أخيرا حدث ذلك - جزئيا بالطبع - ولكن على نطاق واسع ، فقد صمم الناس والقادة في هذه الحضارة على النضال ضد الطبيعة ، وتوجيهها والسيطرة عليها ، مهما كلفهم ذلك من ثمن ، فاندفعوا في هذا التيار ينافسون الطبيعة حتى استطاعوا أن يبدعوا كونا صغيرا لا يخضع إلا لإرادة الإنسان هو الآلة ، ثم شهد التطور انقلابا هائلا في علاقة الإنسان بالطبيعة ، وذلك بفضل اختراع الآلة البخارية وما بعدها ، فإلى ذلك الحين كانت الطبيعة تؤدي خدمات أما الآن فقد وضع في عنقها النير ، وصارت كالإماء يقاس عملها بقوة الأحصنة البخارية ، وامتدت حمى النشاط إلى كل شيء ، فأصبحت كأنها قوة شيطانية زلزلت الأرض ، لكن إبليس ما لبث أن كشف عن نفسه في الآلة ، فثار هذا المخلوق على خالقه - مع التحفظ على هذا التعبير - واستعبده ، وكما ثار الإنسان من قبل على الطبيعة وحاول استعبادها فإن الآلة قد أصبحت غاية خالصة بعد أن كانت وسيلة ، وتحكمت النزعة الآلية في كل شيء في هذه الحضارة ، وخضع كل ما هو حيوي للآلة ، واستحال العالم الطبيعي إلى عالم صناعي قد خلا من الروح والحياة ، بل أصبحت المدنية نفسها - وهي المرحلة الأخيرة من الحضارة - آلة تفرض نفسها على كل شيء ، وأصبح التفكير بواسطة الأحصنة لا بالقوة الروحية ، وبعد أن كانت السيادة في الحياة الاجتماعية لطبقة النبلاء الممثلين للدم والجنس أصبحت في أيدي طائفة من أصحاب الأعمال الصناعية والمهندسين والصناع في المدن الكبرى ، وأصبحت قيمة الكم المعيار لكل شيء ، فزالت القيمة الفردية وفقدت الشخصية ، وصار الطابع المثالي للإنسانية هو طابع سائق الآلة المستعبد لها في الوقت نفسه، و قام التوتر شديدا بين مديري الأعمال ومنجزيها حتى أصبح يهدد بكارثة .فكان ذلك إيذانا بتمام الانحلال .
وكمثال يوضح قيادة الآلة للإنسان - وليس العكس - ما ذكره تشارلز فرانكل في كتابه"أزمة الإنسان الحديث"ص 202 بقوله ( إن القرار الذي يعين موعد ومكان وكيفية إحداث تغيير تكنولوجي هو في الحقيقة قرار اجتماعي يؤثر في أنواع هائلة من القيم ، ومع ذلك فهذه القرارات تتخذ فيما يشبه الفراغ الاجتماعي ، فالتجديدات التكنولوجية تحدث بانتظام من أجل التسهيلات التكنولوجية ، دون أي وسيلة مقررة لتقدير نتائجها أو ضبطها ، أو على الأقل تخفيف أثر صدمة هذه النتائج ) ص 202: ( إن القرارات الخاصة بكيفية استعمال التليفزيون أو عدم استعماله قد اتخذها كلها تقريبا قوم ضاقت رقعة مسئوليتهم وانحصر أفق تفكيرهم ضمن بضع قيم قليلة منتقاة ، فالثوريون الحقيقيون هم المهندسون ، وهذا وإن كنا نقوله باعتزاز لكننا ننسى أن نضيف إلى ذلك أنه لو جاءنا هؤلاء على أنهم مخططون اجتماعيون لاعتبرهم الكثيرون منا طغاة ، فالمهندسون والصناعيون الذين يتخذون القرارات الخاصة بالتغييرات التكنولوجية يملكون قوة ضخمة تؤثر في نوع حياتنا وأحوالها ، مع أنهم لا يعرفون أنهم يملكون هذه القوة ولا يهمهم أن يستخدموها ، وهذا هو أحد الأسباب التي جعلت الكثيرين من الرجال والنساء يشعرون بأنهم في أيدي أشخاص يحركونهم كما يشاءون ، ولكنهم لا يعرفون هؤلاء الأشخاص ولا يمكن السيطرة عليهم ) ص 203
وبالأحرى لأن هؤلاء الأشخاص لا يدركون كنه ما يترتب على جهودهم من قرارات .
(5 ) وإذا كان لابد من اعتراف بعبقرية هذه الحضارة فعبقريتها الأكبر التي لا يشبهها فيها حضارة قط هي أن الحضارات التي بادت كان يأتيها دمارها - على حد علمنا - من حيث قصرت في الشروط التي نهضت بها ، ونحن هنا أمام ظاهرة متميزة: أمام حضارة يأتيها أمر الله من حيث مواصلتها الشروط التي نهضت بها ، وعلى الأخص في التقدم العلمي ( المتمرد على الدين ) :
إن التقدم فيما أصبح يسمى"هندسة العقول"تارة و"هندسة الشخصية"تارة أخرى كما يقول جون ج تايلور في كتابه"عقول المستقبل"ص 41-42 ترجمة الدكتور لطفي فهيم العدد 92 من سلسلة عالم المعرفة التي تصدر بالكويت: أصبح يبشر بتطورات يقول عنها: ( لاشك أنها سترى النور خلال القرن القادم { الواحد والعشرين } إذ سيكون ممكنا ظهور عرائس متحركة إنسانية بزرع أقطاب كهربية في المراكز الحركية للحاء المخ ، فإذا أمكن للمخرج أن يتحكم في النبضات الكهربية عن طريق الراديو إلى ممثل زرعت في رأسه هذه الأسلاك فإن مسرحا للعرائس المتحركة الحقيقية سيظهر إلى الوجود .. . ومن غير المعروف الآن ما ذا ستكون اتجاهات الناس نحو شخص زرعت في رأسه الأقطاب الكهربية ، ومع تطور الثورة العقلية قد تتغير آراء الناس ويقبلون على الأشخاص ذوي الأقطاب الكهربية المزروعة ويصبح قبولهم في المجتمع أمرا عاديا شأنهم شأن الأشخاص الذين عرف عنهم أنهم يتعاطون المخدرات ) !! وسيكون من الممكن توجيه التنبيه الكهربائي لأجزاء معينة من لحاء المخ ليصبح الشخص عدوانيا ، أو وديعا ص 50 !! ولكي نجعله معتمدا على نفسه بعد ذلك لا يستدعي الأمر سوى تسليمه جهاز الترانزستور الذي يوصل التيار الكهربي وبه مفتاح"ضد العدوان"يضغط عليه عندما يحس بقدوم النوبة ، ومن الممكن إجراء عمليات استئصال لأجزاء من اللحاء يمكن بها أن يعيش المرء حياة هادئة !! ص 51 .
يقول المؤلف ( إن هذه التطورات تؤدي بنا إلى تصور رؤى مشابهة لما أورده جورج أورويل المؤلف الروائي الإنجليزي في روايته المعروفة"1984"عن الناس المبرمجين ، إلا أن هذا يبدو غير محتمل لعشرات السنوات المقبلة ، وعلى أي حال فإن التغير لن يكون دائما ، ومع ذلك فقد تنشأ مشاكل قانونية إذا استخدمت هذه الأجهزة المصغرة في السلوك العدواني ، فلنفرض شخصا يعاني من نوبات عدوانية حادة فإذا سمح له بالاختلاط بالناس وهو يحمل مثل تلك الأجهزة فمن سيكون مسئولا إذا عطب الكومبيوتر أو غيره من المكونات وارتكب الرجل أو المرأة عملا إجراميا أو ارتكب جريمة قتل ؟ هل سيكون المسئول صناع تلك الأجهزة أو الجراح الذي قام بعملية غرسها أم الشخص نفسه ؟ وكيف نعاقبه على فعلته ؟ ) ص 54
ويقول ( يحمل المستقبل في طياته توسعا كبيرا للعقل وامتدادا للخبرات العقلية يفوق تلك التي يخبرها العقل في حالته الطبيعية ، فسيكون الإنسان في المستقبل أقرب بكثير إلى العرائس المتحركة … ويثور السؤال هل سيكون دمية حية أم سيكون أقرب إلى الآلة مما هو عليه الآن ؟ .. يبدو أنه سيسير في طريق التحول إلى آلة ) ص 43
يقول المؤلف: ( لقد حملتنا الثورة العقلية إلى بداية عصر هندسة الشخصية ، فمنذ فترة أمكن إدخال تعديلات كثيرة على الشخصية ، وهذه الشخصية التي يعتريها التغيير سواء المؤقت أو الدائم يمكن اعتبارها المقابل العقلي الثابت للمظهر الجسماني الثابت الذي يحفظ للشخصية شكلها المستمر من يوم إلى يوم ويضفي على الشخصية واحدية تميزه عن كافة البشر الآخرين ، وهذه الشخصية نفسها هي التي ينتابها التعديل بمختلف وسائل الثورة العقلية وهي تتم اليوم بنفس السرعة التي تؤدي بها جراحة التجميل إلى تغيير مظهر الشخص الجسماني الخارجي ) ص 57