(1) وهنا نصل إلى الظاهرة الأولى لانحلال الحضارة الغربية: من حيث إنه إذا بلغت المدنية آخر دور من أدوار نضوجها وأصبحت خارجة من التاريخ ظهرت فيها نزعة دينية جديدة ثانية يسميها اشبنجلر باسم"التدين الثاني"، كما تستهويها حينئذ نزعة دينية صوفية غامضة يشوبها شيء من الجزع العقيم ص 105 - 106، واشبنجلر المتوفى عام 1936 كان يرى أن الحضارة الغربية لا زالت بعيدة عن هذا الدور ، إذ لم يشاهد انبعاث المسيحية الصهيونية في أوربا وأمريكا بوجه خاص بعد وفاته بوقت قليل ، وهو يصف هذا الدور بما يكاد ينطبق حرفيا على هذه الظاهرة الصهيونية المسيحية ، حيث يرى"أنها تمتاز بالتقوى الخالية من كل إبداع وكل طرافة"فلا شيء يَبنى ولا فكرة تُنمِّي، وكأن سحابة تخرج من البيئة مظهرة الصور القديمة الغامضة المترددة في أول الأمر ، الواضحة الصريحة قليلا فيما بعد"لأن الدين البدائي يعود من جديد فيغمر الشعور الديني كله ، ويفرض نفسه على الناس في صورة تجمع بين أخلاط عدة من الأديان البدائية الفطرية ، وتعود بعودته الفوضى الأولية التي تحيا فيها كل حضارة قذف بها خارج تيار التاريخ ، إلى حيث ترقد في ناووس الطبيعة اللاعضوية . ص 225"
وإذا كان هذا الوصف لهذه الظاهرة يكاد ينطبق تمام الانطباق على المسيصهيونية الجديدة بما أحيته من التفسير الحرفي لنبوءات العهد القديم والعهد الجديد فإن اشبنجلر يضع بذلك في أيدينا العلامة الأولى على انحلال هذه الحضارة ، وبخاصة إذا ضممنا إليها قيام الكيان الصهيوني على أساس هذه النبوءات ، وأيضا إذا ضممنا إليها هرولة الاتحاد الأوربي أخيرا إلى الوقوف بالصف عندما نص في دستوره الجديد - بعد قرون من العلمانية - على أن المسيحية هي الإطار الثقافي الذي يتميز به الاتحاد ، ويشكل أساس الهوية الأوربية ، وحيث قام الرئيس الفرنسي الأسبق جيسكار ديستان بالإشراف على هذه الصياغة بهذا الدستور، وكان هو أحد المعترضين على قبول تركيا في الاتحاد الأوروبي لأنها دولة إسلامية لما تؤدي إليه من إخلال بالهوية الأوروبية. . حسب تعبير الأستاذ أحمد عباس صالح في مقاله بجريدة الشعب في 5\7\2003
وكما جاء في النشرة اليومية لقناة الجزيرة بتاريخ 25\8\2003: لقد شدد البابا يوحنا بولص الثاني ( اليوم ) مجددا مطالبة الكنيسة بأن يشير دستور الاتحاد الأوروبي إلى التراث المسيحي لأوروبا. وقال البابا خلال صلاة الأحد في مقره الصيفي بكاستيل غاندولفو على مسافة ثلاثين كيلو متر جنوب شرق روما"إن الكنيسة على قناعة بأن إنجيل المسيح الذي شكل عنصر لحمة بين الشعوب الأوروبية على مدى قرون، ما زال في يومنا هذا مصدر قيم روحية وأخوة لا ينضب".وأضاف أن الإقرار بذلك هو مكسب للجميع وأن اعترافا صريحا في المعاهدة (دستور الاتحاد الأوروبي) بجذور أوروبا المسيحية يصبح الضمانة الرئيسية لمستقبل القارة. وكان البابا قد دعا لتعديل مقدمة الدستور الأوروبي في أكثر من مناسبة بما لا يغفل الناحية الدينية للمسيحية
هكذا دسوا فينا العلمانية وبعد أن اطمأنوا إلى ما قامت به من تصفية دمائنا أعلنوها دينية: في الولايات المتحدة ، وأعلنوها دينية في الاتحاد الأوربي ، ومهدوا لذلك بأن أعلنوها دينية في الكيان الصهيوني
وإذا كان هذا التدين المفاجئ الزائف المكون من أخلاط من الأديان البدائية الفطرية - حسب تعبير شبنجلر ص 224- والذي يأتي في دور المدنية المتأخرة من أدوار الحضارة ظاهرة انحلال فيها حسب ما ذهب إليه فإنه يضيف إليه ظواهر أخرى تنبت أيضا في دور خريف الحضارة أو شتائها .
(2) إذ يتوقع اشبنجلر نهاية الحضارة الغربية من حيث ما وصلت إليه من سيادة الروح العلمية التي هي بطبعها لا تتفق مع روح الحضارة ، فروح الحضارة كروح الفنان سواء بسواء هي شيء يريد أن يتحقق ، أما الروح العلمية المنطقية المجردة من الإحساس فظاهرة متأخرة محدودة الأفق مؤقتة تنتسب إلى الأدوار الأخيرة الناضجة جدا في حضارة من الحضارات ص 86 ، وهو يقصد بكونها تنتسب إلى الأدوار الأخيرة الناضجة أنها تنتسب إلى دور الانحلال
(3) ويتوقع اشبنجلر نهاية هذه الحضارة من حيث حولت الوسائل إلى غايات
وقد تحقق ذلك فيما سماه مأساة سيادة العقل ، وهو يقصد بذلك البحث العقلي الدائم عن العلية أو السببيية ، إذ أن إدمان ذلك في سلسلة الأسباب يترتب عليه في المجرى الوسط أن يصبح كل سبب نتيجة ، وكل نتيجة سببا ، ثم يترتب عليه أن يصبح كل غاية وسيلة وكل وسيلة غاية ، ومن ثم تتحول الوسائل إلى غايات ص 287 ولعل أعنف صورة لهذا النوع من المآسي تلك التي نجدها في ميدان الاقتصاد .
ففي ميدان الاقتصاد تحول النقد المفترض كونه وسيلة إلى غاية ، ص 288 ، وبسيطرة النقد أصبحت الملكية ثروة تقدر بكمها لا بكيفها ، وليست مجموعة خيرات بل استثمارا لخيرات ، وتحول السوق القديم الذي كان في الريف مركز حياة إلى سوق مالي في المدينة يسكن فيه النقد ، وتتبادل فيه الأموال بطريقة تجريدية بواسطة الأوراق المالية ، وبعد أن كان التاجر وسيطا فحسب يصبح سيد الحياة الاقتصادية كلها ، ولما كان في الواقع مغتصبا للإنتاج لا صاحبه الأصيل نرى اعتماده في نجاحه الاقتصادي يقوم كله على المداهنة والمكر وتلفيق الأكاذيب ونشر الإشاعات ، ثم يرتفع النقد إلى مرتبة السيادة المطلقة حينما تنشأ المدينة العالمية ويصبح الاقتصاد اقتصادا عالميا يسوده النقد ، وبعد أن كان الإنسان ثريا لأنه قوي ، يصبح قويا لأنه ثري بالنقد 293 ، والشاهد في هذا التطور بوجه عام أن النقد بعد أن كان وسيلة لغاية هي الخيرات أصبح هو نفسه الغاية بل وغاية الغايات التي تقاس بها كل قيمة .
(4) ومثل هذا التطور نراه في شيء آخر هو الآلة ، التي كانت وسيلة - بل اسمها لا يدل على شيء آخر غير هذا - فأصبحت غاية استعبدت القوى الروحية التي أبدعتها
وللعجب فقد كان هذا التطور خاصا بالإنسان ، ذلك أن أسلحة الحيوانات المفترسة كلها أسلحة طبيعية أما قبضة يد الإنسان المسلحة بأداة ركبتها واختارتها فليست طبيعية بل صناعية ، ومن هنا بدأت بوادر التعارض بين الصناعة والطبيعة ، وبين سيطرة الإنسان وسيطرة الطبيعة ، وكل صناعة في الواقع قد قصد بها إلى تحدي الطبيعة ، وكان لابد من الكفاح مع الطبيعة ، وقد كان هذا الكفاح في الحضارة اليونانية من أجل التأمل { وكان في الحضارة العربية من أجل استخدام ما سخره الله أصلا للإنسان - وهذا ما لم يفهمه اشبنجلر بخصوص هذه الحضارة } وكان في الحضارة الغربية من أجل إخضاع الطبيعة للإرادة الإنسانية ، وهذا ما لم يحدث في حضارة من قبل سواء على مستوى الأمل أو على مستوى الإنجاز الفعلي ،