فهرس الكتاب

الصفحة 86 من 1942

تمتاز المرحلة الثانية بظهور فئة جديدة من المفكرين المسلمين ذوي تكوين خاص متميز عن تكوين مفكري المرحلة الأولى. فقد كان تكوين مفكري المرحلة الأولى تقليديًا، إذ نهلوا من التعليم الذي كان سائدًا في البلاد العربية والإسلامية منذ قرون، وكانت رحلاتهم إلى أوربا بمثابة تعليم إضافي لتعليمهم التقليدي على حد تعبير الوقيدي، الذي يرى أن هذا التعليم المزدوج هو الذي أدى إلى"الطابع التوفيقي"لأفكارهم عن النهضة. أما في القرن العشرين فقد ظهرت فئة مثقفة جديدة أعادت طرح سؤال النهضة هذه الفئات تلقت تعليمها في الغرب في ظل تغيرات عميقة حصلت في المنطقة، فاحتلال البلدان العربية والإسلامية لم يتوقف تأثيره على حدود الهيمنة العسكرية، بل امتد إلى القطاعات الثقافية والتعليمية والاجتماعية، وتشكلت البلدان المستعمرة بعد الاستقلال على أساس معطيات التقدم الغربي في تنظيم الدولة والمجتمع وإدارتهما. لقد تطورت الظروف الداخلية للبلدان العربية والإسلامية على نحو عميق، فلم تعد بنياتها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والتعليمية على ما كانت عليه أيام بدأ رواد النهضة الأوائل دعوتهم. كذلك خضعت البلدان العربية والإسلامية إلى تقسيمات جديدة لم تكن تعرفها من قبل فصيغت خريطة جديدة للعالم، وولدت القضية الفلسطينية وتطورت على نحو درامي مزمن بحيث استنزفت جزءًا كبيرًا من جهود النهضة، و كانت حركات التحرر ـ إضافة إلى ذلك ـ تلعب دورًا حاسمًا في توجيه جهود النهضة. ومن جهة أخرى عاش العالم الإسلامي خلال العشرين تناقضات جعلت توازنه يأخذ صيغة اختلال، من حيث إنه لم يتطور نحو أن يكون عالمًا تسوده علاقات متوازنة بين بلدانه، بل علاقات تطبعها أساسًا الشروطُ الهيمنة ذات المستويات المختلفة وهو ما جعل التنمية مطلبًا أكثر تعقيدًا ومتعارضًا بطبيعة الحال مع ظروف الاختلال التي يحيا فيها العالم الإسلامي برمته.

لقد أصبح سؤال النهضة في المرحلة الثانية يعبر في وسط التحولات الجديدة التي مرت بها المجتمعات الإسلامية و من منظور التطور في هذه العلوم وفي تطبيقاتها، والاستفادة مما حصل فيها في البلدان الأوربية.

في المرحلتين إذًا ثَم فارق في نمط العلاقة مع الغرب (متمثلًا في أوربا على وجه التحديد) فقد أصبحت أوربا نموذجًا لوجهين متناقضين: نموذج النجاح في النهضة حيث"يجب"ـ حسب الوقيدي ـ الاقتداء بها، ونموذج الهيمنة الاستعمارية حيث"لا يمكن أن تتحقق النهضة دون التحرر منها".

وفي المرحلتين أيضًا كان هناك وعي بالشروط التي تعصف بالمجتمعات المسلمة (الداخلية والخارجية) ، وهي شروط تغيرت على نحو كبير في كلا المرحلتين. لقد مهد فكر النهضة الإسلامي في المرحلة الأولى لتطورات الفكر النهضوي في مرحلته الثانية، وانتقل الفكر النهضوي من"التجديد"الإسلامي إلى استيعاب تطورات العصر، ولكن هذه المرة (المرحلة الثانية) لم يكن بالضرورة على أساس المرجعية الإسلامية.

هذا ما يراه الوقيدي على أنه الواقع الذي حصل، وهو تفسير لا يلغي تفسير النيفر (كما أوضحناه في القسم الأول من المقال) بل إنه يمكن القول إن هذا التفسير يدعم بشكل حاسم تفسير النيفر المذكور.

لكن النيفر الذي عقب على البحث يعد أن الوقيدي اعتمد على منهجية تاريخية تدرس الأشياء من منظور تاريخي لم يستطع في تفاصيل قراءته التحرر من (معتقداته الحداثية) ، مما يجعله عاجزًا عن التفهم الدقيق في قراءته للتراث العربي الإسلامي ونتاج مفكريه، وقد أفرز هذا التفهم الإيديولوجي عند الوقيدي نظرة مختلة للفكر العربي والإسلامي، حيث قسمه إلى تاريخين معاصر وإصلاحي تقليدي، وهو ما لا يفيدنا ـ إن لم يكن قد أعاقنا ـ في معرفة البنية التضاريسية الفكرية للعصر الوسيط وما سبقه.

كما يظهر القصور المنهجي في تعامل الوقيدي مع ابن خلدون والذي قصر شهادته - لا كما أراد - على ما عرفه الغرب دون التعرض للتشخيص الخلدوني الساعي لاستعادة الفاعلية الحضارية بعد قرون سبعة من الحضارة العربية والإسلامية.

ويأخذ النيفر ـ محقًا ـ على الوقيدي فرضيته المتضمَّنة في أفكاره التي تقول إن التجديد الفكري للفكر العربي الإسلامي لا يمكن أن يعتمد على التراث، وإنما بتجاوزه، مما يعتبره النيفر توجهًا استئصاليًا عقائديًا تجاه التراث الإسلامي، وهو ما يعتبر بحد ذاته أساسًا في عوامل إخفاق النهضة الإسلامية كما يراها النيفر.

ويبدو التفسيران اللذان عرضناهما لإخفاق النهضة في العالم الإسلامي يلخصان فعليًا التوجهات القائمة الآن، ولا يمكن لأي بحث في النهضة أن يجري دون مناقشة وتفكيك وإعادة تركيب كلا النظريتين. فلبّ البحث في النهضة يتوقف أساسًا على طريقة نظرنا لهذه القضية وموقفنا منها، فقد أصبح سؤال النهضة الآن ـ كما ذكرنا في مقدمة القسم الأول من المقال ـ:"لماذا أخفقت النهضة؟"، وجواب السؤال يمر حتمًا عبر مراجعة نقاشات من هذا النوع.

ــــــــ

* كاتب وباحث سوري

ـ الكتاب: لماذا أخفقت النهضة العربية؟

ـ المؤلف: احميدة النيفر، ومحمد الوقيدي

ـ الناشر: دار الفكر ـ دمشق/بيروت

ـ الطبعة: الأولى 2

(الشبكة الإسلامية) القاهرة ـ كمال حبيب

بعد عام من أحداث سبتمبر دشنت الإدارة الأمريكية ما أطلقت عليه"استراتيجية الأمن القومي للولايات المتحدة الأمريكية"، وهي وثيقة خطيرة لم ينشر نصها بالكامل باللغة العربية ، لكنّ المثقفين والمفكرين العرب خاصة المصريين بدؤوا في الكتابة عنها باعتبارها إعلانًا إمبراطوريًا جديدًا للهيمنة الأمريكية على العالم، وبالطبع فإن الوثيقة التي تحتوي على 31 صفحة كاملة تمثل انقلابًا حقيقيًا في العلاقات الدولية حيث تتبني ما تطلق عليه الحروب الاستباقية في مواجهة من تسميهم الوثيقة بالارهابيين - أي الجماعات والتنظيمات التي تمثل تهديدًا لأمريكا، وأيضًا في مواجهة الدول التي تضعهم أمريكا في خانة محور الشر باعتبارهم قادرين على إنتاج أسلحة غير تقليدية يمكن أن تصل إلى يد هذه الجماعات ، فلم تعد مبادئ الاحتواء أو الردع أو الردع المتبادل صالحة اليوم في ظل الهيمنة المطلقة لأمريكا على العالم ، إنما الجديد هو"الحرب الاستباقية"في مواجهة من يهدد حدودنا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت