فهرس الكتاب

الصفحة 250 من 1942

وهذا لا يعني أن نسد كل الابواب، فلا نستفيد من تجارب الآخرين ولا نطّلع على ما يجري في المجتمعات الأخرى، وإنّما علينا أن ننفتح على العالم ولكن دون أن ننسى الميزات الحضارية التي نمتلكها.. وتلك العناصر الحاسمة التي لا تزال بأيدينا، والتي ينبغي أن نجعلها في حسابنا لنستفيد منها عمليًا. فمن دون ذلك لا نصل إلى أي تغيير إيجابي.

ان الوصول إلى الحضارة الحق غير ممكن الا عبر البرامج الروحية، وان أولئك الذين يريدون أن يصلوا بأمتنا إلى مستوى حضاري ارفع من الحضارات الغربية دون أن يأخذوا الجانب الروحي بنظر الاعتبار، هؤلاء فاشلون سلفًا. وكل الإحصائيات العلمية والتحليلات السياسية والبحوث الاجتماعية تؤكد على فشلهم هذا، لأنّ الفجوة تتسع يومًا بعد آخر وبكل أبعادها بين الدول المتقدمة والدول المتخلفة.

فكيف نلحق بهم؟ وكيف نردم هذه الفجوة الآخذة في الاتساع؟

إن الجهود التي بذلت عبر القنوات القومية أو الإقليمية، أو القنوات الحزبية المستوردة وما أشبه كانت جهودًا جبارة، ولكنها ليس فقط لم تنجح في ردم الفجوة بين الدول المتخلفة والدول المتقدمة، وإنّما ساهمت في زيادة إتساعها، لأنّها كانت بضاعة الأجنبي ردّت إليه، ولان هذه الجهود صبت بالتالي في تلك القنوات التي حفرتها القوى المعادية لأمتنا بطريقة تعود مرة أخرى وتصب لصالحها.

تجربة السقوط

وآخر تجربة غربية ماثلة أمامنا هي تجربة حزب البعث الذي أسسه رجل غربي الأصالة والفكر، الذي إستوحى من الاشتراكية الأوروبية والفلسفة القومية الاوروبية جوهر نظريته وصبغها ببعض الألفاظ العربية، وكما يقول في بعض كتاباته فإنّه أراد أن يوحّد الامة العربية في ظل الشعار المثلث المعروف (وحدة، حرية، اشتراكية) ذلك الشعار المتناقض في ذاته والمناقض لأعمال البعثيين أنفسهم وممارساتهم.

وليس صدفة أن يفشل حزب البعث، لأن فكره كان فكرًا إستعماريًا، يصب في قناة الغرب. لذلك حينما نؤكّد على البرامج الروحية والمناهج السماوية وضرورة العودة إلى كل التعاليم المحمدية لبناء حضارتنا المنشودة، فاننا نستوحي هذا التأكيد من الوقائع الحية التي نعيشها والتي تعمق الألم والمرارة في نفوسنا.

لقد عكفت مجموعات كبيرة من السياسيين والمثقفين تستجدي الأفكار من هذا وذاك دهرًا طويلًا، وبعد أن أخذتها وعملت بها، رأينا أنّها أفكار تدعو إلى عبوديتنا لهم مرة أخرى، وتعمل على ذلتنا وتفتتنا واستضعافنا.

إننا ولكي نردم هذه الفجوة بين بلداننا وبين البلدان المتقدمة، ليس أمامنا طريق الا الرجوع إلى تلك البرامج الروحية التي وضعها الإسلام. هذه البرامج التي هي ليست كفيلة فقط بانتشالنا مما نحن فيه، وانّما هي أيضًا طريق واضح ومستقيم للوصول بنا إلى أسمى الأهداف في الدنيا قبل الآخرة.

طريق النهوض

وهنا نعرض شذرات من هذه البرامج تعلمنا كيف يجب أن يعامل أحدنا الآخر، علّنا نستضيء بنورها في طريقنا لإقامة الحضارة الإسلامية المتكاملة التي ننشدها بإذن الله.

قال الرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:

(إنّ من إجلال الله، إعظام ذوي القربى في الإسلام)

وقال أيضًا:

(من لم يرحم صغيرًا، ولا يوقر كبيرًا فليس منّا)

وقال الإمام الصادق عليه السلام:

(لا يعظّم حرمة المسلمين الاّ من عظّم الله حرمته على المسلمين. ومن كان أبلغ حرمة لله ورسوله، كان أشدّ حرمة للمسلمين. ومن إستهان بحرمة المسلمين، فقد هتك ستر إيمانه) .

ولكي يعمق الإسلام شعورك بالوحدة مع المؤمنين، يقول:

(ان المؤمن ليسكن إلى المؤمن كما يسكن قلب الظمآن إلى الماء البارد)

بل يقول لك: حينما تجلس عند أخيك المؤمن فأكثر النظر إلى وجهه، فإنّ كثرة النظر تزيد الحب المتبادل، يقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:

(نظر المؤمن في وجه أخيه المؤمن للمودة والمحبة له عبادة) .

ويقول أيضًا:

(الا وإنّ ود المؤمن من أعظم سبب الايمان. ألا ومن أحب في الله وأبغض في الله، وأعطى في الله، ومنع في الله عز وجل فهو من أصفياء المؤمنين عند الله تبارك وتعالى. الا إنّ المؤمنَيْن اذا تحابّا في الله عزوجل وتصافيا في الله كانا كالجسد الواحد، اذا اشتكى أحدهما من جسده موضعًا وجد الآخر ألَمَ ذلك الموضع)

هكذا يرتفع مستوى الوحدة الايمانية بل الوحدة الروحية بين المؤمنين. ويؤكد على هذه الفكرة قول الأمام الصادق عليه السلام لأحد أصحابه الذي قال للإمام: (اني لألقى الرجل لم أره ولم يرني فيما مضى قبل يومه ذلك، فأحبه حبًا شديدًا. فاذا كلمته وجدته لي مثل ما انا عليه له. ويخبرني أنّه يجد لي مثل الذي أجد له) . فقال الامام:

(صدقت يا سدير، إن ائتلاف قلوب الأبرار إذا التقوا وإن لم يظهروا التودد بألسنتهم كسرعة إختلاط قطر السماء على مياه الأنهار. وإن بُعد ائتلاف قلوب الفجار إذا التقوا وإن أظهروا التودد بألسنتهم كَبُعد البهائم من التعاطف وإن طال اعتلافها على مزود واحد) .

قضاء حوائج المؤمنين

ومن جملة ما يؤكد الإسلام عليه في معرض التكامل الاجتماعي لبناء الحضارة، هو ضرورة قضاء حوائج المؤمنين بعضهم لبعض.

فالمؤمن عليه أن يطلب حوائجه من أخيه المؤمن ولا يستحي منه. وكلما يجد في نفسه حاجة يكشفها له بلا تحرّج. ويطلب منه في نفس الوقت أن لا يتوانى في تقديم ما يتمكن تقديمه.

وحينما تقضي أنتَ حاجتي وأقضي أنا أيضًا لك حاجتك فأنت تتكامل معي وأنا أتكامل معك، لأنّك تستطيع أن تقوم بعمل لا أستطيع هذه اللحظة أن أقوم به، وغدا قد أكون أستطيع القيام بهذا العمل وتعجز أنت عن ذلك. وهكذا فان عملية التعاون تبدأ من الجذور ومن الخلايا الصغيرة. وعندما يصبح المجتمع كله كتلة متراصة، آنئذ لا يمكن إختراقها.

وتأملوا هذا الحديث للامام الصادق عليه السلام وهو يقول:

(أوحى الله عزوجل إلى داود: إن العبد من عبادي ليأتيني بالحسنة فأبيحه جنتي.

فقال داود: يارب وما تلك الحسنة؟

قال: يُدخل على عبدي المؤمن سرورا ولو بتمرة.

فقال داود عليه السلام: حق لمن عرفك ألا يقطع رجاءه منك) .

وحينما سئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أي الأعمال أحب إلى الله، قال:

(اتّباع سرور المسلم) . قيل: يا رسول الله وما إتّباع سرور المسلم؟ قال: (شبعة جوعه، وتنفيس كربته، وقضاء دينه.)

وفي حديث آخر يصور لنا مدى أهمية قضاء حوائج المؤمنين بهذا الاسلوب الرائع..

يروي حنان بن سدير عن أبيه أنه قال: كنت عند الإمام أبي عبد الله الصادق عليه السلام فَذُكِر عنده المؤمن وما يجب من حقه، فالتفت إليّ أبو عبد الله عليه السلام فقال لي: ( يا أبا الفضل ألا أحدثك بحال المؤمن عند الله.) فقلت: بلى، فحدثني جُعلت فداك.. فقال:

(إذا قبض الله روح المؤمن صعد ملكاه إلى السماء فقالا: يارب عبدك ونعم العبد، كان سريعًا إلى طاعتك، بطيئًا عن معصيتك وقد قبضتََه اليك، فما تأمرنا من بعده؟ فيقول الجليل الجبّار: إهبطا إلى الدنيا وكونا عند قبر عبدي ومجّداني وسبّحاني وهلّلاني وكبّراني واكتبا ذلك لعبدي حتى أبعثه من قبره) .

ثم قال لي: ألا أزيدك؟ قلت بلى، فقال:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت