كان الالتحاق بالمدرسة الطبية أو البيمارستان سهلًا، إذ يذهب الطالب إلى حيث يجلس الأستاذ، ويستمع إليه، والطالب حر في اختيار مقررات الدراسة، بل ودراسة ما يرغب فيه وحرية التنقل من أستاذ إلى آخر، حتى تكون الدراسة على هواه، ولا تفرض عليه في هيئة برامج أو مقررات إجبارية، ولم يكن الأمر فوضى كما قد يتبادر إلى الذهن، ولكن كانت هناك كتب أساسية يجب أن يدرسها الطالب، ولا يمكنه الحصول على إجازته إذا لم يتقن هذه الكتب.
ولعل الكثيرين يعلمون أن هذا النظام انتهى من عندنا نحن مبدعيه، وانتقل إلى الدول المتقدمة على رأسها الولايات المتحدة وأوروبا، ومازال قائمًا ويطبق لديهم حتى اليوم، فالطالب الذي يدرس دراسات عليا أو عادية يختار أستاذه والمقررات أو البرامج التي سيدرسها بنفسه وبحرية كاملة، ولا تفرض عليه أو يفرض عليه أستاذه أو مشرفيه. ولكن من يعترف اليوم بهذا الإبداع العظيم للعرب، وفضل الحضارة الإسلامية على العلوم وطرق المناهج والتدريس؟
وتمر ستة قرون كاملة بعد هذا الإبداع الإسلامي، ونجد في عام 1537م طبيبًا بلجيكيًا، بل عالمًا من علماء جامعة لوفان، هو أندريه فيزالوس، يترجم الكتاب التاسع من كتب الرازي إلى اللغات الأوروبية، وما لبث فيزالوس أن عين أستاذًا للتشريح في جامعة بادوا، وفي عهده أدخلت كلية الطب في جامعة بادوا الأساليب الإسلامية الجديدة في ممارسة الطب، التي ما لبثت أن انتشرت في سائر أوروبا وأسهمت إسهامًا كبيرًا في تقدم الطب في أوروبا.
(الشبكة الإسلامية) د. عبد الحليم عويس
نموذج التلاحم بين العرب والبربر
تثور في كثير من بلاد المسلمين نعرات عنصرية، تحاول تهميش الأخوة الإسلامية، وتذويب التلاحم الجنسي الذي صهره الإسلام في بوتقة"الأخوة"، وفتح به العالم من خلال كل الأجناس الإسلامية صانعة الحضارة الإسلامية، عربية أو تركية، أو كردية أو بربرية!!
وفي بلاد الشمال الإفريقي ( والأندلسي سابقًا ) وجدت ومازالت محاولات تدميرية للإيقاع بين عنصري العرب والبربر الذين يرجعان في الحقيقة إلى أصل عربي واحد، وقد التحما معًا في فتح الأندلس ونشر الإسلام في العالم.
ومن البديهي أن العنصر البربري بكل خلفيته الثقافية يمثل واحدًا من أبرز المكونات الثقافية للمغرب العربي الإسلامي - ومن العبث بل من الأنانية القومية - إنكار دوره الحضاري الأساسي عبر عدد متطاول من القرون!!
على أنه لا يمكن - مع وجود هذا العنصر - إهمال المكونات الثقافية العربية التي استقرت على امتداد المغرب منذ الفتح الإسلامي، ولا سيما تأثير الدولتين الكبيرتين: بني رستم في تيهارت، والفاطميين في المهدية، وهما دولتان قامتا على التوحيد بين البربر والعرب في سياق واحد!!
وهذا لا يعني إهمال شأن الجهد الذي بذله البربر أنفسهم في تعلم العربية وعلوم الإسلام، حتى إننا لنجد القرن الرابع الهجري لم يكد يبزغ حتى صار كثير من البرابرة يزاحمون العرب في علوم لغة"الضاد"وأصبح علماء البربر يناظرون فقهاء العرب في القواعد الأصولية والفروع الفقهية وقضايا علم الكلام.
لقد استطاع الطابع العربي أن يغلب على الثقافة منذ مطلع القرن الرابع الهجري، وقد ساعد على ذلك أن الثقافة العربية جزء من الإسلام الذي هو عقيدة الأمة، وأن تاريخ الأمة منذ ثلاثة قرون هو تاريخ هذه الثقافة، وأن المغرب العربي محاط من كل أطرافه بثقافات عربية، سواء من ناحية الشمال حيث (الأندلس الإسلامية) ، أو من الشرق حيث منابع الثقافة الإسلامية.. مما يجعلنا نطمئن إلى القول بأن الثقافة العربية الإسلامية قد نجحت في أن تكون الثقافة"الأم"والأولى.. منذ القرن الرابع الهجري، ونجحت في أن تكون مناط عناية الدول البربرية، على اختلاف منازعها واتجاهاتها السياسية الرسمية.
ولقد حظيت العربية باحترام البربر - أيما احترام - على وجه العموم، وقد اعتبروها لسان الأدب ولغة العلم وعنوان الثقافة، فانبلج بالتالي في القرنين الخامس والسادس الهجريين"عصر جديد أصبحت فيه اللغة العربية ربة المنزل، وصاحبة الأمر والنهي على القرائح والعقول".
وعند منتصف القرن الخامس الهجري حدث ما هو معروف من زحف القبائل العربية على المغرب العربي، ومهما يكن من الآثار السلبية التي خلفتها هذه القبائل في الحياة السياسية والاقتصادية والعمرانية (بخاصة) في المغرب العربي، فإنها كانت من الناحية الثقافية أكبر العوامل المؤثرة في تعريب الثقافة المغربية.
فقد أثرت لغة التخاطب لقبائل بني هلال وبني سليم في اللسان البربري، الذي كان طاغيًا على اللسان العربي في الأرياف، وفي المدن أيضًا، وسارت عملية الاستعراب تبعًا لعملية المزج والاحتكاك في الحياة العملية اليومية.
وقد برز بهذا المظهر الحضاري دور جديد في الآداب المغربية يسميه أحد المؤرخين المعاصرين بـ (الدور المدرسي) ، وهو دور تم وضع حجره الأساس في القرن الخامس الهجري، وقد ظل هذا الاتجاه يختمر في القرن السادس الهجري، وهو دور يمتاز بأنه آخر الأدوار المدرسية الأخرى، التي اختمرت في الذهنية المغربية، ولهذا فقد جاء"خلاصة للأدب العربي وزبدة للعقول".
ويبدو أنه بعد هذا الدور بدأت (الجزائر) تدخل في عداد الدول المعربة فعلًا، وقد سبقتها بقليل من السنوات (تونس) ، أما المغرب الأقصى فقد تأخر عنهما تأخرًا نسبيًا يمثل خلافًا في الدرجة، لا في المظهر الحضاري العام!!
ومن عناصر التكوين الثقافي التي لا يمكن تجاهل تأثيرها في هذا الطور، زحف مذهب"مالك بن أنس"بدءًا من التأثير الذي أحدثته"مدرسة القيروان"التونسية، ومرورًا بالقسم الغربي في العالم الإسلامي كله، وهو القسم الذي انتظم فيه الأندلس وبلدان المغرب العربي، وعبورًا إلى القارة الإفريقية حيث لا يزال مذهب مالك هو المذهب الغالب في هذه البلاد.
والجدير بالذكر أن احتكاك المغرب بالأندلس وهجرة بعض الأندلسيين والأفارقة والصقليين وغيرهم إليه، وإسهام هؤلاء في الحركة الثقافية المغربية، بما حملوه من علوم وآداب.
كل هذه العناصر وربما غيرها، قد كونت الملامح الأساسية للشخصية الثقافية المغربية، وساعدت على إبرازها في صورة حضارية خاصة ذات إطار خاص، كما أن هذه العناصر في الوقت نفسه قد ساعدت على رقي الثقافة المغربية وازدهارها عامة.
وقد انتشرت في هذا العصر ظاهرة التنافس الثقافي، وكان السباق قائمًا بين بلدان المشرق والمغرب والأندلس وعواصمها المختلفة المهدية وبجاية وفاس، وتلمسان، وسبتة ، وبغداد والقاهرة والمدينة المنورة، ومكة، وغيرها.
وقد برزت كل مدينة من هذه المدن بلون خاص من العلوم أو الآداب غلب عليها، واشتهرت به.
فالمهدية عاصمة البحوث الكيماوية، وصقلية عاصمة الترجمة والنقل للعلوم العربية إلى اللاتينية، وبجاية عاصمة الرياضيات (ومن بجاية الجزائرية هذه أخذ الأوروبيون الأرقام العربية والجبر والمقابلة وهندسة أوقليدس) ، وهكذا الأمر في كل عاصمة إسلامية عربية.
وقد ساعد على هذا التنافس وعطائه الحضاري، ما كان يلتزم به الحكام من رعاية للملتصقين بهم من العلماء والأدباء والشعراء.