وكانت هذه المستشفيات العملاقة تُقسّم إلى أقسام بحسب التخصص: فهناك أقسام للأمراض الباطنة، وأقسام للجراحة، وأقسام للأمراض الجلدية، وأقسام لأمراض العيون، وأقسام للأمراض النفسية، وأقسام للعظام والكسور...
ولم تكن هذه المستشفيات مجرد دور علاج، بل كانت كلّيات طب حقيقية على أرقى مستوى؛ فكان الطبيب المتخصص ( الأستاذ ) يمرُّ على الحالات في الصباح، ومعه الأطباء الذين هم في أولى مراحلهم الطبية، فيعلمهم، ويدوّن ملاحظاته، ويصف العلاج، وهم يراقبون ويتعلمون، ثم ينتقل الأستاذ بعد ذلك إلى قاعة كبيرة ويجلس حوله الطلاب فيقرأ عليهم الكتب الطبية، ويشرح ويوضّح، ويجيب عن أسئلتهم.. بل إنه يعقد لهم امتحانًا في نهاية كل برنامج تعليمي معين ينتهون من دراسته، ومن ثم يعطيهم إجازة في الفرع الذي تخصصوا فيه.
ليست مستشفيات فحسب:
كانت المستشفيات الإسلامية تضم في داخلها مكتبات ضخمة تحوي عددًا هائلًا من الكتب المتخصصة في الطب والصيدلة وعلم التشريح ووظائف الأعضاء.. إلى جانب علوم الفقه المتعلقة بالطب، وغير ذلك من علوم تهم الطبيب..
ومما يذكر على سبيل المثال - لنعرف ضخامة هذه المكتبات - أن مكتبة مستشفى ابن طولون بالقاهرة كانت تضم بين جنباتها أكثر من مائة ألف كتاب!!
وكانت تُزرَع - إلى جوار المستشفيات - المزارع الضخمة التي تنمو فيها الأعشاب الطبية والنباتات العلاجية؛ وذلك لإمداد المستشفى بما يحتاجه من الأدوية.
أما الإجراءات التي كانت تُتخذ في المستشفيات لتجنب العدوى فكانت متميزة.. بل عجيبة!! فكان المريض إذا دخل المستشفى يُسلّم ملابسه التي دخل بها، ثم يُعطَى ملابس جديدة مجانية لمنع انتقال العدوى عن طريق ملابسه ( التي مرض وهو لابس لها ) ، ثم يدخل كل مريض في عنبر مختص بمرضه، ولا يُسمح له بدخول العنابر الأخرى لمنع انتقال العدوى أيضًا، وينام كل مريض على سرير خاص به ( بملاءات جديدة وأدوات خاصة )
قارن كل ذلك بالمستشفى الذي أنشئ في باريس بعد هذه المستشفيات الإسلامية بقرون، حيث كان يَُسمح للمرضى بالإقامة في عنبر واحد ( بصرف النظر عن نوعية مرضهم! ) بل ويُسمح بنوم ثلاثة أو أربعة أو أحيانًا خمسة من المرضى على سرير واحد! فتجد مريض الجدري إلى جوار حالات الكسور إلى جوار السيدة التي تلد! كما كان الأطباء والممرضون لا يستطيعون دخول العنابر إلا بوضع كمّامات على الأنف من الرائحة شديدة العفونة في داخل هذه العنابر! بل كان الموتى لا يُنقلون إلى خارج العنابر إلا بعد مرور أربعٍ وعشرين ساعةً على الأقل من الوفاة!! فتخيل مدى خطورة هذا الأمر على بقية المرضى! فالحمد لله الذي شرفنا بالإسلام..
ومن أعظم المستشفيات الإسلامية: المستشفى العضُدي، الذي أنشأه ( عضد الدولة ابن بويه ) عام 371 هـ في بغداد، وكان يقوم بالعلاج فيه عند إنشائه أربعة وعشرون طبيبًا تزايدوا بعد ذلك جدًا، كما كان يضم مكتبة علمية فخمة وصيدلية ومطابخ، وكان يخدم فيه عدد ضخم من الموظفين والفرَّاشين، وكان الأطباء يتناوبون على خدمة المرضى بحيث يكون هناك أطباء بالمستشفى أربعةً وعشرين ساعة يوميًا.
مستشفيات إسلامية عملاقة
من المستشفيات الإسلامية العظمى أيضا: المستشفى النوري الكبير بدمشق، والذي أنشأه السلطان العادل ( نور الدين محمود الشهيد رحمه الله ) وذلك في سنة 549 هـ، وكان من أجَلّ المستشفيات وأعظمها، واستمر في العمل فترة طويلة جدًا من الزمان، حيث بقي يستقبل المرضى حتى سنة 1317 هـ ( 1899 م ) أي قرابة ثمانمائة سنة!!
كذلك من أعظم المستشفيات في تاريخ الإسلام: المستشفى المنصوري الكبير الذي أنشأه ( الملك المنصور سيف الدين قلاوون رحمه الله ) في القاهرة، وذلك سنة 683 هـ وكان آية من آيات الدنيا في الدقة والنظام والنظافة، وكان من الضخامة بحيث إنه كان يعالج في اليوم الواحد أكثر من أربعة آلاف مريض!
ولا ننسى في هذا المضمار مستشفى مراكش الذي أنشأه ( المنصور أبو يوسف يعقوب رحمه الله ) ملك دولة الموحدين بالمغرب الذي حكم من 580 هـ إلى 595 هـ، وكان بناء هذا المستشفى آية من آيات والإتقان والروعة! فقد غُرست فيه جميع أنواع الأشجار والزروع، بل كانت في داخله أربع بحيرات صناعية صغيرة!! وكان على مستوىً عالٍ جدًا من حيث الإمكانيات الطبية والأدوية الحديثة والأطباء المهرة..
لقد كان - بحق - درّة في جبين الأمة الإسلامية...
ليس هذا فقط.. بل كانت هناك المستشفيات المتخصصة، التي لا تعالج إلا نوعًا معينًا من الأمراض: كمستشفيات العيون، ومستشفيات الجذام، ومستشفيات الأمراض العقلية، وغير ذلك...
وأعجب من ذلك وأغرب أنه كانت توجد في بعض المدن الإسلامية الكبرى أحياء طبية متكاملة؛ فقد حدَّث ابن جبير رحمه الله في رحلته ( التي قام بها في سنة 580 هـ تقريبًا ) أنه رأى في بغداد - عاصمة الخلافة العباسية - حيًّّا كاملًا من أحيائها يشبه المدينة الصغيرة، يتوسطه قصر فخم جميل، تحيط به الحدائق والبيوت المتعددة، وكان كل ذلك وقفًا على المرضى، وكان يؤمه الأطباء من مختلف التخصصات ( فضلا عن الصيادلة وطلبة الطب ) وكان النفقة جارية عليهم من الدولة ومن الأوقاف التي يجعلها الأغنياء من الأمة لعلاج الفقراء وغيرهم.
وبعد..
فهذا قليل من كثير، وما أغفلنا ذكره أكثر بكثير مما علّقنا عليه، وليس هذا إلا وجه بسيط من أوجه الحضارة الإسلامية العظيمة..
وللحديث بقية...
وأسأل الله أن يُعزّ الإسلام والمسلمين
البعد الإنساني للطب عند المسلمين ...
بقلم الدكتور راغب السرجانى ... تاريخ الإضافة: 26/04/06
مقدمة
تحدثنا في المقالات السابقة عن عديد من الجوانب المشرقة للحضارة الإسلامية في مجال الطب سواء من ناحية ابتكار المستشفيات, أو الإسهام في تطوير علوم الطب وتخصصاته المختلفة, أو من ناحية الأسلوب الإسلامي الراقي في دراسة الطب.. وكيف أثر ذلك في دفع علم الطب وتطبيقاته خطوات هائلة نحو الأمام في زمن الحضارة الإسلامية.
وفي هذا المقال نلفت النظر إلى بعد رائع جديد تميز به الأداء الطبي عند المسلمين في زمن حضارتهم.. ذلكم هو البعد الإنساني, واحترام الإنسان بصفة عامة, والسعي الحثيث لرفع المعاناة والألم والحرج عنه أيًّا كان هذا الإنسان, وأيًّا كانت معاناته
اهتمام الإسلام بهذا الجانب
لم يكن غريبًا على أطباء المسلمين أن يهتموا بالبعد الإنساني في تعاملهم مع المريض، لأن قوانين التشريع الإسلامي تنطق بهذا النهج الأخلاقي الفريد.. فالإسلام ينظر إلى المريض على أنه إنسان في أزمة، ومن ثم يحتاج إلى من يقف إلى جواره، ويأخذ بيده، ويرفع من معنوياته، ويهدّئ من روعه، ويخفف عن آلامه الجسدية، فضلًا عن المعنوية...
لذلك تجد أن التشريع الإسلامي يسعى لرفع الحرج عن المريض عند المرض بكل وسيلة، ويخفف عنه الأعباء إلى أقصى درجة.. فللمريض رخصة ألا يصوم، وإن عاقه اعتلال صحته عن الحج فلا حج عليه، وليس عليه إثم.. كما أن المريض الذي لا يستطيع الصلاة على صورتها الطبيعية يُعطى رخصة الصلاة في أوضاع تناسبه جالسًا أو نائمًا أو حتى بعينيه! والمريض الذي يضره الماء في الوضوء يتيمم، والذي لا يستطيع الوضوء ولا التيمم لسبب أو آخر يصلي دون أي منهما ويسمى فاقد الطهورين... حتى في أوقات الجهاد في سبيل الله رفع الحرج عن المريض فلا يجاهد ولا إثم عليه، والله يقول: [ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج] ...