هذا هو البرنامج الذي يضعه الإسلام الحق، يبقى علينا أن نطبّقه بشكل سليم. إنها قضية أساسية في حياة شعوبنا النامية، لأن العالم اليوم يقف على أبواب تغييرات جذرية هائلة، وأننا لو بقينا هكذا، فإن الفجوة بين بلادنا والبلاد الصناعية تتوسع أكثر فأكثر، وقد تصل هذه الفجوة يومًا إلى حد أن بلادنا لا يمكنها أن تلحق بركب الحضارة أبدًا.
إن فرصتنا الوحيدة هي التحرك الآن، برغم صعوبة هذا العمل البالغة. وربما لو كنا قبل خمسين سنة قد عقدنا العزم على اللحاق بركب الحضارة، وشددنا الأحزمة وسعينا، لكنّا قد ردمنا هذه الفجوة ولحقنا بمن سبقونا وربما تجاوزناهم.
إننا لا يحق لنا أن نتغافل عن مصيرنا ومصير الأجيال القادمة، وهذه ليست مسؤولية إجتماعية فقط، وانّما هي أيضًا مسؤولية فردية.. أي: كل إنسان يجب أن يجسد الإسلام بتعاليمه الحضارية لكي يكون رائدًا في مجال تقدم بلده، ليعقد كل واحد منا العزم على أن يقلل شيئًا ما من تخلف بلده الذي يعيش فيه.
لا يكن همّ تجارنا أن يزيدوا من ثرواتهم فقط. ولا يكن همّ علمائنا ومثقفينا أن يوظَّفوا في إحدى الشركات أو الوزارات، وأن يبنوا بيتًا. ولا يكن همّ عمالنا زيادة الأجور. ولا يكن همّ حرفيينا وكسبتنا الحصول على مغانم مادية. بل ينبغي أن يكون همّ كل واحد منا أن يقدم بلده، وهذا هو العمل الصالح وهذا هو الجهاد الحقيقي في فترتنا الراهنة.
صفوة الكلام
1-إن ما نعانيه اليوم من المشاكل والمآسي في كل الأبعاد، ناجم عن التخلف المستشري في أوصال أمتنا .
2-إن أمتنا تملك الموارد الإقتصادية الكافية، والأراضي الواسعة، والموقع الجغرافي المتميز، إلا أنها لا تستطيع مواجهة العدو الصهيوني، إلا بالإعلام الفارغ .
3-وبالرغم من أن الإسلام هو المنهج الذي ينقذنا من التخلف، إلا أن هذه الحقيقة مهملة عادة في توجهات المؤمنين، من جهة وإن أعداءنا يحاولون سرقة هذا التطلع من جهة أخرى .
4-الإسلام يحارب التخلف، ويحقق التقدم والحضارة عبر العوامل التالية:
ألف: فك الأغلال النفسية والتحرير من الأغلال .
ب: التمحور حول العمل الصالح .
ج: الإهتمام بالعلم .
د: علمية العمل وعملية العلم .
هـ: التعاون .
و: حذف الزوائد الني تتطفل على حياة المجتمع .
ز: تحديد الطرق الصالحة للعمل .
-عز وجل - ليست عملية التغيير الجذري في حياة الأمم إلاّ الاستفادة الجيدة من عامل الإرادة البشرية، ومن قدرة الإنسان على تحدي واقعه السيء .
-عز وجل - الأمة التي تعرف سرّ التغيير والإصلاح الجذريين في حياتها لا تموت أبدًا .
الدورة التاريخية
إن الدورات التاريخية التي نراها عادة عبر التاريخ البشري، حيث أن الأمم تنشأ ثم تتقدم ثم تنكمش، ثم تتحدى ثم تنكسر، وقد يحدث في بعض الحالات أنها تنبعث من جديد، ثم تتقدم، ثم تنتهي. إن هذه الدورات التي غالبًا ما نجدها صحيحة في تاريخ الحضارات لا تقع بطريقة واحدة في كل مكان، ولا يمكن أن نعتبرها قضية مطلقة، كالقضايا الرياضية التي قوامها القوانين المجردة والكلية، مثلًا (2×2=4 دائمًا) .
الدورات التاريخية ليست هكذا، وإنّما تحتفظ بالجانب الإنساني فيها وهو الجانب الإرادي المتميز، حيث أن كل عامل يؤثر في ظرف تاريخي معين تأثيرًا بمقدار مختلف عن تأثيره في ظروف أخرى.
ويمكننا أن نقسم المراحل الحضارية للتاريخ بصفة عامة إلى:
أولًا: المرحلة البدائية
وهي عبارة عن وجود مجموعة من البشر، أجسادهم مجتمعة وأفكارهم متفرقة، لا يحملون رسالة ولا يطمحون لتحقيق هدف، ولا يبحثون عن تقدّم، ولا يعنيهم الاّ الحصول على ضرورات معاشهم. هذه المجموعة البشرية تبقى هكذا عبر مئات السنين، تعيش في عزلة عن العالم، كالعرب في الجاهلية، وشعوب أخرى غيرهم.
ثانيًا: المرحلة الرسالية
ثم تنبعث فيها فكرة رسالية، عادة ما تكون مستوحاة من نبي بُعِثَ إليهم مباشرة من قبل الله عز وجل، أو رسالة نُقِلت إليهم عبر وسيط بشري من غير الأنبياء. وحين تنبعث فيهم هذه الرسالة، فانّها تقوم بدور إشعارهم بوضعهم المتردي الذي يتوجب عليهم تغييره، وإعطائهم رسالة هي فوق تطلعاتهم المادية الضيقة، حيث يتشبثون بها ويتمحورون حولها، ويفجرون طاقاتهم من أجل تحقيقها. وأخيرًا تحدد لهم برامج ومناهج، وسلوكيات وأحكامًا وأنظمة معينة يسيرون على هداها، وهنا تنغرس النواة الأولى للمدنية التي لا تلبث أن تنمو حتى تحقق مدنية جديدة.
ثالثًا: مرحلة الإصطدام
هذه المدنية تصطدم أول ما تنمو بما حولها، من أفكار ومجتمعات صدمة عنيفة، قد تؤثر فيها تأثيرًا سلبيًا، فتنهزم أمام جيوش الأعداء، وتصاب بنواقص كثيرة. جاء في القرآن الحكيم:
?وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ? البقرة،155
هذه الآية تشير إلى المشاكل التي تنشأ بعد نمو الحضارة وتكوّن الأمة على أساس الرسالة.
وقد تسبب هذه الصدمة وهذا التحدي إنكماشًا في هذه المدنية حتى ليبدو، للذي يرى الصراع من بعيد، أن هذه الرسالة وهذه الحضارة التي ابتنيت عليها قد انتهت، ولم يبقَ لها فرصة للانتصار على أعدائها، وذلك بسبب الظروف الصعبة التي تعيشها، والخلافات الداخلية التي تهزها.
ولكن مع هذا الإنكماش، فإن هذه المدنية تتميز في هذه المرحلة بالشجاعة وروح الإقدام والتضحية من أجل الاهداف التي تحملها.
كما أنّها في هذه المرحلة، لا يهتم أبناؤها بالأسلحة والتنظيم والوسائل العلمية والطبيعية من أجل كسب المعركة، وإنّما يتحركون في الأرض تحركًا إرتجاليًا، من أجل تحقيق أهدافها.
رابعًا: مرحلة المراجعة والتنظيم
ولكن هذه الرسالة لا تلبث أن تجدد نفسها بعد سنين قد تطول وقد تقصر، ويتجدد إيمان أتباعها بها، لأنّهم بعد أن ينهزموا شيئًا ما أمام الصعوبات والأعداء، فإنهم يعودون ليقيِّموا أوضاعهم، ويطرحوا على أنفسهم هذه الأسئلة: لماذا انهزمنا؟ وماهي الثغرات؟ وكيف نتقدم؟.
وهكذا تنبعث فيهم الروح مرّة أخرى فيتحركون، ولكن في هذه المرحلة تتميز إنطلاقتهم بعدم الاعتماد على الايمان وحده، بل يتوجه الاهتمام إلى التطوير والتنظيم، وتهيئة الوسائل، والسعي إلى زيادة الحلفاء والحصول على الأسلحة، والأخذ بكل الاسباب العلمية والمادية للبناء والتقدم، وذلك إعتبارًا بما حصل لهم من دروس مُرّة، ومن إنتكاسات صعبة. وتدوم هذه المرحلة فترة طويلة نسبيًا، تنمو خلالها الحضارة وتتقدم، وتحتفظ ذاكرتها بعبرها السابقة لكي لا تتكرر التجارب الفاشلة مرة أخرى.
خامسًا: مرحلة التحجّر
ولكن مع إستمرار الوقت وطول الزمن، تهترىء الذاكرة الحضارية، وتنسى تجاربها تقريبًا، سواء التجارب الايمانية كالشجاعة والتضحية، أو التجارب المادية التي حصلت عليها في المرحلة السابقة.
يقول ربنا سبحانه وتعالى في كتابه الحكيم:
?أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ? الحديد،16
وقسوة القلب عبارة عن التحجّر، وإصابة الأمة بحالة التعب والإرهاق، فتصبح في وضع لا تعطي فيه ولا تأخذ، ولا تتأثر بحقائق الحياة، ولا تستجيب للعوامل الطبيعية والسنن الصحيحة، فتصبح مثل الحجر الذي لا يتفاعل مع ما حوله.