إن هذا التخلف الذي ينخر عظامنا هو سبب كل المآسي التي نعاني منها.
إننا نلهث وراء الصناعة الأجنبية لهثًا، بينما الأجانب يفتشون في بلداننا عن أسواق وعن مواد خام، ليبيعونا كل شيء، ومادامت حالتنا في هذا المستوى من السوء فلابد أن ننتظر المزيد من إستكبار المستكبرين علينا، واستهتارهم بحقوقنا.
فما الذي ينقصنا عن الشعب الياباني الذي لم يملك غداة إنتهاء الحرب العالمية الثانية إلاّ ركام المدن المهدمة والمصانع المدمرة بالاضافة إلى مئات الألوف من القتلى والجرحى، لكنهم نهضوا من كبوتهم وشقوا طريقهم بعزيمة صادقة حتى غزت صناعتهم اليوم أسواق العالم؟
ولقد كان معدل دخل الفرد الياباني بعد الحرب مباشرة لا يزيد على ثلاثمائة دولار سنويًا، اما الآن فإن دخل الفرد في السنة (1980- 1981) قفز إلى اكثر من اثني عشرة آلاف دولار سنويًا.
هذا مع ان اليابان بلد مستعمَر ولا تزال أراضيه تحت الاحتلال العسكري الإمريكي.
وكذلك ألمانيا، التي تعتبر اليوم من أقوى الدولة الأوربية في الإقتصاد، هذه الدولة التي خرجت من الحرب العالمية الثانية وهي تحمل ذكرى عشرة ملايين قتيل خسرتهم، ولا تملك إلاّ أنقاضًا لحضارة سادت ثم بادت.
إننا ومع ما نملك من موارد اقتصادية، وأراضٍ واسعة، وموقع جغرافي متميز، ترى أن دويلة الصهاينة تعربد في المنطقة دون أن يرد عليها أحد من الجهات الرسمية بأي رد، اللهم إلاّ عربدة إعلامية فارغة.
إسرائيل تعربد عبر طائراتها المتطورة حيث تقصف المدنيين هنا وهناك، وتقتل الأطفال والنساء والشيوخ، وفي مقابل ذلك ترى المؤتمرات الرسمية تلو المؤتمرات، والتصريحات تلو التصريحات، والمؤتمرون والمصرحون هم أول من يعلم انهم غير صادقين، لأنهم حينما يصرّحون بتصريحات ضد العدو الصهيوني، فإنه يتعاونون معه من خلف الستار.
كيف نحقق التقدم الحضاري؟
إن الإسلام هو المنهاج الذي جاء لكي ينقذنا من تخلفنا كما أنقذ آباءنا من قبل. ولكن مع الأسف فإن هذا الجانب مهمل عادة في أحاديث المؤمنين وتوجهاتهم، وهذا غير صحيح لأن هناك تطلعًا كامنًا في نفوس الشعوب الإسلامية النامية يدعوهم إلى اللحاق بركب الحضارة.
إن أعدائنا يحاولون أن يسرقوا هذا التطلع، وأن يجيِّروه في سبيل مصالحهم، وذلك بالكذب على شعوبنا، فمرة يأتون إليهم بنظام الرأسمالية ويقولون هذا النظام سوف يجلب لكم التقدم والحضارة، ومرة يأتون لهم بالنظام الاشتراكي ويدّعون أنّه الوحيد القادر على رفع التخلف والحرمان.
انهم يكذبون ليسرقوا تطلعنا، ويستغلوا جهلنا وقلة وعينا.
لذلك يجب على المفكرين الإسلاميين أن يركزوا على هذه المسألة، ويبينوا أن سبب تخلفنا، بالاضافة إلى الاستعمار والثقافات الدخيلة، هو بُعدنا عن ديننا وقيمنا، وفهمنا الخاطىء له.
الإسلام هو دين التقدم والحضارة، وهناك عدة عوامل يوفرها الإسلام لتحقيق ذلك:
أولًا: فك الأغلال النفسية والتحرر من الأغلال الاجتماعية.
فالإنسان بطبيعته إذا تحرر من أغلاله يصبح نشيطا وبنّاءً وفاعلا في الحياة، ولكن الأغلال التي يخلقها الجهل والجاهلية والعقد النفسية عند الإنسان هي التي تمنع إنطلاق البشر، والإسلام يفك هذه الأغلال الواحد تلو الآخر، يقول ربنا:
?وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ? الأعراف،157
فهو يضع عنهم غلّ الإتكالية وانتظار الآخرين.. يضع عنهم الاعتماد على الجن والخرافة والأسطورة وما أشبه من الأغلال الثقافية، ويحررهم من قيود الارتباط بالاشخاص على حساب المبدأ. فاذا قال لك الآخرون: توقّف ولا تتحرك. فلا تسمع لهم، وإنّما إتبع منطق الحق.
هذه الأغلال وكثير غيرها يفكها الإسلام عن الناس ويدعهم ينطلقون ويتقدمون.
ثانيًا: التمحور حول العمل الصالح.
إن الإسلام يعطي العمل الصالح القيمة الاساسية ويجعله محور التنافس في المجتمع. ففي أكثر من مائة وعشرين موضعًا، يؤكد القرآن الحكيم على الربط العضوي بين الايمان والعمل الصالح، ويصرح بأن الذين يرثون الأرض هم الصالحون.
والصلاح ليس شيئًا جامدًا، وإنّما هو حركة وعمل في الاتجاه الصحيح. وهو ليس فقط في أمور الدين كالصلاة والصيام والزكاة والحج، وانّما كل عمل يحكم العقل والدين بصلاحه، فبناء المساكن صلاح، وتعبيد الشوارع صلاح، وإقامة المصانع صلاح، وزراعة الأرض صلاح، وكل ما كان من شأنه عمارة الأرض فهو عمل صالح.
ومن جهة أخرى فان الإسلام يحارب العمل الفاسد، ويهاجم المفسدين بعنف شديد ويتوعدهم بأشد العذاب، يقول تعالى:
?إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ? المائدة،33
ويقول ربنا:
?وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ? الأعراف،56
ثالثًا: الاهتمام بالعلم .
فالعلم هو قاطرة التقدم، وعلم الإنسان هو سلاحه ضد الطبيعة، وهو الذي يعطيه القدرة على تسخيرها. وكلمة العلم والعلماء لا تعني فقط العلم بالدين، بالرغم من أن علماء الدين في الإسلام لهم ميزتهم الخاصة بهم، إلا أن العلم بصفته الشاملة هو الذي يؤكد عليه الإسلام، بدليل أنّه يقول على لسان نبينا العظيم:
(اطلبوا العلم ولو بالصين فإن طلب العلم فريضة على كل مسلم) .
فهل كان الفقه في أيام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يدرس في الصين، أم كانت هناك العلوم المتنوعة؟ .
رابعًا: علمية العمل وعملية العلم .
إن العلم ينبغي أن لا يبقى غريبًا وانّما يصبح موجها للعمل. والعمل ينبغي أن لا يكون أعمى وإنّما يتبصّر بالعلم.
خامسًا: التعاون .
يأمر الإسلام بالتعاون، ويسن أنظمة من أجل التعاون البنّاء، ويؤكد على أخلاقيات وآداب تقرّب الأفراد إلى بعضهم لتسبب تعاونهم ولتتكامل فعالياتهم.
سادسًا: حذف الزوائد التي تتطفل على حياة المجتمع .
إن الإنسان إنّما يسعى وينشط في سعيه، إذا عرف أن مكاسبه التي تأتيه من وراء السعي والعمل والجهاد، ستعود إليه شخصيا بالنفع أو إلى من يريد هو أن تعود اليه.
أمّا الإنسان الذي يُسرق جهده ويُستغل سعيه، فانّه لا ينشط في السعي.
والإسلام يؤكّد عبر قوانينه الصارمة على العدالة الاجتماعية، ويقضي على الطفيليات التي تمتص حقوق الآخرين. فحينما يحدد الإسلام الرأسمال ولا يدعه يتحكم في سعي الفقراء والكادحين، كما ويحدد السلطة السياسية ولا يدعها تستغل جهود المستضعفين، ويؤكد تأكيدًا شديدًا على الملكية الفردية في حدود العدالة الاجتماعية، فان كل ذلك من أجل أن يقول للانسان إن سعيك يعود إليك ولا يعود إلى غيرك. وبذلك يشجعه على العمل والسعي وبذل الجهد.
وكمثل على ذلك: حكمة الميراث في الإسلام، إذ تقوم على أساس أن الإنسان لا يملك سعيه في حياته فقط، وإنّما حتى بعد مماته سوف يوِّرث سعيه أولاده أو الآخرين، وبهذا يشجع الإسلام على العمل والانتاج.
سابعًا: تحديد الطرق الصالحة للعمل .
حينما يحدد الإسلام الطرق الصالحة للعمل، يبعّد الإنسان عن الكسل والجبن والهم، وكذلك عن إقتراف المعاصي التي تسبب ضعفه وابتعاده عن الآخرين. فهو بذلك يبني المجتمع الحيوي النقي جسديًا وعقليًا.