فهرس الكتاب

الصفحة 1329 من 1942

إن الإسلام يظلم حين يقارن بالأديان الأخرى ويكون مصدر المقارنة هو واقع المسلمين، لأن الإسلام مصدر لتنوير القلب والعقل والمجتمع، ففي المجال الثقافي نجد أن القرآن يضع مصدرين أساسيين لتثقيف الشعوب، وهما العلم والعقل، فهو يدعو إلى العلم والأخذ به واعتماد نتائجه وأن من يتركه فقد ترك حظه من الدين. كما جعل القرآن أحكام العقل في عالم الشهادة أحكاما قاطعة في الوقت الذي تكون فيه الأحكام في عالم الغيب مصدرها الوحي. لكن هناك فارق كبير بين العلم في الفلسفة الإسلامية والعلم في الفلسفة الأوروبية. فالفلسفة الأوروبية تعتمد العلم وتحصره في عالم المحسوسات وترى المادة هي الفاعلة أولا وثانيا. أما في المشروع الإسلامي فنحن نؤمن بأن الأسباب فاعلة ونؤمن في نفس الوقت أن الذي جعل الأسباب فاعلة هو الله الذي لو شاء لنزع الأسباب خاصية الفعل فتتعطل السنة الكونية لتقع المعجزة على أيدي الأنبياء أو الكرامة على أيدي الأولياء. وهكذا ظهرت في أوروبا نزعة الإلحاد بل ظهر عصر بكامله سمي بعصر الإلحاد، وذلك نتيجة كفر العلماء بالكنيسة وبالدين الذي مثلته هذه الكنيسة.

وللأسف فقد أراد المشروع التغريبي في التنوير أن ينقل القضية إلى العالم الإسلامي وأن يجعل الإسلام بديلا عن الكنيسة دون أن يفرق بين موقف الإسلام من العلم ومن العقل وبين موقف الكنيسة منهما. وعلى المستوى الاجتماعي فإن أوروبا تتهم الإسلام بأنه دين الرق والعبودية وهذا افتراء، فبينما كان الرق استثناء في الجزيرة العربية وجاء الإسلام ليلغيه فجعل عتق الرقبة عبادة لله، كان الرق أصلا في تاريخ أوروبا. إن الإسلام على المستوى الاجتماعي أكد مبدأين هامين هما الحرية والمساواة .. ومن أهمل في واحد منهما فقد فاته حظه من الدين. فالحرية في الإسلام حق مكتسب للشعوب وليست منحة من حاكم .. حتى أن الهجرة في الإسلام كانت مدخلا للهروب من الظلم، وكذلك كانت المساواة من المبادئ الهامة التي طبقها الإسلام فلا فضل لعربي على أعجمي ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى.

وعلى المستوى السياسي أكد الإسلام مبدأين هامين أيضا هما العدل والشورى.

وبعد ذلك نقول هل أخذت أمة من الأمم بهذه المبادئ الستة وهي العقل والعلم والحرية والمساواة والعدل والشورى وتأخرت؟

إن من الظلم أن نقارن الإسلام بواقع المسلمين .. فهذه المبادئ الستة تكاد تكون غائبة الآن عن واقعهم، والغرب ينظر إلى هذا الواقع ولا ينظر إلى الأصول الإسلامية وهي القرآن والسنة وما فيهما من مبادئ وقواعد وأحكام

أهل السنة .. نبض الماضي وجمود الحاضر

الأحد 21 من شوال 1427 هـ 12 - 11 - 2006 م الساعة 03:26 م مكة المكرمة 12:26 م جرينتش

ربيع الحافظ - معهد المشرق العربي

مفكرة الإسلام: على إثر الأزمة السياسية المبكرة (*) التي واجهتها دولة الحضارة العربية الإسلامية، التي أخبر عن ملامحها الرسول صلى الله عليه وسلم، وامتزج فيها الصدق بالشطط الفكري، برز مسمى أهل السنة والجماعة كعنوان لمفاهيم عقدية ورؤى سياسية شخّصت الأزمة وانطبقت على ملامحها.

العنوان الذي أطلقه الصحابي الجليل عبد الله بن عباس رضي الله عنه من وسط ميدان الأزمة وغمرتها لحل أزمة سياسية، جاءت ولادته سياسية من اللحظة الأولى. العنوان تنامى بشكل متسارع، من لافتة ميدانية إلى اسم لمدرسة واضحة المعالم، ثم إلى تعريف للطيف السياسي الأوسط والأكبر في الأمة، الذي أنقذ الدولة من أزمة سياسية حادة، وأقال عثرة كبرى عن طريق انطلاقتها.

رفعت الدولة الخارجة من الأزمة راية الطيف فوق مؤسساتها، لتتحول الراية إلى شعار للوسطية السياسية والفقهية والعقدية التي اختطتها الدولة لنفسها، ومكنتها من لعب دور"الكبير"الذي يتسع ويجتمع عليه الجميع. وسطية الدولة امتدت إلى علاقاتها الأممية، وكان أمرًا طبيعيًا أن تتحول دولة الحضارة العربية الإسلامية إلى ملاذ للأقليات المضطهدة لدى الأمم الأخرى، فكان تجسيدًا لحقوق الإنسان قبل أن تولد وتدور مفرداتها على ألسنة المعاصرين.

المدرسة وأصحابها الذين تصدوا للأزمة، تحولوا إلى خلية نحل، يشيّدون صرح دولتهم، يستحدثون الفنون، ويقيمون المؤسسات، ويقتبسون التجارب، ويؤطرون المفاهيم قطعًا للطريق أمام أزمات المستقبل.

كان هناك إبداع وابتكار وتطوير عند كل أزمة جديدة، وكان افتضاح مؤامرة تزوير مصدر التشريع ممثلة بالحديث الشريف، بداية عهد المؤسسات في الدولة، فأعلنت حالة الطوارئ، وأقيمت نقاط التفتيش الثقافية، ودققت الهويات الشخصية [ما كنا نسأل عن الإسناد، فلما ظهرت الفتنة قلنا: سموا لنا رجالكم .. التابعي الجليل ابن سيرين] ، وجرى مسح المجتمع، وشهد العالم ولادة أول قاعدة معلومات للأحوال الشخصية، والتحقيق في أمر كل زاعم لنقل الحديث. عرفت القاعدة باسم"الجرح والتعديل".

ثم شهد العالم ولادة علم آخر هو"طبقات الرجال"، عُدّ من روائع العلوم، وهو يدون سير أعلام الرجال كاملة من المهد إلى اللحد، مرورًا بالحالة العلمية والاجتماعية والمعيشية، وهو فن انفرد به أهل السنة بين المذاهب، وانفردت به حضارتهم العربية الإسلامية بين الحضارات.

وبعد أن اتسعت رقعة الدولة وترامت أطرافها، وشقت إدارة شئونها بالطرق التقليدية، اقتبست نظام الدواوين من المدنيات المجاورة، الروم والفرس.

تسارعت التطورات، ومع تمدد الفارق الزمني بين الدولة وحقبة"عمل أهل المدينة"التي كانت مصدرًا للفقه الميداني على الشاكلة النبوية، أنشئت مؤسسة"أصول الفقه"التي وضعت قواعد الأحكام الفقهية، ونقلت الأجواء الفقهية"المدنية"إلى القرون اللاحقة بالصوت والصورة.

استمر الرواد في بناء مقومات دولتهم، فوضع علم البلاغة ليصون اللغة العربية التي هي مادة الإسلام، وكثرت رحلات طلب العلم والاستكشاف عبر القارات.

لعل أدق وصف لتلك الصروح، هو أنها المقاطع المتصلة التي كونت السياج الأمني الدائري الخارجي لأنظمة الدولة الواقي لها، وقشرتها الخارجية الصلبة لباطنها الرخو.

بكلمات قليلة: مناخ مفعم بالحياة، ورؤية ثاقبة.

انطلق ذلك الزخم في الحقبة الراشدة من دولة الحضارة العربية الإسلامية، وامتد طوال الحقبة الأموية، وحيزًا من الحقبة العباسية، ووصل ذروته في أواسط القرن الثالث الهجري.

يمكن القول: لقد شهدت تلك الحقبة تماهي مدرسة أهل السنة مع النظام السياسي للدولة، الذي أوجدته هي وأوجدها. أجواء التماهي هذه شكلت نقلة نفسية عريضة من بيئة الانطلاق المكية وظروف الأقلية والحرص والحذر والتأهب، إلى حقبة التمكن والاستقرار السياسي والاسترخاء، التي دانت لهم فيها شعوب الأرض، ونطقت بلسانهم، وتتلمذت في معاهدهم، وهو ما يمكن إدراجه تحت مقومات شخصية الأغلبية والتمكن، التي التصقت بالشخصية السنية وباتت حقيقة تاريخية ثابتة.

مناخ الحقبة الجديدة مثّل جوًا طبيعيًا لتآكل تدريجي لمقومات الشخصية المبكرة، ومع دخول دولة الحضارة العربية الإسلامية قرنها الرابع، كان الفتور قد نال من روح التنافس، والاسترخاء من التأهب.

لم تعد الأجواء خلية نحل، ودخل أهل السنة بشكل فعلي"أيديولوجية التواكل"، الفردي والجماعي، على الدولة ومؤسساتها، وهو طور لا يختلف فيه أهل السنة عن غيرهم من الأغلبيات، ما دام نسيجهم الفكري هو مادة الدولة بشكل عام، لتصبح هذه السمة ملازمة للشخصية السنية، ويظهر أثرها السلبي على الأداء السياسي فيما بعد، وتحديدًا بعد أن أبدلت الدولة نسيجها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت