وقد بدأت تصحو بالفعل ..
بدأت تحس أن هناك جوعة لا يغذيها شيء . لا تغذيها النظم الاقتصادية . ولا نظم الحكم . ولا التنظيمات الاجتماعية . ولا متاع الأرض كله المتاح للناس كما لم يتح قط من قبل: متاع الجنس والمباهج المهيأة للترويح عن الناس والترفيه ..
جوعة الروح .. جوعة العقيدة ..
وتتبدى هذه الجوعة في القلق الدائم الذي يسيطر على النفوس .. والاضطرابات النفسية والعصبية وضغط الدم والانتحار والجنون .. رغم كل هذا التيسير الذي تهيئه الصناعة الحديثة ، ورغم كل الفرص المتاحة للبهجة والمتاع ..
بل كلما أغرق الناس في المتاع الدنس زادت حدة الجنون .. وزاد الشعور بالجوعة الكامنة في أعماق الضمير ..
ولا بد أن تصحو هذه الجوعة ذات يوم قريب إلى أنها تربد العقيدة .. العقيدة في الله .. فهي العنصر الواحد الذي لا يحل محله سواه ..
ولن تكون هذه العقيدة المطلوبة تهاويل وتسابيح .. ولا إغراقا في عالم الروح على حساب بقية"الإِنسان".
وإنما تكون - بعد تجارب البشرية الطويلة هذه - عقيدة تشمل الإِنسان كله: عقله وجسمه وروحه .
وليس في الأرض عقيدة تشمل ذلك كله سوى الإِسلام ..
وليس من الضروري - الآن - أن يصبح الناس اسمهم محمد وأحمد وعلي .. ولكنهم سيهتدون - بفطرتهم وتجاربهم الطويلة المريرة - إلى أن هذه العقيدة هي العقيدة المطلوبة التي تشمل الإنسان كله وتوحد اتجاهه ، فلا يتمزق .. كل بضعة منه في اتجاه .
و"الموانع"التي تبدو اليوم حاجزا ضخما أمام العقيدة .. أمام العودة إلى الدين .. لن تلبث أن تزول .
ليس هذا أول"انقلاب"في تاريخ البشرية ..
وما أسهل ما تنقلب الأفكار والمشاعر بعد إذ يبدو أن ذلك مستحيل !
حين تتيقظ البشرية على الخطر المحدق بها من إفلاس الروح ، ستقبل راضية كل"تنظيم"يقوم على أساس العقيدة ، مهما بدا لها مقيدا لانفلاتها الذي تعيش عليه اليوم .. لأن الانفلات هو العلة التي تحدث اليوم الاضطراب ..
والمتاع الدنس ستعدل عنه النفوس إلى المتاع المعقول .. وستجد راحتها الطبيعية الفطرية في هذا المتاع .
والنشاط الإِغرائي الذي تقوم به المرأة اليوم ، والذي يلذ لها أن تجد فيه ذاتها ، ويعز عليها أن تتنازل عنه بعد أن لجت فيه إلى هذا المدى .. هذا النشاط الإِغرائي ذاته قد بدأت المرأة - الأمريكية والأوربية - تفزع منه !
إنه يحقق لها ذاتها على نطاق واسع ، نعم . ولكنه كذلك يحقق ذوات الأخريات !
ومن ثم تسطو الأخريات على زوجها وخطيبها ومن تهواه ..
وتتهدم الأسرة ، وتتفكك الروابط ، وتملأ النفوسَ الجراح ..
وستكتشف المرأة عما قليل ، أنها غير حريصة عليه .. وأن خيرا منه أن تحصل على الإِعجاب النظيف الذي يحقق الفطرة ويلبيها ، لا على الفتنة التي تورث الشقاء .
في ذلك اليوم سيعود الناس إلى الدين .. سيعودون إلى الإِسلام .
وتلك قوة أكبر من إرادة البشر ! لأنها مبنية على السنة التي أودعها الله في الفطرة وتركها تعمل في النفوس ..
وحين يجيء ذلك اليوم .. فماذا يعني في حساب العقائد عمر جيل من البشر أو أجيال .. ؟
ليس المهم: متى يحدث ذلك ..
إنما المهم أنه سيحدث .. سيحدث بمشيئة الله ما لم يقدر الله للبشرية الفناء .
وحين يجيء ذلك اليوم .. وهو آت إن شاء الله .. فماذا تساوي كل التضحيات والآلام التي تحملتها أجيال من المسلمين ليعقدوا الجسر فوق الهوة الحالية بين الكفر الملحد وبين الإِسلام ؟
لا شيء ...
تضحيات مضمونة في السماء والأرض: ( وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ) .
صدق الله العظيم
فضل الحضارة الإسلامية على العلوم الطبية
الاثنين:13/02/2006
(الشبكة الإسلامية) د . هناء إسماعيل ( مجلة الحج والعمرة )
كتاب النجاة لابن سينا
عندما جاء الإسلام اهتم العرب منذ فجره بشتى ضروب المعرفة والعلوم، وصاحب الانتصارات الحربية الرائعة، تقدم الثقافة وازدهار الفكر على صعيد جميع العلوم والمعارف النظرية التطبيقية بالإضافة إلى مختلف الفنون والصناعات.
وكان الاهتمام الكبير الذي أولته الدولة الإسلامية بالعلم والعلماء عاملًا هيأ الظروف الملائمة لانتشار التعليم، فما لبثت العلوم والطب أن اكتسيا ثوبًا جديدًا، بل نفخت فيهما الروح من جديد. فلقد شجع نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم نفسه دراسة الطب وقال:"تداووا فإن الله تعالى لم يضع داء إلا وضع له دواء غير داء واحد: الهِرَم" [رواه أبو داود] .
حافظ العلماء المسلمون على تراث المعرفة الإغريقية فاحترموه وقدروه ونهضوا به وطوروه، وكان ذلك إسهامًا عظيمًا في تقدم الطب، فقد ترجم المسلمون إلى العربية مؤلفات جالين وغيره، ووزعوها على المراكز العلمية في مختلف أنحاء الدولة الإسلامية، فكان لهذا العمل العظيم والجليل فوائده العلمية الكبيرة والجمة.
وقد أسهم ولاة المسلمين كذلك في نهضة علم المعالجة بالعقاقير، بل يعتقد الكثيرون أن الكلمة الإنجليزية Drug المرادفة للعقار الطبي، مشتقة من أصل عربي، كما هو الحال في آلاف المصطلحات الأخرى.
كذلك أنشأ الولاة المسلمون المستشفيات التعليمية الكبيرة والمستوصفات العامة في سائر أنحاء الدولة الإسلامية.
ومن حسن حظ العلوم الطبية أنها حظيت بالنصيب الأوفى بفضل هذا التشجيع المعنوي والمادي من الخلفاء وأولي الأمر والثراء، لاسيما خلال الحقبة الواقعة بين الأعوام 800 - 1200م.
وهذا الازدهار شمل جميع الدول الإسلامية من الشرق في الشام إلى الغرب في الأندلس، وكان لمصر الإسلامية النصيب الأكبر في هذا التقدم الحضاري، فقد أعطت لدنيا العلوم الطبية الكثير، واعتبرت أحد ينابيع الفكر العربي.. فقد أعطت ما لم تعطه الولايات الإسلامية الأخرى حضارة وعلمًا وفنًّا وفكرًا وابتكارًا، فبعد أن من الله عليها بالفتح الإسلامي سنة 21هـ في عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، التقت حضارة العرب القادمين من شبه الجزيرة العربية بحضارة الفراعنة التي تسلمها أبناء النيل، وقد عكس المسلمون ضوء الشمس الغاربة للحضارات الفرعونية واليونانية، وكان لهم فضل الحفاظ على العلوم الطبية؛ لأن الرومان لم يحسنوا القيام على هذا التراث، بينما العرب المسلمون تسلموه وأتقنوه وأبدعوا فيه وأضافوا إليه.
كان هذا الالتقاء الحضاري نتيجة مباشرة في دفع عجلة التقدم في شتى ميادين العلوم والمعرفة والصناعات والنظم الإدارية، كما صاحب الفتوح الإسلامية إنشاء المدارس، ومن أروع مظاهر الحضارة الإسلامية مدارس الطب، فمنذ قيام الدولة الإسلامية كانت المساجد معاهد عامة لتعليم الشريعة فضلًا عن أنها دور للعبادة، وكان أول معهد هو الذي أنشأه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم في مسجد المدينة، بعد هجرته في السنة الأولى.
وبمرور الزمن أصبحت المساجد كلها جامعات إسلامية، وصار اسم المسجد"جامع"، واليوم نحن نسمي مؤسستنا العلمية الكبيرة الشاملة بمؤنث"جامع"أي"جامعة"، وأصبح يدرس فيها مختلف علوم الدنيا والدين .
واشتهر عمر بن منصور البهابري، ومحمد بن عبد الله المصري، بتدريس الطب في الجامع الطولوني الذي أنشاه أحمد بن طولون، مؤسس الدولة الطولونية في مصر في خلال القرن الثالث الهجري، كما اشتهر عبد اللطيف البغدادي الذي كان يدرس الطب في الجامع الأزهر (وقد أنشأ في زمن المعز لدين الله الفاطمي، مؤسس الدولة الفاطمية في مصر، خلال القرن الرابع الهجري) .