سقوط حضارة
كثير من الدراسات والتقارير - كما جاء بجريدة آفاق عربية بعددها بتاريخ 1\10\2003 تعرضت بالرصد والتحليل للحدث «الجلل» - الحادي عشر من سبتمبر - وتداعياته منذ وقوعه وحتى الآن.
وفي هذا الإطار جاء العدد الجديد من حولية «أمتي في العالم» الذي يرصد عام 2001 و2002 ويصدره مركز دراسات الحضارة وتديره الدكتورة نادية مصطفي - أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة - وفي هذا العدد أكد الباحث أسامة مجاهد في بحثه عن «الاستجابة الرسمية الأمريكية» أن المسألة الثقافية - الحضارية والدينية - لم تعد في الظل ولم تعد تابعًا بل أصبحت المحرك للتاريخ منذ 11 سبتمبر حيث أصبح هناك كثافة في استخدام المصطلحات الدينية في الخطاب الرسمي الأمريكي وصعود البعد الثقافي والديني إلي المرتبة الأولي في الصراع علي الأقل ظاهريًا.
هذا الخطاب الذي يسيطر عليه البعد الديني انتقل كذلك إلي الخطاب الأوروبي في تعامله مع الأزمة وبخاصة في بريطانيا. وفي بحثها بعنوان «الدائرة الأوروبية والانعكاسات علي الأزمة» أكدت الباحثة مروة فكري أن الخطاب السياسي لرئيس الوزراء البريطاني توني بلير برز فيه البعد الثقافي» فقد شدد علي القيم التي يؤمن بها الغرب . بل إن خطاب بلير جعل أوروبا والولايات المتحدة في كفة واحدة مقابل العالم أجمع فالعالم عنده أصبح منقسمًا إلي عالم غربي متحضر وآخر غير غربي وغير متحضر.
ولم يقتصر ذلك التوصيف - طبقًا للباحثة - لطبيعة الأزمة علي الخطاب البريطاني، بل امتد لأوروبا كلها حيث جاء التوصيف الرسمي الأوروبي بشقيه الجماعي والقومي للهجمات علي الولايات المتحدة علي أساس ثقافي حضاري فيه إعلاء لقيم أوروبا وحط للآخرين.) اهـ
وفي الحرب الأمريكية علي ما تسميه الإرهاب ترصد الدكتورة زينب عبد العظيم في دراستها «الاستراتيجية الأمريكية العالمية واستمرار الحرب ضد الإرهاب» ضمن حولية «أمتي في العالم» أهداف تلك الاستراتيجية وتذكر من بينها ( شن حرب مفتوحة ضد دائرة الحضارة الإسلامية بالتحالف مع الصهيونية. فالرئيس بوش وصف حملته علي الإرهاب بأنها «حملة صليبية» والدراسات تؤكد - وهو ما تؤيده الباحثة - أن السياسات الأمريكية منذ 11 سبتمبر هي تجسيد دقيق لمقولة صراع الحضارات. )
أية قيم وأية ثقافة وأية حضارة ساقطة تلك التي يطرحونها بين أقدامنا ؟
إنها الحضارة الجثة: تعبيرا لا عن موتها النهائي بالضرورة ولكن تعبيرا عن افتقارها إلى الروح ومن ثم إلى الخلق ، وأخيرا تعبيرا بكونها على حافة السقوط .
وإذا كان الشيء بالشيء يذكر فإننا لا نبتعد كثيرا إذا نحن دعونا إلى تشريح جثة تلك الحضارة بداية من خلال هذا السؤال الحضاري ونحن نوجهه إلى طبيب شرعي: هل يمكن أن تكون الخياطة الطبية التي رأيناها منذ وقت مضى على جثتي قصي وعدي - ولدي صدام حسين - بادئة من يمين الصدر ويساره ملتقية فوق السرة منتهية إلى أسفل البطن في كل من الجثتين على شكل دقيق منتظم بالمسطرة كحرف Y هل يمكن أن تكون نتيجة ضربات عشوائية أثناء القتال ؟ أم هي نتيجة مشرط طبي قام بعمله لهدف معين ؟ وما هو ؟ هل هو للتخلص من قلبين يملكان أسرارا يخشى القاتل من أن يتكلما ؟ هل يمكن أن يكون من أجل سواد عيون"هند"آكلة أكباد العصر ؟ أم من أجل هدف حضاري - على الطريقة الغربية - للتجارة في قطع الغيار البشرية ؟ وهل كان هذا هو السبب في تأخير عرض الجثتين أياما بعد قتلهما ؟ وهو السبب في تأخير تسليمهما لأهلهما حتى تؤخذ الضمانات لمنع الخبثاء من إعادة التشريح وفضح هذا العمل الحضاري الفريد ؟ وهل يجري ذلك على كافة جثث العراقيين والفلسطينيين والأفغان الذين يقتلون بدم بارد مما يوحي برواج قادم في تجارة حضارية واسعة في عالم الطب الغربي ؟ أم ماذا ؟
أية حضارة تلك ؟ بل أي حقارة ؟
أليس من العجيب أن نكتشف أخيرا أن المثل القائل: من كان بيته من زجاج فلا يرمي الناس بالحجارة لم يعد صحيحا ، لقد اكتشفنا أخيرا أن صحته تتوقف على ما إذا كان صاحب البيت على قدر ولو ضئيل من الحياء ، أو كان الطرف الآخر على استعداد لاستعمال ذراعيه ، لهذا وجدنا"الأمريكي"صاحب البيت الزجاجي المتهالك ( المتحضر ) على النحو المبين أعلاه يعاير المسلمين بأنهم أعداء عالمه ( المتحضر ) المسكون بروح يأجوج ومأجوج ، ويسلط عليهم ثوره الشاروني الهائج لكي يبيدهم باعتبارهم غير مؤهلين للانخراط في معبد"حضارته"المنكوس ، ثم يأمر عملاءه بينهم أن يعيدوا"تأهيل الدعاة"وخطباء المساجد ، فيسرعون إلى ما أمر ، ولو كانت لهم ذراع يستعملونها للرد لأشاروا بأصبع من يدهم - مجرد إشارة - إلى"جثة حضارته"المرموز لها بما عرضوه علينا من جثث الشهداء ، أن يعيد تأهيلها بينما هي جثة حضارة عفنة جرى تشريحها على يد أطبائهم فلم يجدوا بها من قطع الغيار المطلوبة شيئا: لا عقلا ولا روحا ولا قلبا ولا خلقا ، غير مشرط دقيق بيد علم أجوف جاهل بقسم أبقراط
وإذا لم يكن للمسلمين اليوم قدرة على استعمال أصبع يشيرون بها لاستغراقهم في بركة آسنة من السكون ، فإن لبعضهم ما تزال حاسة استماع تجعلهم في حالة أرق مدمن ، يطلبون النوم كالذين من حولهم ولكنهم لا يستطيعون ، ذلك أنهم يسمعون أصواتا تأتي مرعدة ، أو مقعقعة كأنها طقطقة عظام التاريخ ، أو كأنها تكسر أعمدة الجغرافيا: حدث جلل ، إنه سقوط حضارة لا يصلحها"إعادة التأهيل"!
لماذا والأمر الذي لاشك فيه أن لهذه الحضارة تلك التي تتساقط إيجابيات شامخة - كما يقول بعض المراقبين -: في مجال العلوم ، والتخصص ، والتكنولوجيا ، وتوزيع العمل ، والإنتاج والتسويق ، والاستهلاك ، واختزال المعرفة ( الكمبيوتر ) واختزال الزمن والمكان ، وهي اليوم تتربع على عرش العلم ، وتملك قوة الذرة ، وتمشى على القمر ، وتجوب الفضاء وتزرع قلوب الموتى في الأحياء ، وتصنع أجناسًا جديدة من النبات والحيوان بالهندسة الوراثية ، وتفجر الطاقة الكهربائية من شعاع الشمس ، وتصنع السدود والأنفاق والكباري مئات الكيلومترات ، وتحفر تحت المحيط أنفاقًا مثل المدن .
لكن أليست هذه هي القشرة"الشمعية"فوق ظاهر الجثة المادية ؟ تعالوا بنا نتجاوزها لنلقى نظرة على صانع الخلايا في العظام لنرى ما إذا كانت آيلة للسقوط أم بحاجة إلى"إعادة تأهيل"كشأن آلاف الدعاة في بعض البلاد الإسلامية وفقا لسجود وزارات الأوقاف والشئون الإسلامية فيها أمام تعليمات"الغزاة ؟!"
إن المشكلة بدأت في خطة قيام هذه الحضارة في مشروع النهضة الأوربية ، والتي تلقت درس القرون الوسطى استبعادا للكنيسة ، والدين ، باعتبارهما العائق الأكبر في طريق التقدم ، ومن ثم قررت التوجه في مشروعها .. لبناء الحياة الدنيا وإقصاء ما يتصل بالآخرة ، يقول الدكتور هرمان راندال في كتابه"تكوين العقل الحديث"وهو يتكلم عن الروح الجديدة التي سيطرت على النهضة الأوربية: ( تقوم هذه الروح الجديدة في أعماقها على اهتمام متزايد بالحياة الإنسانية كما يمكن أن نعيشها على هذه الأرض ، ضمن حدود الزمان والمكان ودون ارتباط بالعالم الثاني أو الأخروي ) ج1 ص 184: وهؤلاء هم الذين قال الله فيهم ( فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق ) 200 البقرة .
وإنسان هذه الحضارة عموما هو النموذج العالمي الذي يغزو الكرة الأرضية ويسيطر على الذهن البشري في الأقطار المتقدمة والمتخلفة على السواء .