وقد نبه القرآن الكريم لهذه القضية الخطيرة عندما أرشد المسلمين إلى ضرورة استخدام مصطلح (انظرنا ) ونهى عن مصطلح (راعنا ) الذي كان يستعمله يهود ليحققوا فيه أغراضًا في نفوسهم، قال تعالى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا وَقُولُواْ انظُرْنَا وَاسْمَعُوا ْوَلِلكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) ) [البقرة:104] .
إن أهمية المصطلح، وقضية الوضوح في دلالته، أمر ذو أهمية بالغة إلى درجة أصبح معها كثير من المؤلفين يفردون صفحات في مؤلفاتهم لمعجم المصطلحات المستعملة والدلالات التي أرادوها من استعمال هذه المصطلحات، وهي طريقة محمودة فكريًا وثقافيًا حتى يتحقق الوضوح ولا يحمَّل الكلام أكثر مما يحتمل. . .
ومن الأمور التي تسترعي الانتباه أن قضية المصطلحات أخذت من الأخ المؤلف عناية مشكورة، ومساحة لا بأس بها، وقد كانت مناقشة المصطلح مدخله إلى الكتابة حينما اقترح أن تكون التسمية"المذهبية الإسلامية"بدل"الفكر الإسلامي"أو"التصور الإسلامي"وخطَّأ من ذهب إلى اصطلاح"الفكر الإسلامي"و"التصور الإسلامي"لأنه تخوف أن يخلط بسبب ذلك بين إفرازات العقل واجتهاداته وبين الكتاب والسنة كوحي معصوم، ونحن نعتقد أن التنبيه إلى هذا لدفع احتماله ذو أهمية في المجال الفكري الإسلامي، وإن كنا لا نعتقد حصول مثل هذا الالتباس عند أصحاب المصطلحين، وعند الكثير من قرائهم، على كل تبقى وجهة نظر تغني العقل الإسلامي وتسهم بإيضاح الصورة ودفع الالتباس. . . ولا شك أن مصطلح"المذهبية الإسلامية"الذي ارتضاه المؤلف سوف يذهب ببعض الناس سريعًا إلى الساحة الفقهية ويصنع لهم حاجزًا نفسيًا، وقد يسرع باتخاذ موقف تجاهه، ولا يستسيغه بتلك السرعة حتى يتحقق من التحديدات والمقارنات التي أوردها المؤلف، ووجهة نظره في الاختيار. . .
نعود إلى القول: إن هذا الكتاب جاء مساهمة طيبة في مجال إنهاء حالة العطالة التي وقع فيها كثير من المسلمين في مواجهة التغيير الاجتماعي بسبب من التصور المحزن، من أن مشيئة الله تعني السلبية وتعطيل الأسباب دون أن يعلموا أن الله هو الذي شرع الأسباب وأمر الناس بالتعامل معها للوصول إلى النتائج، وأن هذه الأسباب هي إرادة الله ومشيئته، وأن عملية الاستخلاف لا تؤدي ولا تتحقق إلا بالتماسها، وقد جعل الله لكل شيء سببًا، وأن التزام هذا والتعرف عليه هو غاية التكليف، ودور النبوة في ذلك هو الهداية والتدريب ومسئوليتنا حسن التأسي وسلامة الاقتداء.
كما أن الكتاب ساهم وإلى حد بعيد بتحقيق قسمات الذات الحضارية المسلمة ،ذلك أنه على الرغم من الكلام الكثير عن التميز الحضاري الإسلامي وضرورته لنهوض الأمة، لا يزال الأمر في حدود الشعار، بعيدًا عن الممارسة، لأن كثيرين من دعاة التميز يعيشون ضمن الأطر الغربية في حياتهم ومعاشهم ووسائلهم. . . ذلك أن ترميم بعض المفاهيم والأفكار من خلال القراءة الجانبية والانتصار العاطفي للإسلام لا يكفي لنقل المثقف المسلم إلى الخط الإسلامي الصحيح والمنظومة الحضارية الإسلامية ومصطلحاتها. . .
والله نسأل أن يسدد الخطا ويجزل مثوبته للأخ الدكتور محسن عبد الحميد أحمد وينفع به، إنه حسبنا ونعم الوكيل.
تحديد المصطلح
إن تحديد المصطلحات التي يستعملها الباحث أمر في غاية الأهمية، إذ بدونه سندور مع المؤالفين والمخالفين في حلقة مفرغة، ولا نستطيع أن ننطلق من مفاهيم واضحة نتفق عليها، للوصول إلى حل أي مشكل.
ولقد درج المفكرون والباحثون على استعمال كلمة"الأيديولوجية"بمعنى العقيدة. وهم يقصدون العقائد الإنسانية، أي ما يصل إليه الإنسان بفكره لتأسيس مفاهيمه الأساسية التي تشكل إطارًا فكريًا لنظرته الكلية إلى الوجود.
حاول كثير ن الكتاب الإسلاميين أن يستعملوا"الفكر الإسلامي" (1) أو"الفكرة الإسلامية"بمعنى الإسلام. غير أن هؤلاء مع فضلهم قد وقعوا في خطأ كبير، دون أن يتقصدوا ذلك. إذ كيف يمكن أن يكون الوحي الإلهي مظهرًا للفكر الإنساني؟.. فالفكر إفراز عقلي لإدراك ما حوله من وجود. وإذا كان هذا المعنى:"الفكر الإسلامي"يصح على ما أنتجه الفكر المسلم الذي ينطلق من الإسلام في مضامير الحياة كلها، فإنه أبدًا لا يجوز أن يُستعمل للدلالة على الوحي الإلهي (للإسلام ) حتى لا يؤدي إلى الخلط بين الوحي والفكر. فالإسلام معصوم كله، بينما الفكر الإسلامي، ليس معصومًا ولا مقدسًا، يحتمل الخطأ والصواب والمراجعة في عصره وفي العصور التالية.
وحاول بعض مفكري الإسلام أن يضع بدل"الفكر الإسلامي"مصطلح"التصور الإسلامي" (2) وهذا خطأ مثله. لأن التصور عملية فكرية محضة، تحتمل الصدق والكب كما هو ثابت في علم المنطق، فلا يمكن أن يستعمل التصور بمعنى كليات الوحي الإلهي، بل قد يستعمل بمعناه الثاني الذي يدل على أنه إفراز للعقل، وليس معصومًا ولا مقدسًا.
وذهب عدد من الكتاب الإسلاميين في السنوات الأخيرة إلى استعمال"المذهبية" (3) للدلالة على ما ذهب إليه الإسلام في أمور الكون وخالقه والحياة والإنسان، أي القضايا التي تتعلق بالكليات وليست الجزئيات.
والحق أن هذه اللفظة زيادة على أنها دالة على معناها لغة، يمكن أن تتحول إلى اصطلاح يحقق هدف الإسلاميين من إطلاقهم لفظ"الفكر الإسلامي"الذي رفضناه بالمعنى الذي استعمل فيه (الوحي ) كتابًا وسنة. ثم إنه يخصنا بلفظة تميزنا وتحول بيننا وبين استعمال كلمة"الأيديولوجية"الأجنبية بمعنى الأصول والكليات الإسلامية.
وقد يقول قائل: لماذا لا نستعمل"العقيدة الإسلامية"للدلالة على المعنى الذي نريد، حتى نتخلص من المصطلحات الأخرى.
نقول: إن"العقيدة الإسلامية"مصطلح مستعمل منذ القديم، يشمل الإلهيات والنبوات والمعاد والقضاء والقدر فقط، بينما نحن نريد مصطلحًا أشمل من هذا. فـ"المذهبية الإسلامية"تشمل العقيدة الإسلامية وتشمل غيرها من الكليات التي ارتضاها الإسلام في العالم المادي لضبط حركته، سواء في الحياة عمومًا أو في المجتمع، أو داخل عالم الإنسان من حيث هو فرد.
إن علماء الكلام عندما حصروا كليات الإسلام في دائرة الموضوعات الأربعة، وسموها"العقيدة الإسلامية"أو"علم الكلام"أو"التوحيد"انطلقوا من واقع الصراع الفكري في عصرهم، وحددوا مواقف الإسلام ن خلال الكتاب والسنة واجتهاداتهم في فهمها، في القضايا المذكورة، التي كانت مثار النقاش يومئذ مع الفلاسفة ولا هوتيِّي أهل الملل والنحل الأخرى.
أما اليوم فقد تبدلت ظروف الصراع الفكري، فالمذاهب الأخرى تقدم كلياتها في القضايا التي تتعلق بأصول عقائدها وفكرها في إطار الكون وخالقه والحياة والمجتمع والإنسان.