فهرس الكتاب

الصفحة 884 من 1942

فأية هندسة ؟ وأية شخصية ؟ وأية آلة بشرية سيتحول إليها الإنسان ؟ وأية مهزلة ؟ وهل من الممكن عمليا أن نتوقع أن يقوم المجتمع بتغيير بنائه الأخلاقي والجزائي استجابة لطموح علمي شديد التسارع أخذ يعمل أو يعبث في مجال ما يسمى"هندسة الشخصية"، وليصبح أسيرا بعد ذلك بيد القائمين على هذه العمليات الجراحية والعقاقيرية من أطباء وعلماء لا ندري أية قيم يؤمنون بها أو يعملون في خدمتها غير شهوة التقدم العلمي التكنولوجي الذي يتحرك ثوريا بينما أن القيم هي بطبيعتها إذا لم تستقر فإنها تتلوث ؟

يقول فيرنر هايزنبرج عالم الفيزياء الشهير في كتابه"المشاكل الفلسفية للعلوم النووية"- ترجمة الدكتور أحمد مستجير إصدار الهيئة المصرية العامة للكتاب عام 1972: ( الناحية الرهيبة في وجودنا الحالي - وأنا لا أذكر فقط المصادر الجديدة للطاقة التي سيطرت عليها الفيزيقا والتي يمكنها أن تجر إلى خراب لا يمكن تخيله - فهناك احتمالات جديدة للتدخل في الطبيعة تهددنا في حقول كثيرة ، ولو أنه من الصحيح أن الوسائل الكيميائية لتحطيم الحياة لم تستعمل في الحرب الماضية فلقد اكتسبنا في البيولوجيا أيضا كثيرا من التبصر في عمليات الوراثة ، وفي تركيب جزيئات البروتين الكبيرة ، حتى أصبحت إمكانية الإنتاج الصناعي للأمراض المعدية قائمة ، بل ربما كان هناك ما هو أكثر شرا ، فإن التطور البيولوجي للإنسان قد يوجه نحو طريق انتخاب معين ، وأخيرا فإنه من الممكن التأثير على الحالة الذهنية والروحية للناس ، وهذا قد يقود إذا أجري علميا إلى تخريب ذهني رهيب لكتل بشرية ضخمة ، إن لدينا الآن الانطباع بأن العلم يخطو على جبهة واسعة نحو منطقة يمكن أن يتوقف فيها فناء أو بقاء حياة البشرية كلها على عمل عدد قليل من مجاميع صغيرة جدا من الناس ، ولقد نوقشت هذه الموضوعات حتى الآن في الجرائد بشكل صحفي وعاطفي ، ولم يعرف الكثير من الناس للآن الخطر الرهيب الذي يتهددهم نتيجة للتطورات العلمية ) ص 122

(6) يقول الكاتب أبو خلدون في جريدة الخليج 6\9\1995تحت عنوان( اقتلونا ولكن بشرف: في 21 يوليو 1969 قدم الدكتور هنري كيسنجر بوصفه مستشارا لشئون الأمن القومي في إدارة نيكسون دراسة إلى الكونجرس الأمريكي بعنوان"النمو السكاني في العالم الثالث حطر على الأمن القومي للولايات المتحدة"وأخطر ما في هذه الدراسة التي ساهم في إعدادها برينت سكوكروفت في إدارة ريجان ، وكان مساعدا لكيسنجر في إدارة نيكسون هو أنها تقول:"عن طريق تحديد النسل والمجاعات والكوارث الطبيعية ينبغي على الولايات المتحدة أن تسعى إلى تخفيض العدد عن طريق الحروب والأوبئة"

والأخطر من ذلك ما نشره ليندون لاروش مرشح الرئاسة الأمريكية عن المستقلين في مجلة يصدرها بعنوان"إيسيكيوتيف"إنتليجنس ريفيو"من أن الولايات المتحدة طلبت من منظمة الصحة العالمية تطوير فيروس يساعد على تخفيض عدد السكان ، وكانت النتيجة أن دخل لاروش السجن لمدة 15 سنة ."

وتزامن تقدم علم هندسة الجينات في الولايات المتحدة مع طروحات كيسنجر وسكوكروفت واتجاهات الكونجرس ، وفي تقرير قدمته هيئة العلاقات العامة إلى مجلس العموم البريطاني عام 1987 جاء أن العالم الأمريكي روبرت جالو لم يكن يقول الحقيقة عندما زعم أنه اكتشف فيروس الإيدز وإنما هندسه وراثيا .

ويقول التقرير أن روبرت جالو أدخل الفيروس مع لقاح الجدري الذي جرى إرساله إلى أفريقيا لكي يقال إن المرض أصله أفريقي ، كما جرى إدخال فيروس الإيدز مع لقاح التهاب الكبد الوبائي الذي يصيب الشواذ .

وفي شريط فيديو علمي موثق صدر عام 1987 الدكتور روبرت ستريكر: إن الفيروس الذي يسبب سرطان الدم لدى البقر وفيروس آخر اسمه"شيب فيسنا"الذي يصيب الخراف إذا دخلا نسيجا بشريا يتبادلان جينات معينة تحدث طفرة ينجم عنها فيروس مشابه لفيروس الإيدز ، وهذا مافعله روبرت جالو في مختبراته .

وياروبرت جالو وياكيسنجر ويا سكوكروفت ويا كل أمريكا اقتلونا ولكن بشرف )

تلك صرخة كاتب تبين كيف تتفاقم المشكلة من حيث إن كتلا بشرية كبيرة ومعها المسيطرون على الحكم كما يقول فرينر هايزنبرج ( تعمل بلا وعي وبتحامل أعمى ، فإذا ما أعطيناهم المعرفة العلمية فمن الممكن أن يتحرك العالم إلى موقع تصفه كلمات الشاعر شيلر:"الويل لمن يهبون نور السماء للأعمى ، إنه لا يلقي له ضوءا ، إنما يحرق الأرض والمدائن ويملؤها سوادا") ص 123 ، والأعمى هنا هو الحضارة التي قامت أصلا على العلمانية .

( 6 ) ولابد من أن نسجل هنا أنه لقد غاب عن اشبنجلر التنبؤ بما سوف تصير إليه خطة هذه الحضارة في السيطرة على الطبيعة من الكارثة البيئية التي تسير إليها الإنسانية سيرا حثيثا ، من حيث لا تستطيع لها دفعا ، وبحيث تؤدي إلى جعل كوكب الأرض - حرفيا - غير صالح لسكنى الإنسان ، وفقا لما يقرره خبراء البيئة والحضارة ، الأمر الذي نجده ملخصا جامعا فيما كتبه آل جور نائب رئيس الولايات المتحدة في التسعينيات في كتابه عن"الأرض في الميزان"، وهذه هي الحفرة النهائية لقاع التدهور الذي تنجر إليه هذه الحضارة والتي تجر إليها البشرية معها .

تلك هي الأعراض الخطيرة المؤذنة بمقتل شبه حتمي ، تلك التي تعاني منها الحضارة الأوربية الأمريكية ، وهي أعراض بارزة واضحة يكاد المرء يلمسها بيديه ، انتبه إليها بعض المفكرين والفلاسفة والفيزيائيين الكبار ، إلى أن أودعها اشبنجلر في كتابه الضخم"انحلال الغرب"

لهذا تعالت الصيحات من كل مكان ضد الآلية ، وبأن النزعة الآلية في تصوير الوجود يجب أن ترفض ، أو أن تعدل بنزعة روحية على أقل تقدير ، فاتجه البعض إلى صور الحياة البسيطة ، ونادوا بالعودة للطبيعة ، وأخذوا يمارسون الألعاب الرياضية بدلا من الحركة الطبيعية التي تركت للآلة ، وأصبح منظر المدينة الكبرى يثير في نفوسهم كراهية وجزعا ، وانصرف أصحاب المواهب المبدعة إلى التفكير النظري ، ثم جاءت موجة هائلة من المذاهب التي يسودها اللامعقول والخوارق ، فطغت على الحياة الفكرية ، وشاعت روح اليأس

ولكن هذه الصرخات وتلك الصيحات تحولت إلى أصداء .

وفي تقديري انه إذا كان لابد من لصق وصف الإنسانية بهذه الحضارة فإنني استسمح اشبنجلر في أن نعطيه لها من حيث ما أعدته للجميع من دمار بمشروعها الحضاري التليد ، كما أنها استحقت وصف العبقرية مرتين: مرة لأن مقتلها يأتيها من موطن تقدمها ، ومرة من حيث إن هذه النهاية التي لم تحدث على هذا النحو لحضارة من قبل كامنة في كونها قد عاشت كحضارة خاصة ، ولكنها عندما انتهت جرت معها الجميع .

وأخيرا فهل هي أمراض قابلة للعلاج أو لإعادة التأهيل:؟

على العكس من ذلك فإن فلسفة اشبنجلر وصلت في نهايتها إلى أن العذاب الذي تعانيه هذه الحضارة الأوربية الأمريكية اليوم ليس عذاب أزمة طارئة لابد من أن تزول يوما ، وإنما هو عذاب كارثة هائلة بها سوف تنتهي مأساتها الطويلة الدرامية الرائعة - ص 305 - ككائن عضوي كان لا بد له من شيخوخة ظهرت ، ومن نهاية أشرفت .

وختاما فإنني أرجو ألا أكون قد أثرت غضب - وربما - حقد - التغريبيين في بلادنا دروايش هذه الحضارة ، وببغاواتها من أصحاب الأسماء الكبيرة والصغيرة ، فإن لم يكن ذلك كذلك فإنني أرجو ألا يكون غضبهم غيرة عليها بقدر ما هو خشية من انبعاث الحضارة التي قطعوا جذورهم عنها .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت