مفكرة الإسلام: يتعرض جيل الشباب العربي الحالي لحرب من نوع خاص، وهي حرب المصطلحات التي يلتبس معناها عليه. ومن هذه المصطلحات مصطلح"التنوير"وما يصاحبه من مصطلحات أخرى مثل التقدمية والرجعية والظلامية. وللأسف فقد انبهر نفر كثير من المشتغلين بالإعلام والثقافة في بلادنا بهذه المصطلحات ووقعوا ضحية لما وراءها. ولقد عاشت أوروبا عصورا تسمى عصور الظلام وكان السبب وراء هذا الظلام الكنيسة ورجال الدين والآراء والمعتقدات التي أراد رجال الدين أن يطرحوها على العقلية الأوروبية ويجبروها على اعتقاد صحتها، ومن يتمرد عليها أو يرفضها كان جزاؤه الحرمان من رحمة الكنيسة والطرد والحرمان من صكوك الغفران. وفي مرحلة تاريخية معينة حدث نوع من التحالف غير المشروع بين السلطة السياسية والسلطة الدينية في أوروبا، فلا يرقى الإمبراطور إلى كرسي العرش إلا بقرار من الكنيسة.. ولكي يرد الإمبراطور الجميل للكنيسة فمن يتمرد على رأى الكنيسة فجزاؤه إما اقتل أو الحرمان من رحمة الله بقرار سياسي.
وسيطر هذا الفكر المظلم على أوروبا فترة طويلة من الزمن ثم حدث أن ظهر بريق من النور الإسلامي الإلهي من خلال منافذ الحضارة الإسلامية إلى أوروبا. وبدأ علماء أوروبا يتعرفون على الوافد الجديد الذي أطلقت عليه الكنيسة اسم"العلم الشيطاني". وهذا العلم الشيطاني كان هو العلم الإسلامي الذي أضاء ظلمات أوروبا من خلال أسبانيا وصقلية والاحتكاك المباشر في الحروب الصليبية.
خلفيات مصطلح التنوير في الثقافة الأوروبية
وبالتالي فمصطلح التنوير في الثقافة الأوروبية أفرزته طبيعة الصراع.. فلما وفد العالم الإسلامي إلى أوروبا احتضنه مجموعة من العلماء في العلوم الطبيعية فقارنوا بين ما تدعو إليه الكنيسة وبين الوافد الجديد فوجدوا أن حقائق العلم الجديد على النقيض تماما مما تدعوهم إليه الكنيسة من آراء تقول إنها نزلت من السماء وتدعي لها العصمة. فظهر كوبرنيق ورأيه في مركز الكون، وهل هو الأرض أم الشمس، فقد كان هذا أول لقاء مباشر بين الموقف العلمي والموقف الكنسي، والموقف هنا كنسي وليس دينيا لأن المسيحية الصحيحة مظلومة في هذا الموقف بين الكنيسة ورجال العلم. وتساءل علماء أوروبا كيف تكون الآراء التي تدعوهم إليها الكنيسة وحيًا نزل على عيسى من السماء بينما العلم ينقضها. فقالوا إلى من نحتكم؟ إلى العلم الذي اختبرته عقولنا فوجدته صحيحا أم إلى ما يدعونا إليه رجال الكنيسة؟.. وهنا بدأ الرفض لآراء الكنيسة ورجال الدين واستمرت هذه الظاهرة قرابة نصف قرن من الزمان ثم انسحبت كلمة الكنيسة من الصراع وحل محلها كلمة الدين وأصبحت القضية هي الصراع بين العلم والدين وليست الصراع بين العلم والكنيسة. وأصبحت كلمتا العلم والعلماء رمزا للنور الجديد ورمزا لتنوير ضد الجهل وضد الخرافة وضد الرجعية. وقد لاقى كثير من العلماء القتل والحرق والطرد من الأوطان ومن رحمة الكنيسة نتيجة اعتقادهم بحقائق العلم ورفضهم لخرافات الكنيسة. ثم جاءت الثورة الفرنسية وكان لها دور كبير في إزكاء الصراع بين العلم والدين كما انضمت الطبقات الكادحة إلى الثورة ضد رجال الدين.
وفي بحث الثورة الفرنسية عن التنوير ضد ظلام الكنيسة ظهرت مفاهيم جديدة مثل الحرية - الديمقراطية - الدستور.. ونظرت الثورة الفرنسية إلى كتاب جان جاك روسو"العقد الاجتماعي"فجعلته إنجيلا لها لأنها لم تجد في تراث وفكر الكنيسة في ذلك الوقت ما يعيد للإنسان كرامته ويعطيه حقوقه الاجتماعية والدينية والسياسية.. وبدأت كلمة التنوير تشيع على الألسنة تدريجيا.
هل بدأ التنوير في بلادنا بمجيء الحملة الفرنسية؟
إنني أعيب على المثقفين العرب والمسلمين الذين يربطون بين الحملة الفرنسية على مصر وبدء التنوير في بلادنا العربية والإسلامية على اعتبار أن الحملة جاءت بكثير من العلماء الفرنسيين الذين تولوا نشر الثقافة والتنوير في مصر، ثم عملوا بالتدريس في الجامعة المصرية أول ما أنشئت حيث كانت هيئة التدريس كلها من المستشرقين.
ويقول هؤلاء المثقفون المهزومون إن الحملة الفرنسية أخرجتنا من بداوة الدولة العثمانية إلى نور المدنية الأوروبية المعاصرة. وهكذا بدأ هؤلاء المثقفون المهزومون ينقلون مصطلح التنوير الذي نشأ في بيئة غير بيئتنا ليزرعوه عندنا ولينقلوا المعركة التي وقعت في أوروبا بين الكنيسة ورجال الدين من جانب وبين العلم والعلماء من جانب آخر.. وشيئا فشيئا وجدنا من ينادي من مثقفينا ويقول إما العلم وإما الدين لأن أوروبا لم تنهض إلا بعد أن نفضت يدها تماما من الدين.
ثم صار الذي يتحدث عن الدين في بلادنا العربية ضد التنوير، وهكذا صارت المشكلات التي طرحت في أوروبا تطرح عندنا بالنص مثل حرية المرأة وعمل المرأة وميراث المرأة وتعدد الزوجات.. الخ. واستخدم هؤلاء كلمات مثل (الغيبيون - الظلاميون - الرجعيون) ليرموا بها الملتزمين بالإسلام كمشروع وعقيدة.
نشأة المشروع التغريبي في بلادنا العربية
ومع بداية هذا القرن تبنت بعض الأقلام في بلادنا المشروع التغريبي التنويري وظهرت كتب تحرير المرأة لقاسم أمين، وما هي النهضة لسلامة موسى، وابن رشد لشبلي شميل، ومستقبل الثقافة في مصر لطه حسين، والإسلام وأصول الحكم لعلي عبد الرازق .. الخ. وعند تصفح هذه الكتب نجد أن مشروع النهضة الأوروبية أو مشروع التنوير الغربي تم نقله بأكمله إلينا وحتى بدون تنقيح. فعلي عبد الرازق ينادي بفصل الدين عن الدولة، ويقول إن القرآن كتاب أخلاق وليس كتاب سياسة.
وطه حسين يطرح مشروع التعليم في بلادنا من وجهة نظر أوروبية مائة في المائة. وسلامة موسى يقول إننا لكي نتقدم لا بد أن نرفض الدين وأن الإيمان بالغيب هو سبب تأخر المسلمين.. الخ. وبعض هؤلاء رجعوا عن آرائهم في أخريات أيامهم ولكن حدث ذلك بعد أن انتشرت كتبهم وتتلمذ عليها الشباب وراجت في مؤسسات الثقافة والإعلام في بلادنا.
هل فعلا تخلصت أوروبا من الدين فتقدمت؟
إن هذه المقولة تحمل ألوانا من التضليل لا نظير لها لأن أوروبا التي أقنعتنا بأنها نفضت يدها من الدين هي في نفس الوقت شديدة الحرص على ديانتها. والذي يطلع على تاريخ التبشير في العالم العربي والإسلامي وعلى الميزانيات المرصودة لذلك من الدول الأوروبية يدرك مدى كذب هذه الفرية. إن كل دول أوروبا بلا استثناء ينص دستورها على أن الثقافة الإنجيلية هي الثقافة الرسمية للدولة.
إن التقدم والتأخر مرتبط بالأخذ بالسنن الكونية ومنها سنة العلم فللتقدم أسبابه وللتأخر أسبابه وهذه الأسباب لا علاقة لها بالدين ولكنها سنة من سنن الله في الكون من أخذ بها تقدم ولو كان كافرا ومن أهملها تأخر ولو كان من أتقى عباد الله.
وهكذا فقد تقدمت أوروبا لأنها لم تنفض يدها من الدين ولكن لأنها اعتصمت بمنطق العلم وجعلته سلما لرقيها المدني ولتقدمها التكنولوجي في حين أهمل المسلمون الأخذ بسنة العلم فتخلفوا.
المشروع الإسلامي في التنوير