ومن هنا عبر الفيلسوف الفرنسي الشهير هنري برجسون عن حالة الخواء الروحي في الحضارة المعاصرة تعبيرا رائعا - على حد قول الفيزيائي الشهير لويس دي برولي الحائز على جائزة نوبل عام 1929 في كتابه"الفيزياء والميكروفيزياء"ترجمة ونشر سلسلة الألف كتاب عام 1967 - بقوله: ("يتطلب جسدنا المتوسع زيادة في الروح"ثم يقول: هل سنستطيع الحصول على هذه الزيادة بنفس سرعة تقدم العلم ؟ لاشك أن مصير البشرية متوقف على ذلك)
يقول دي برولي ( والآن في هذا الجسد الذي اتسع أكثر مما ينبغي بقيت الروح كما كانت أضأل من أن تملأه وأضعف من أن ترشده .. إن هذا الجسد المتخم ينتظر إضافة في الروح ، وإن الآلة تتطلب تصوفا .. إن الإنسانية تئن ، تكاد تسحقها أثقال التقدم الذي صنعته ) فماذا يعني جسد خلا من الروح ؟ أليس يعني أنه صار جثة ؟ حضارة هي جثة ؟
إننا نمسك هنا بتلابيب المأساة الحقيقية - هكذا يقول دي برولي - .. ( إن إرادة رجل واحد فقط تكفي لأن تفك من إسارها ظاهرة ذات قوة هائلة ، وتزداد مسئولية الإنسان نتيجة لهذه الزيادة الهائلة في قوته ، بنسبة واحدة ، ويمكن أن تصبح نتائج سقطة واحدة مما يفوق الحصر ، وعلى ذلك يصبح للمشكلة الأخلاقية مغزى أعظم مما كان لها في الماضي .)
نعم لقد أصبحت المشكلة الأخلاقية لرجل واحد يتربع على قمة السلطة في بضع دول غربية يمسك بيده الحقيبة النووية - ربما يكون قد شرب قدرا من الكحول في ليلته الليلاء أكثر من المسموح به - أصبحت على قدر هائل من الخطر بالنسبة للإنسانية كلها .
فهل يفهم"العم سام"أن الأولى به إعادة تأهيل لجثة حضارته بدلا من شغله بـ"دعاة المساجد"في السعودية أو مصر ؟ لكن أليس هذا مستحيلا ؟
ويضع ألبرت شفايتزر يده على نفس المشكلة في كتابه الشهير"فلسفة الحضارة"عندما يقول:"إن الاتساع الرائع في المعارف المادية والقوة لا يكوَِن جوهر الحضارة". و يرى أن الأعمال المبتكرة: عقلية ومادية لا تعطى آثارها الحقيقية إلا إذا استندت الحضارة في بقائها ونمائها إلى استعداد نفسي يكون أخلاقيًا حقًا. وأنه إذا فقد الأساس الأخلاقي تداعت الحضارة حتى لو كانت العوامل العقلية والفنية والمادية تعمل عملها في اتجاهات أخرى . وأنه لن يكون في وسع أحد إنقاذها إلا إذا اكتشف غالبية الناس لأنفسهم معنى أخلاقيًا عميقًا راسخًا عن طريق نظرية أو عقيدة في الكون . وأنه بغير هذه التجربة الروحية العامة لا سبيل إلى المباعدة بين عالمنا وبين الانهيار الذي يغذ السير إليه.
وهو يذهب إلى أنه منذ أن تخلت الحضارة الغربية عن الدين في مشروعها الأساسي للنهضة ثم انصرفت الفلسفة الأوربية المعاصرة عن القيام بدور إيجابي في هذا المجال ، سواء على المستوى العالي من الفلاسفة ، أو على المستوى الشعبي من أتباعهم فإن ( الأفكار الأخلاقية التي تقوم عليها الحضارة تجوس منذ ذلك الوقت أنحاء العالم فقيرة لا مأوى لها ، ولم تتقدم نظرية في الكون لتسندها إلى أساس متين . ) فهل يفهم توماس فريدمان الصحفي الأمريكي فاضح الصيت هذا الكلام ، وأليس الأولى به أن يركبه هم إعادة تأهيل جثته الحضارية التي أفرزته ويا للعجب كيف أفرزته ، أم أنه لا عجب لأن جثتة هكذا تفرز ؟
وهاهو تشارلز فرانكل في كتابه"أزمة الإنسان الحديث"يشير إلى أن كثيرًا من فلاسفة العلم المعاصر مثل مرتيان ونيبور ومانهيم يتحدثون عن ( التقدم الفكري والعلمي ـ وهو أكبر مفخرة لما أتاه الإنسان الحديث ـ على أنه مجرد أحبولة وخداع ، وأن هذا العالم الحديث قد أعطى مكانًا مركزيًا في الحضارة لجزء من الحياة البشرية ، ليس في حقيقته سوى جزء صغير بالنسبة إلى الأجزاء التي تعمل على التقدم الإنساني ، وأن حماسة كوندورسيه ، وجون ستيوارت مل ، للعلم الحديث وإيمانهما بالعلم وأملهما في المستقبل تنبذ ـ الآن ـ على أنها أوهام قوم ، معرفتهم بالطبيعة البشرية مسطحة جدًا ، مثل مفهومهم لإمكانات الحياة البشرية ومعضلاتها . ) فهل يفهم هذا الكلام العم سام ، وأليس هو الأولى بالعمل على إعادة تأهيل الجثة التي أفرزته ، أم أن الفرصة قد أفلتت منه إلى الأبد ؟
ولا يمكن اعتبار ما ظهرت به الصهيومسيحية في الولايات المتحدة وبعض البلاد الأوربية الأخرى رجعة حقيقية إلى الدين أو نوعا من إعادة التأهيل ، فهذا أولا: مالا يمكن تاريخيا أن يكون تعديلا في بنية حضارة و مسيرتها الأساسية وهيكليتها التي عقدت وقامت واستمرت منذ قرون على استبعاد الدين من مشروع النهضة ، تماما كمالا يمكن لحضارة أخروية كالحضارة الإسلامية أن تعدل هيكليتها لتكون على منوال الحضارة الغربية ، محاولة كل منهما عندئذ تصبح انخلاعا من الطبيعة الخاصة بها من جهة وفشلا في الوصول من جهة أخرى .
وهذه الرجعة ثانيا لا قيمة دينية لها وهي لم تربط بالقيم الأساسية للدين ، في العقيدة والأخلاق والقيم الإنسانية والتشريع ، وطالما اقتصرت خارجيا - وهو بيت القصيد - على اختراع العدو (الإسلام ) ، والشحن ضده ، وشن الحروب الاستباقية ضده ، والصراع على النفط والأرض والمال في أرضه ، وطالما ظلت تقتصر داخليا - كما هو الحال - على ما يشبه مذهب الإرجاء:"لا يضر مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة"، وطالما انحصر دور المسيح - حسب تصورهم - في الغفران للممسوحين مهما ارتكبوا من آثام .
واقرءوا ما نشرته بعض جرائد الإمارات ( الخليج \ الاتحاد ) في 27\5\1988من حلقات الفساد الخلقي لكبار وأعلام المؤسسات الدينية في أمريكا من أمثال جيم بيكر الذي بدأ حياته كواعظ ديني يبث برامجه على شاشة التليفزيون ، وارتقى في هذا المسلك إلى أن بدأ في عام 1974 في ( بناء امبراطوريته الدينية ، وفيما بعد قام بالاشتراك مع زوجته المغنية والراقصة"تيم فاي"ببث برنامج تليفزيوني يشاهده 13،5 مليون عائلة عن طريق قمره الصناعي الخاص ومن خلال 178محطة تليفزيونية ، وأما العائدات فبلغت عام 1986 حوالي 129 مليون دولار وهو العام الذي سبق الفضيحة الأخلاقية المالية المدوية التي انفجرت عن علاقته الغرامية مع السكرتيرة"جاسكا هان"والتي اتضح فيما بعد أنها مستمرة منذ سبع سنوات مضت ، مما دعا قادة العمل الكنائسي في أمريكا إلى مواجهته بها: مما اضطره إلى الاعتذار بما هو أقبح: فتارة يعتذر بأنه وقع ضحية بريئة لامرأة متمرسة جنسيا ، وتارة بأنه فعل ذلك بقصد إثارة غيرة زوجته فحسب ، وتارة بأن زوجته كانت على علاقة مع رجل آخر ، والطامة ما أجاب به أحد مساعدي جيم بيكر السابقين وهو"جاري سميث"في( تقرير مسجل قانونيا بأن الواعظ جيم بيكر"شاذ جنسيا") ، وأخيرا فإنه عندما أنكر ما نسب إليه في برنامج تليفزيوني شهير اسمه"نايت لاين"وعندما قال له مقدم البرنامج: إذا كانت هذه التهم غير صحيحة فلماذا لا تقوم برفع قضية قانونية ضد الذين اتهموك ؟ أجاب ( إنهم يعرفون أني لن أرفع أية قضية ، فأي شخص يعرف طبيعة جيم بيكر يعرف بأن جيم بيكر لا يرفع قضايا ضد الناس ) !! وللقصة ذيول طويلة في جانبها المالي ، وفي أشباهها من رجال الدين الآخرين في أمريكا أولئك الذين يقودون أمريكا اليوم إلى حرب صهيونية ضد الإسلام ، والحبل على الجرار طويل .