فهرس الكتاب

الصفحة 272 من 1942

تمهيد يقول الامام علي عليه السلام:

(التُقى رئيس الاخلاق) .

فسائر الأخلاق تنبني على أساس التقوى.

تمهيد وفي حديث مفصل يقول الامام علي عليه السلام:

(أمّا بعد، فانّي أوصيكم بتقوى الله الذي ابتدأ خلقكم، واليه يكون معادكم، وبه نجاح طلبتكم، وإليه منتهى رغبتكم، ونحوه قصد سبيلكم، وإليه مرامي مفزعكم، فإن تقوى الله دواء داءِ قلوبكم، وبصر عمى أفئدتكم، وشفاء مرض أجسادكم، وصلاح فساد صدوركم، وطهور دنس أنفسكم، وجلاء غشاء أبصاركم، وأمن فزغ جأشكم، وضياء سواد ظلمتكم) .

فالتقوى تعطي الإنسان كل ما يحتاجه، فاذا كان يحتاج إلى أن يكون قلبه بصيرًا فانّ التقوى ضياء القلب، أو كان يحتاج إلى سلامة الجسد فالتقوى سلامة للجسد، أو كان يحتاج أن يفهم الحياة، فالتقوى عينٌ بصيرة للانسان.

ويضيف الإمام عليه السلام:

(فاجعلوا طاعة الله شعارًا دون دثاركم، ودخيلًا دون شعاركم، ولطيفًا بين أضلاعكم، وأميرًا فوق أموركم، ومنهلًا لحين ورودكم، وشفيعًا لدرك طلبتكم، وجُنة ليوم فزعكم، ومصابيح لبطون قبوركم وسكنًا لطول وحشتكم، ونفسًا لكرب مواطنكم) .

ان الامام عليه السلام يبين لنا بأنّه لا يكفي أن يكون ظاهر الإنسان ملتزمًا ببرامج الله سبحانه وتعالى، وانّما ينبغي أن يكون قلبه كذلك.

انظروا إلى التعابير اللطيفة، ان للانسان شعارًا ودثارًا (الشعار هو ما يلبسه الإنسان تحت ثيابه، أمّا دثاره فهو ثيابه الظاهرة) في البداية يقول الامام لتكن التقوى شعارًا دون دثاركم، يعني لتكن التقوى ثيابكم الالصق إلى أجسامكم، ثم لا يكتفي بذلك فيقول دخيلًا دون شعاركم، أي يجب أن تكون التقوى عند ملامسة الجلد قبل الشعار، ثم لا يكتفي بذلك فيقول ولطيفا بين أضلاعكم، أي لا يكفي أن تكون التقوى ملامسة لجلد الإنسان بل يجب أن تكون مستقرة بين أضلاعه.

ولا يكفي أن تكون التقوى توجّهًا كسائر توجّهاتكم، وانّما ينبغي أن تكون أميرًا فوق أموركم، أي أن تصبغوا كل أموركم بصبغتها، وأن تكون -أيها المؤمن- وَلِهًا إلى التقوى، وأن تستهدفها قبل كل شيء. لا تفكر أن تبني بيتًا أو تؤسس اسرة.. وانّما فكر قبل كل ذلك أن تكون متقيًا.

تمهيد وفي حديث آخر، وهو من ألطف ما قاله الامام علي عليه السلام حول التقوى، ويقول: (التقوى سنخ الايمان)

أي إن الايمان الذي لا يثمر التقوى لا خير فيه ابدًا. فالايمان هو الذي يعطيك التقوى. أمّا إذا رأيت نفسك مؤمنا بدون تقوى فلابد أن تشك في ايمانك.

آثار التقوى في المجتمع الإسلامي

أهم أثرين للتقوى في المجتمع الإسلامي هما:

الاول: أن التقوى هي قصب السبق الذي يتنافس حوله المسلمون.

الثاني: أن التقوى هي القيادة الحقيقية للمجتمع الإسلامي.

فكما أن الإنسان خُلِقَ طموحًا، فكذلك خُلِقَ متنافسًا، فإذا عاش الناس جميعًا على الخبز والماء القراح، فإنّهم جميعًا سيكونون قانعين، ولكن مادام الناس ليسو كذلك، إذًا لابد أن يبحثوا عن مادة يتنافسون حولها.

فماهي مجالات التنافس؟

يمكننا أن نقسم مجالات التنافس في الحياة إلى قسمين:

الأول: القيم المادية، كالجاه والسلطة والمال والشهرة والمتع الجسدية. والتنافس حول هذه الأمور فيه عيوب كبيرة منها:

أ - إن هذه الاشياء عرضة للزوال، وحياة الإنسان على الارض قصيرة جدًا فهو سيموت ويترك ما تعب في جمعه والحصول عليه.

ب - إن طبيعة الإنسان محدودة، ولذلك فإن تلذذه بالأشياء المادية محدود جدًا، فمهما كان الإنسان غنيا فانّه لن يستطيع أن يأكل الا مقدارًا محدودًا من الطعام، ولا يمارس الا قدرًا محدودًا من المتعة الجنسية.

ج - إن التنافس حول المال سيعود بالأضرار الوخيمة على المجتمع، حيث ستتركز الثروة في أيد قليلة ويبقى السواد الأعظم محروما، فيصبح عرضة للجهل والتخلف، ويسود الحقد والكراهية بين طبقة الأغنياء وطبقة الفقراء.

د - إن التنافس حول الجاه والسلطة يؤدي إلى الحرب والتقاتل، لأنّه لا يمكن للجميع أن يصبحوا حكامًا ورؤساء، فالمجتمع يكفيه حاكم واحد، وكل مؤسسة في هذا المجتمع يكفيها رئيس واحد.

وهكذا فالشهوات والقيم المادية محدودة، والبحث عنها والتنافس حولها يحطم الفرد والمجتمع معًا.

ثانيًا: القيم المعنوية كالعلم وتهذيب النفس والعمل الصالح.. الخ.

وهذه القيم تمتاز بأنّها غير محدودة. فحينما يتنافس الناس حول العلم، يستطيع كل منهم أن يحصل على قدر وافر منه دون أن ينقص من علم الآخرين شيئًا، وحينما يتنافسون في العبادة وتزكية الذات، ويتنافسون حول الأعمال الخيّرة كتأليف الكتب وتأسيس الأجهزة الاعلامية الصادقة كالصحافة والاذاعة والسينما والتلفزيون..أو كإنشاء المرافق الضرورية مثل المدارس والمساجد والمستشفيات والمصانع، واعداد الجيش الذي يدافع عن الثغور، فان المجال مفتوح على مصراعيه للجميع.

والقرآن الحكيم يحدد لنا هدف التنافس في المجتمع ويقول:

?إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ? الحُجُرات،13

فابحثوا عن التقوى، وتنافسوا على التقوى.

?وفي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ? المُطَفِّفِينَ،26 ?فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ? البقرة،148.

دعوا سباقكم وتسارعكم، وبالتالي تنافسكم، يكون حول الخيرات، فالخيرات كثيرة لا يمكن تحديدها، وبامكان الجميع أن يحصلوا عليها، وكذلك التقوى باعتبارها ركيزة التنافس وقصب السبق الذي يحاول الجميع أن يصل اليه. إن هذا التسابق يؤدي إلى أن يبحث المجتمع دائمًا عن التقدّم، وبالتالي يتقدم الجميع وتتقدم البشرية.

من هنا يضرب الإسلام على هذا الوتر، فيبين لنا أن التفاضل بين الناس يجب أن يكون على مقياس التقوى فيقول الإمام زين العابدين عليه السلام:

(لا حسب لقرشي ولا لعربي إلا بالتواضع، ولا كرم الا بالتقوى) .

وفي وصية النبي صلى الله عليه وآله لأبي ذر يقول:

(عليك بتقوى الله فإنّه رأس الأمر كله) .

فإن كنت تريد أن تحصل على رئاسة، فعليك بتقوى الله سبحانه وتعالى، فقد جاء في حديث عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال:

(من أخرجه الله من ذل المعاصي إلى عز التقوى، أغناه الله بلا مال، وأعزّه بلا عشيرة، وآنسه بلا بشر. ومن خاف الله عزوجل أخاف الله منه كل شيء. ومن لم يخف الله عزوجل أخافه الله من كل شيء) .

وفي حديث آخر عن الامام علي عليه السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال:

(المتقون سادة، والفقهاء قادة، والجلوس إليهم عبادة) .

التقوى وقيادة المجتمع

أما عن أثر التقوى في قيادة المجتمع، فان أي مجتمع لا يمكن أن يعيش قيما شتى، وانّما يعيش قيمة واحدة تكون محورًا له. فمثلًا هناك مجتمع يعيش قيمة المادة، فأغناهم وأكثرهم ثروة هو سيدهم. وهناك مجتمع يعيش قيمة الجاه والحسب فأقربهم إلى العشيرة الفلانية هو سيدهم، وهناك مجتمع يعيش القوة فأقواهم هو سيدهم. ولكن المجتمع الإسلامي يعيش قيمة التقوى، لذلك تكون هذه القيمة هي إمام المجتمع، ويكون أتقى الناس هو سيد الناس، وحينما يكون الأمر كذلك تكون قيادة هذا المجتمع قيادة نظيفة مائة بالمائة.

صفوة الكلام

1-إن الأنظمة والتوجيهات والتعاليم الرسالية التي يحافظ بها الإسلام على إستقامة المجتمع كثيرة، وتُعتبر التقوى هي القاسم المشترك بين كل تلك .

2 -والتقوى هي الإلتزام الداخلي بالإسلام - عقيدة وشريعة - النابع عن القناعة التامة، وتذليل الشهوات عن طريق الإرادة الصلبة و الوعي الكافي .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت