لو أن رجلًا كافرًا قضى حاجة رجل مؤمن، فانّ الله لا ينسى لذلك الرجل المشرك عمله الحسن.
فقد روى عبيد الله بن الوليد الوصّافي أنه سمع أبا جعفر عليه السلام يقول:
(إن في ما ناجى الله عز وجل به عبده موسى قال: إن لي عبادًا أبيحهم جنتي واحكّمهم فيها.
قال: يارب ومن هؤلاء الذين تبيحهم جنتك وتحكّمهم فيها؟ قال: من أدخل على مؤمن سرورًا.
ثم قال: إنّ مؤمنًا كان في مملكة جبّار، فولع به فهرب منه إلى دار الشرك، فنزل برجل من أهل الشرك فأظله وأرفقه وأضافه، فلمّا حضره الموت أوحى الله عزوجل إليه: وعزّتي وجلالي لو كان لك في جنتي مسكن لأسكنتك فيها، ولكنها محرّمة على من مات بي مشركًا. ولكن يانار هيديه ولا تؤذيه، ويؤتى برزقه طرفي النهار. قلت: مِنَ الجنة؟ قال من حيث شاء الله) .
فليس المهم من أين يأتي رزقه في نار جهنم، من الجنة أو من أي مكان، إنّما المهم هو أن هذا المشرك الذي بقي مشركًا حتى مات، ولكن بسبب تعاونه مع مؤمن ولع به الطاغوت فهرب من بلاد الإسلام إلى بلاد الشرك خوفًا على دينه، فإن الله لا ينسى لهذا المشرك عمله الحسن بل يجازيه خيرًا.
إن الإسلام ليس فقط يريدنا أن نسارع نحو قضاء حوائج إخوتنا المؤمنين، وانّما يشجعنا ايضًا على التعاون والتماسك والارتباط ببعضنا عبر تعاليم كثيرة، مثل أخذ الزينة عند المساجد، والتعطر، والحضور في المساجد وسائر الاماكن المقدسة، والاجتماع في المناسبات الإسلامية وحتى المشاركة في الاعراس وتشييع الجنائز وغير ذلك من آداب العلاقات الإجتماعية .
صفوة الكلام
1-إن الصراع بين الاسلام والجاهلية صراع شامل، فلا يمكن الإنتصار فيه إلا بعمل شامل وعلى كل المستويات .
2-من هنا، فإن مقاومة الحضارات المادية لا تتحقق إلا بتأسيس حضارة إسلامية ذات أبعاد متكاملة .
3-وفي البناء الحضاري ، لا يمكننا الإكتفاء بالعوامل المادية فقط والتي سبقتنا فيها الحضارات المادية ، بل يجب - إضافة إلى ذلك - الأخذ بالبرامج الروحية والمعنوية التي نتميَّز بها .
4-إن الجهود التي بذلتها مجموعات كبيرة من السياسيين والمثقفين في بلادنا باءت بالفشل، لأنها تجاهلت البعد الروحي والمعنوي الذي يُعتبر نقطة قوتنا الأساسية .
5-ولكي نردم الفجوة بين بلادنا وبين البلاد المتقدمة، علينا العودة الى البرامج الروحية والمعنوية التي وضعها الإسلام، والتي لا تنتشلنا مما نحن فيه فقط، بل ترسم لنا طريق الوصول إلى أسمى الأهداف في الدنيا قبل الآخرة .
-عز وجل - إن التخلف الذي ينخر عظامنا، هو سبب كل المآسي التي نعاني منها.
-عز وجل - الإسلام هو المنهج الذي ينقذنا من التخلف كما أنقذ آباءَنا من قبل .
إنّ ما نشاهده في العالم الإسلامي - اليوم - من المآسي والويلات والحرمان، ومن سيطرة الطغاة والأجانب، ومن عربدة إسرائيل واغتصابها لحقوق شعبنا الفلسطيني، وتحولها من مغتصب لأرض وحقوق شعب، إلى سلاح مشهور على رقبة الأمة الإسلامية، وإلى أداة فعّالة بيد الاستعمار في هذه البقعة المقدسة من العالم.
كل ذلك انّما جاء كنتيجة مباشرة لتخلف أمتنا. إن أمتنا ضعيفة ومفتتة ولا تملك من وسائل التكنولوجيا الحديثة ما تردع به الأعداء.
فبينما تصنع إسرائيل مختلف الأسلحة المتطوِّرة، وتحصل على ثلث دخلها من بيع الأسلحة للعالم، وبينما تقوم هذه الدويلة اللقيطة ببناء قاعدة صناعية متكاملة، وتكاد تصبح في عداد الدول الصناعية في العالم، لا نزال نحن نلهث وراء الصناعة العالمية، ونتسابق لشراء المنتوجات الجاهزة الصنع من هذه الدولة أوتلك، وحتى لبناء جسر أو مدرسة أو لتنظيف مدننا، فإن بعض حكوماتنا تستعين بالشركات الأجنبية.
لقد زرت عاصمة إحدى الدول الإسلامية الغنية بالنفط، فرأيت عمالًا أجانب يعملون في تنظيف المدينة، ولما سألت عن ذلك، أجابني أحدهم مستنكرًا: شركة إنجليزية تجلب عمالًا كوريين لتنظيف بلدنا!
إن للتخلف مفهومًا واضحًا هو: أن تبيع المواد الخام، وتشتري كل شيء مصنّع. ونحن نشتري حتى المياه الغازية من الخارج. ولقد سألت مرة أحدهم: لماذا نستورد المياه الغازية معلبة من اليابان، ولانقوم بتحضيرها، بالرغم من أن العملية ليست أكثر من إذابة مسحوق في المياه المتوفرة عندنا؟ أجاب: في الواقع لا نقدر على صنع ذلك بمثل إتقانهم!