واتسعت حضارة سبأ، ولكن أصحابها كفروا بأنعم اللَّه، فأباد عز وجل حضارتهم، حيث سلّط على ذلك السد الفئران فهدمته، فانطلق السيل العرم إلى المناطق الزراعية، وأغرقها مع أهلها، فهلك منهم من هلك، ونجا منهم من هرب إلى شمال ووسط الجزيرة العربية.
وقد حدّثنا القرآن الكريم عن هذه الحضارة بقوله: (لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ ءَايَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوامِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ * فَأَعْرَضُوا فَاَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْ ءٍ مِن سِدْرٍ قَلِيلٍ * ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي اِلاَّالْكَفُور) (سبأ/17-15)
فالقرآن يشير هنا بوضوح إلى أنهم لم يستحقوا العذاب والغرق والفناء إلا لأنهم أعرضوا وكفروا، فكانت نهايةمأساوية لحضارة لو كانت شكرت أنعم ربها لدامت مئات السنين، إلا أن الكفر هو الذي أدى إلى انقراضها وهي في أوج قوتها وعنفوانها.
التاريخ يعيد نفسه
والقرآن الكريم يضرب لنا هذه الأمثلة وغيرها ليبين لنا أن التاريخ يعيد نفسه دومًا، لأنه ليس إلا تطبيقًا وتجسيدًا لسنن اللَّه سبحانه في الأرض، فهو عبارة عن تطبيقات للأنظمة والقوانين التي وضعها البارئ لهذا الكوكب؛ فالقوانين لا يمكن أن تتبدل، كقانون الجاذبية الذي كان ولا يزال يجذب الأشياء إلى الأرض، كما أن الحر والبرد يمثلان حقائق وقوانين لم تتغيّر منذ الأزل.
وهكذا الحال بالنسبة إلى قانون الحضارات، فإنه هو الآخر ثابت لا يتغيّر؛ فعندما يكفر الإنسان بربّه، ولا يشكر أنعمه فإن حضارته لابد أن تنتهي وتزول شر زوال، حتى لو كانت هذه الحضارة في عنفوان شبابها. أما إذا شكر الإنسان ربه،فإن حضارته سوف تدوم وتستمرّ حتى ينقضي عمرها الطبيعي. فكما أن الإنسان يطول عمره إذا اتبع المناهج الصحيةالسليمة ومن ثم يموت موتًا طبيعيًا، وكما أن الإنسان الذي يرتكب الفواحش يصاب بالأمراض والشيخوخة المبكرةوالانهيار العصبي وعشرات الأمراض الأخرى، فإن نفس هذه القاعدة تنطبق على الحضارات أيضًا.
إن قانون الحضارات هو قانون يتكرّر ويتجسّد اليوم في واقع الأمة الإسلامية وفي كل مكان، فنحن لو شكرنا اللَّه سبحانه وتعالى لدامت نعمه علينا كما يقول عز وجل: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَ عَذَابِي لَشَدِيدٌ) (إبراهيم/7) . فهذا إعلان إلهي بأن الشكر يؤدّي إلى دوام النعمة، بل وزيادتها.
الشكر وأسلوبه
والسؤال المطروح هنا هو: ما هو الشكر، وكيف يكون؟
الجواب: إن الشكر هو شكر كل نعمة من خلال الفيض بها على الآخرين؛ فشكر نعمة المال يكون ببذله، وشكر نعمةالعلم بنشره، وشكر نعمة الجاه باستغلاله في سبيل خدمة الآخرين، وشكر نعمة الهدى يتجسّد في الاستقامة.. فلكل نعمة شكر يلائمها، ولكننا عندما أحجمنا عن الشكر فإن حضارتنا انتهت؛ فأصحاب المال بخلوا، وأصحاب العلم جبنوا، والعاملين تكاسلوا... وبالتالي فإن الجميع قد انهار، وانهارت الحضارة بانهيارهم. والسبيل الوحيد لنهوضنا،وإعادة أمجادنا السابقة، والحصول على استقلالنا، هو الاعتبار بما جرى للأمم السابقة التي كفرت بأنعم ربها وتنكّرت لها، وغفلت عن ذكر اللَّه، فكانت النتيجة أن انهارت حضاراتها، وانقرضت، وتحوّلت إلى خبر يذكر.
ومن أجل أن نحول دون تورّطنا في هذا المصير؛ فإن علينا أن نؤدي فريضة الشكر إلى الخالق تعالى بالمعنى الذي ذكرناه سالفًا، وأن نعرف قدر نعمه، ولا يصيبنا البطر والطغيان والغرور، لأن شكر النعمة موجب لدوامها وثباتها؛ بل وزيادتها. وهذه سنة إلهية ثابتة لا يمكن أن تتغير، ولن تجد لسنّة اللَّه تبديلًا.
حضارة في بيت العنكبوت
(وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَد تَبَيَّنَ لَكُم مِن مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ *وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَآءَهُم مُّوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الاَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ * فَكُلاًّأَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُم مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الاَرْضَ وَمِنْهُم مَنْ أَغْرَقْنَاوَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا انفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ *مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَآءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْكَانُوا يَعْلَمُونَ * إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَيْ ءٍ وَهُوَالْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَتِلْكَ الاَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَآ إِلاَّ الْعَالِمُونَ ) (العنكبوت/38-27)
الشرف العظيم والقوة الكبرى والركن الشديد أن يؤمن الإنسان باللَّه وحده، ويعتمد عليه وحده، ويتوكل عليه وحده.فالتوحيد أعظم شرف يتشرف به ابن آدم، وأقوى ركن يعتمد عليه، وأفضل وسيلة يتوسل بها. أما الشرك؛ فهو ضعف وذل وهوان.
وعلينا - ونحن نتلو آيات القرآن المجيد- أن نتبصّر ذلك النور الفياض منها؛ ابتداءً من باء (بسم اللَّه ) ،وانتهاءً بسين (والناس ) .
ولعلّ من أعظم أنوار القرآن؛ نور الهداية إلى اللَّه سبحانه وتعالى. وقد ورد عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام: (لقدتجلى اللَّه لخلقه في كلامه، ولكنهم لا يبصرون ) (48) .
فإذا كنّا لا نبصر ولا نسمع ولا نعقل، فلماذا وهبنا اللَّه تبارك وتعالى السمع والبصر والفؤاد؟
إنّ القرآن الكريم كتاب التوحيد، ومفتاح فهم هذا الكتاب هو معرفة اللَّه عزّ وجل، ومن ضلّ عن ربّه فقد ضلّ ضلالًابعيدًا، ومن لم يجعل اللَّه له نورًا فما له من نور. والشرك هو الضلالة الكبرى والتيه الأكبر..
ومن أجل توضيح هذه الفكرة التي استوحيها من آيات مباركات من سورة العنكبوت، لابد أنّ أضرب لكم مثلًا في ذلك، لأن الأمثال تقرب الحقائق، فأقول؛ من يقصد منطقة معينة فيركب صهوة حصان هائج، لن يصل إلى مقصوده،ولن يفلح راكب سيارة ذات فرامل ضعيفة في الوصول بسلام، ولن ينجو الغريق إذا ما توسّل بقشّة..
وكذلك الإنسان إذا ما اعتمد على غير اللَّه، فإنه سيتأكد في نهاية المطاف أنّ (هذا الغير) ليس لن ينفعه فقط،وإنّما سيضره أيضًا. فهذا الغير سيتحول إلى وسيلة هدم لحياته.
فلقد اعتمد فرعون على قدرته الاقتصادية والزراعية وثروته المائية، حتى قال: (وَهَذِهِ الاَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي ) (الزخرف/51) إشارة إلى تسلطه المطلق على نهر النيل، وأنّه يسيره كيف شاء. لكن هذا النهر هو الذي غرق فيه فرعون وأصبح بذلك آية للعالمين.
وتلك عادٌ الأولى التي كانت قبيلة قوية، ذات شوكة وبطش وجبروت، كانت تقطن في الطرف الشمالي للجزيرة العربية،متشبّثة ببيوتها وصخورها، إذ نحتت من الجبال بيوتًا، فأرست قواعد حضارتها، إلاّ أنها لفرط اعتمادها على صخورهاوحصونها دمّرها اللَّه بذات الصخور.