3 -وتؤكد آيات القرآن الحكيم وكذلك السنّة الشريفة على أن التقوى هي القاعدة الأساسية لسائر قواعد المجتمع الإسلامي .
4 -لذلك، فلا يكفي أن تكون التقوى توجّهًا كسائر توجّهات الإنسان في الحياة، بل ينبغي أن تصبغ حياته بصبغتها وبشكل كامل .
5 -والتقوى هي قصب السبق التي يتنافس حوله المسلمون، كما هي أساس القيادة الحقيقية للمجتمع الإسلامي .
-عز وجل - الإسلام يضرب القيم الفاسدة لكي تعيش المجتمعات على أساس التقوى والعمل الصالح .
إن التقوى -كما تحدثنا فيما سبق- تشكل حجر الأساس في بناء المجتمع الإسلامي، وهي الجذر الذي تتفرع عنه كل برامج ومناهج هذا المجتمع، ولكن يبقى علينا - لتسليط ضوء أكثر على دور التقوى - أن نتحدث عن ثلاثة أمور أساسية حول التقوى، وهي:
الأول: دور التقوى في إعطاء الحيوية والفاعلية للمجتمع.
الثاني: العلاقة بين التقوى والعمل.
الثالث: دور التقوى في تحصين المجتمع الإسلامي ضد الإنحراف.
التقوى وحيوية المجتمع
يوجه المجتمع الإسلامي أبناءه لكي يصبّوا طاقاتهم وإمكانياتهم في قنوات سليمة تتجه إلى الأهداف التي يتوخونها ويتطلّعون نحو تحقيقها، ويضمن لكل فرد: أن المكاسب التي يكتسبها بعمله ستكون بالتالي له لا لغيره، الأمر الذي سيدفع بالمجتمع إلى المزيد من العطاء.
ولكن كيف يثق المجتمع المسلم الذي يطبّق كل القيم والمناهج الإسلامية بهذه الحقيقة؟
إنه يثق بها عن طريق واحد وهو: ضرب كل يد سارقة تمتد إلى مكاسب الناس، وقطها بحزم وبسرعة. فحينما تُقطع الأيادي السارقة، ولا يوجد في داخل المجتمع من يفكر أن يستغل الآخرين، أو يستثمر جهودهم، حينئذ تجد كل واحد يعمل مطمئنًا، لأنّه يعلم بأن مردود عمله سينتهي بالتالي إليه، إمّا مباشرة وامّا بصورة غير مباشرة.
ان المجتمع الإسلامي يحفر القنوات التي تصب فيها فاعليات الأفراد بحيث يكون ضفافها هي ضرب كل القيم الفاسدة، فاذا كان الفرد في المجتمع يستطيع عن طريق السرقة، أو الإحتيال، أو الغش، أو الرشوة، أو القوة، أو الجاه والنسب، أو عن أي طريق فاسد آخر، أن يحصل على عيشه ومكاسبه، آنئذ لا يثق الآخرون بالعمل. ولماذا يعملون مادام الطريق الأيسر والأسهل هو أن تسرق وترتشي وتنهب، وتحصل على أي شيء عن طريق الخداع والتضليل؟.
وحينما يؤكد الإسلام على ضرب الأيادي السارقة لجهود المستضعفين، والكادحين من الناس، فليس لأنّ هؤلاء مجرمون بحق أنفسهم أو أنّهم يسرقون بضعة دنانير فقط، وانّما لكي يشيع في الناس الأمن فيعرفوا أنّ عملهم لا يذهب لحساب الآخرين، لأنّه من دون الإحساس بالأمن، فإن الناس يتصورون أن مردود عملهم سيذهب إلى جيوب الآخرين، آنئذ لا يعملون، فتتوقف الدورة الاقتصادية في المجتمع.
ضرب القيم الفاسدة
الإسلام يضرب جميع القيم الفاسدة التي قد يتذرع بها الناس في أكلهم لحقوق الآخرين. ومن هذه القيم، قيمة النسب، وقيمة العصبية الجاهلية، وقيمة الغنى.
قال رسول الله صلى الله عليه وآله، حينما فتح مكة وقام على الصفا، وهو يضرب قيمة النسب:
(يا بني هاشم، يابني عبد المطلب .. إنّي رسول الله اليكم، واني شفيق عليكم، لاتقولوا إن محمدًا منّا، فوالله ما أوليائي منكم ولا من غيركم الا المتقون. الا فلا أعرفكم تأتوني يوم القيامة تحملون الدنيا على رقابكم ويأتي الناس يحملون الآخرة)
أي إذا جئت يا فلان المنسوب إلى رسول الله يوم القيامة وحملت معك البلاد التي فتحتها والأموال التي انتهبتها وما أشبه، ثم جاء غيرك وحمل معه الزهد والتقوى والعمل الصالح، فإنني - حينذاك - لا أعرفك أنت المنسوب اليّ بالنسب، انّما أعرف ذلك الذي ينتسب اليّ بالعمل الصالح. ثم يضيف النبي صلى الله عليه وآله وسلم:
(الا وإني قد أعذرت فيما بيني وبينكم، وفيما بين الله عزوجل وبينكم، وإن لي عملي ولكم عملكم) .
وجاء في حديث آخر عن الإمام علي عليه السلام:
(إن أولى الناس بالانبياء أعملهم بما جاؤوا به) ، ثم تلى قوله تعالى: ?ان أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا..? ثم قال عليه السلام: (ان ولي محمد من أطاع الله وإن بعدت لحمته، وإن عدو محمد من عصى الله وان قربت قرابته) .
فولي محمد صلى الله عليه وآله ليس من ينتسب إليه نسبًا ويبتعد عنه حسبًا وعملًا، انّما العكس هو الصحيح. وكذلك الأمر بالنسبة إلى سائر الانبياء عليهم السلام، وقصة نوح عليه السلام مع ابنه دليل على ذلك. وكذلك سيرة أهل البيت عليهم السلام الذين كانوا يجهدون أنفسهم بالعبادة ولا يكتفون بأنّهم من أبناء رسول الله.
فهذا الامام زين العابدين عليه السلام، الذي كانت حياته خير دليل على هذه السيرة للأئمة عليهم السلام، وهي شاهدة على كذب وبطلان زعم أولئك الذين يحسبون أن مجرد الانتساب إلى رسول الله، يعطيهم صك الغفران يوم القيامة.
فقد جاء في التاريخ أن فاطمة بنت علي بن أبي طالب عليهم السلام أتت جابر بن عبد الله الانصاري صحابي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالت له:
(يا صاحب رسول الله، ان لنا عليكم حقوقًا، وإن من حقنا عليكم أن إذا رأيتم أحدنا يهلك نفسه إجتهادًا، أن تذكروه الله وتدعوه إلى البُقيا على نفسه، وهذا علي بن الحسين بقية أبيه الحسين عليه السلام قد انخرم أنفه، وثفنت جبهته وركبتاه وراحتاه، أذاب نفسه في العبادة) .
فأتى جابر إلى بابه واستأذن، فلما دخل عليه وجده في محرابه، قد أنضّته العبادة، فنهض علي فسأله عن حاله سؤالًا حفيًا، ثم أجلسه بجنبه، ثم أقبل جابر يقول: أما علمت أن الله خلق الجنة لكم ولمن أحبكم، وخلق النار لمن أبغضكم وعاداكم، فما هذا الجهد الذي كلفته نفسك؟ فقال له علي بن الحسين عليه السلام:
( يا صاحب رسول الله، أما علمت أن جدي رسول الله قد غفر الله له من ذنبه ما تقدم وما تأخر فلم يدع الاجتهاد له، وتعبد -بأبي هو وأمي- حتى انتفخ الساق وورم القدم، فقيل له أتفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: أفلا أكون عبدًا شكورًا؟!) .
هكذا كان علي بن الحسين عليهما السلام. فأئمة أهل البيت لم يكونوا يكتفون بأنّهم من أولاد رسول الله أو من أولاد علي أو من أولاد الحسين، انّما كانوا يجهدون أنفسهم بالعبادة.
كذلك العصبية، فهناك من ينتفع بها تحت رايات شتى كالقومية الضيقة، والوطنية المزيفة، والاقليمية البغيضة التي لولاها لسقطت عروش، ولولا القومية لتحطمت أحزاب مشبوهة، ولولا شعار الوطنية المزيفة، لما استطاع الطغاة أن يتحكموا برقاب الشعوب، فهذه القيم الفاسدة هي التي مكّنت الطغاة من رقاب الجماهير، والإسلام يضرب هذه القيم الفاسدة لكي تعيش المجتمعات على أساس التقوى والعمل الصالح.
وكذلك العنصرية، حتى الأنواع الخفية منها، كالعنصرية الجنسية (حسب ما أسميها) أي تفضيل الرجل على المرأة - في المجتمع وليس في إطار الأسرة - ليس بالعمل، وانّما لمجرد أنّه رجل وأنّها إمرأة.
ان القرآن الكريم يؤكّد بأن الرجال قوّامون على النساء، ولكن بماذا؟ بما أنفقوا من أموالهم، بسبب ما تفضّل بعضهم على بعض بالعمل. فإذا كان هناك إمرأة كاتبة ورجل كاتب، ولكن كتابة الرجل كانت أقل قيمة علمية من كتابة المرأة، فإننا لو قدّمنا الرجل في هذه الحالة، نكون قد كفرنا بقيمة التقوى والعمل الصالح.