فهرس الكتاب

الصفحة 1613 من 1942

الحضارة الإسلامية بين أصالة الماضي وآمال المستقبل

الباب الثامن

دراسات أصيلة عن الحضارة الإسلامية

جمع وإعداد

الباحث في القرآن والسنة

علي بن نايف الشحود

الباب الثامن

دراسات أصيلة عن الحضارة الإسلامية

المذهبية الإسلامية والتغيير الحضاري

تقديم: بقلم: عمر عبيد حسنة

الحمد لله نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله، وبعد:

فهذا الكتاب السادس في سلسلة"كتاب الأمة"التي اعتزمت رئاسة المحاكم الشرعية والشؤون الدينية إصدارها مساهمة في تحقيق الوعي الثقافي، والحصانة الفكرية، وإعادة بناء الشخصية المسلمة الفاعلة بعد أن انطفأت فاعليتها أو كادت بسبب من السقوط الحضاري، والانكسار العسكري، والوهن الخلقي، الأمر الذي أفقدها الرؤية الشمولية والتوازن الاجتماعي، واستشعار التحدي الذي يوقظ الحس ويلهب المشاعر ويذكي الروح ويجمِّع الطاقات النفسية والمادية لتبدأ عملية النهوض من جديد، ونقل المسلمين إلى الموقع الذي يجعلهم في مستوى إسلامهم تكليفًا وإرادة، وفي مستوى عصرهم قدرة وعطاء وقيادة.

ولا بد لنا بين يدي التقديم للكتاب، وقد اختار مؤلفه مصطلحًا، يمكن أن يكون جديدًا على الساحة الفكرية الإسلامية"المذهبية الإسلامية"من القول: إنه إلى جانب المعارك الكثيرة والمتعددة التي تدور رحاها على الأرض الإسلامية في إطار الاستعمار ومحاولات الاحتواء الثقافي هناك معركة يمكن أن تكون الأخطر في مجال الصراع الحضاري، هي معركة المصطلحات، حيث تُقذف مجتمعاتنا يوميًا عن طريق وسائل الإعلام المكتوبة والمسموعة والمرئية بكثير من المصطلحات السياسية والفكرية والجغرافية [الديمقراطية، الوجودية، العلمانية، الماركسية، اليمين واليسار، الشرق الأوسط، الشرق الأدنى، حوض المتوسط. . . الخ ] البديلة لما ألفنا وعرفنا إلى درجة الإغراق لتخرجنا عن مواقعنا الفكرية، وتستلب شخصيتنا الحضارية، وتطارد مصطلحاتنا وتحدد لها المعاني التي تريدها، حتى أصبح الكثير منا يخاف من طرحها أو من مجرد الانتساب إليها، كمصطلح"السلفية"ومصطلح"التراث"الخ. . . مع العلم أن"السلفية"أول ما تعني الانتساب لجيل القدوة، خير القرون، (( خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاس ِ ) )بناة الحضارة الإنسانية، ولا تعني بحال من الأحوال التحجر والجمود والانقطاع عن التواصل الحضاري، وعدم استيعاب منجزات العصر من خلال الرؤية الإسلامية السليمة، ذلك أن السلفية الصحيحة دافع للإفادة وليست مانعًا منها.

وكذلك مصطلح"التراث"حيث تفرض علينا مدلولات معينة أرادها أصحاب المذاهب المادية والعلمانية، الأمر الذي أخرجنا عن مدلول القضية وأصلها في المصطلح الإسلامي، يقول تعالى: (( ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِير ُ ) ) [فاطر:32] .

ويقول أبو هريرة رضي الله عنه:

". . . أنتم هنا، وميراث محمد صلى الله عليه وسلم يوزع في المسجد".

فإذا كان مدلول التراث يعني النبوة وعطاءها"الكتاب والسنة"الذي ورثته الأمة، فنحن تراثيون؛ وإذا كان المدلول: فهوم المسلمين غير المعصومة للكتاب والسنة، مما يقع في دائرة الاجتهاد، فهذا أمر قابل للفحص والاختبار، ومن ثم للصواب والخطأ. . . وقد تكون المشكلة أو الكارثة - إن صح التعبير - أن معظم المثقفين في عالمنا الإسلامي اليوم أصبحوا أسرى المصطلحات والأفكار الأوروبية بشكل عام، ينطلقون منها، ويفكرون من خلالها، ومن الصعوبة البالغة التحرر منها لأنها صورة من صور الاحتواء الثقافي نتيجة الإصابة بمركب النقص أمام التحدي الحضاري الغربي، وقد ينتصر بعض البسطاء عاطفيًا للإسلام، فيحاول إسقاط المفاهيم والمصطلحات الغربية على المفهومات الإسلامية فتعييهم عملية التوفيق، ولكن كثيرًا من الخبثاء يحاولون الالتفاف حول القضية، ويتسللون إلى الشخصية الإسلامية من خلال إسقاط هذه المصطلحات على المفهومات الإسلامية، أو يمارسون الخداع لجماهير المسلمين بادعاء أن هذه المصطلحات ليست غريبة عن طبيعة الإسلام ووجهته ليخفوا بذلك حقيقة أمرهم ودعوتهم في المجتمع الإسلامي، ذلك أنهم أدركوا أن بوابة العالم الإسلامي ستبقى موصدة أمام كل دعوات التغريب ومصطلحاتها بعد التجارب والمحاولات الكثيرة، فكان لا بد لهم من تغيير استراتيجيتهم في ذلك ومحاولة التسلل إلى عالم المسلمين من خلال المعاني الإسلامية نفسها حيث يسقطون عليها مصطلحاتهم، ويوهمون السذج والبسطاء أنهم ليسوا غرباء عن فكر الأمة في ادعاءاتهم، فالديمقراطية هي الشورى، والرأسمالية هي مبدأ إقرار الملكية في الإسلام، والاشتراكية هي العدالة الاجتماعية، والصراع من أجل السيطرة الاقتصادية هو الفتح الإسلامي، والصدام الحتمي بين اليمين الرجعي واليسار التقدمي هو التفسير لبعض المشكلات الداخلية في المجتمع والتاريخ الإسلامي. . .

قد تكون المشكلة عند معظم مثقفينا، جيل ما بعد الاستعمار العسكري، ادعاء العصمة لحضارة الغربية الأوروبية (1) بسبب من التفوق الغربي والتخلف في عالم المسلمين، وجعلها مقياسًا لكل حضارة وتقدم، وتطبيق المعايير المادية الأوروبية على الإسلام ومحاكمة تاريخه على ضوء التاريخ الأوروبي، وعدم قياس الحضارة الإسلامية بمقاييسها وردها إلى أصولها، وإنما ردها إلى أصول حضارة غريبة عنها، مادية في أصولها، وهذا بلا شك أوقع الكثيرين في عملية التخليط في النظر إلى أحكام العقل واجتهاده القابل للخطأ والصواب، وأحكام الوحي ونصوصه الثابتة المعصومة. . . وأن مقاييس الفصح والاختبار التي يخضع لها حكم العقل لا يمكن بحال من الأحوال أن تطبق على حكم الوحي، وإنما يقتصر دور العقل في ذلك على التأكد من ثبوت النصوص من حيث السند وسلامة مدلولاتها فقط، لأن الأمر قائم على قاعدة التسليم بالنبوة ابتداءً.

لقد ظهرت على الساحة الفكرية كتابات كثيرة كانت صدىً لمشكلات فكرية إنسانية، وكان أن تناول الحديث في هذه القضايا كتَّاب ومفكرون من اتجاهات مختلفة، ونحن لا بد أن نعترف أننا مسبوقون إلى طرح كثير من القضايا بعد أن توقف المجتمع الإسلامي عن النمو، والعقل الإسلامي عن العطاء، لذلك جاءت أكثر كتاباتنا في إطار ما يسمى"الفكر الدفاعي"بسبب من طرح غيرنا، وهنا انبرى للمواجهة الثقافية من يحسنها ومن لا يحسنها من الذين يفتقدون الثقافة الإسلامية الأصيلة، فوقعوا بمغالطات فكرية واصطلاحية ساهمت بتكريس التخلف والضياع، وأثقلت الذهن الإسلامي وزادت من عجزه. . .

من هنا كان لا بد من التنبيه إلى ضرورة المحافظة على المصطلحات في الأمة، والاحتفاظ بمدلولاتها، والعمل على وضوح هذه المدلولات في ذهن الجيل لأن هذه المصطلحات هي نقاط الارتكاز الحضارية والمعالم الفكرية التي تحدد هوية الأمة بما لها من رصيد نفسي ودلالات فكرية، وتطبيقات تاريخية مأمونة، إنها أوعية النقل الثقافي وأقنية التواصل الحضاري، وعدم تحديدها ووضوحها يؤديان إلى لون من التسطيح الخطير في الشخصية المسلمة والتقطيع لصورة تواصلها الحضاري. .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت