فهرس الكتاب

الصفحة 881 من 1942

وهذه في رأينا هي النتيجة البائسة التي سوف تلاقيها بعض صورالحضارة الغربية التي تحاول الانزراع ببعض قيمها السلبية في جسم الحضارة الإسلامية عندما تحاول الاستخفاف ببعض المقدسات الإسلامية ليتحول - على سبيل المثال - إلى رفض لمجموع الحضارة الغربية في كل صورها ، ، كما أنها هي النتيجة المؤسفة التي أخذت تلاقيها عندما تحاول زرع قشرة حضارية استهلاكية - في بعض مشيخات الخليج مثلا - بينما الباطن ما يزال يرزح تحت تقاليد قبلية موروثة مما قبل ظهور الحضارة أصلا ، كما أنها هي النتيجة المؤسفة عندما أخذت تحاول زرع مبدأ تداول السلطة عن طريق الانتخاب بينما الباطن ما يزال متخما بتقاليد الوراثة القبلية والفرعونية والملكية فإذا به يلوي ذراع"الجمهورية"المستوردة لتصبح وراثية تحت أعين"المتفرجين".

ويؤكد اشبنجلر تباين المفاهيم الأولية في تصور كل من حضارة وأخرى: في الفن والتصوير والألوان ، والموسيقى وآلاتها ، و المباني وهندساتها، والطبيعة والفيزياء والكيمياء والعناصر ، والدين والألوهية والتوحيد والتسليم والإيمان ، والإلحاد ، والروح والنفس ، والذات والجسم والأخلاق والفضيلة والقيم ، والإرادة ، والفلسفة والميتافيزيقا ، ومصطلحاتها كالهيولى والصورة والجوهر والزمان والمكان والكتلة والحرارة والعلم ص 185 ( فليس العلم حقائق خالدة لا تتأثر بطبيعة واضعيها والحضارة التي نشأوا فيها ، فإنما العلم كالدين سواء بسواء ، يقوم على عقيدة آمن بها العلماء إيمانا ، لأنها صادرة عن روح الحياة التي يحيون فيها . إن كل علم يقوم على يقين باطن ، وكل الاعتراضات التي وجهتها العلوم الطبيعية ضد الدين تصيب هذه العلوم نفسها ) وإذا كان كل دين يقوم على عقيدة معينة فكذلك كل فيزياء تقوم على عقيدة فيها تعبير عن الرمز الأولي للحضارة التي صدرت عنها هذه الفيزياء ، فالفيزياء الغربية تقوم كلها على عقيدة واحدة هي القوة ، والقوة في الفيزياء الغربية كمية أسطورية لم تصدر عن التجربة العلمية ، وفرضتها فرضا ، فليس في غير هذه الفيزياء - أي الغربية - يتم التعبير بالعَرض بعد إزاحة الجوهر ، حيث نجد القوة المغناطيسية في المجال المغناطيسي تحل محل حجر المغناطيس ، وأن طاقة الإشعاع تحل محل الأجسام المشعة ، وأن كل الظواهر الفزيائية والحيوية هي صورة من الحركة قابلة للتحول بعضها إلى بعض ، وفي كل هذه التحولات تظل كمية العمل الميكانيكي ثابتة إلخ ص 210 -212- 220

فتاريخ كل حضارة إذن كتاريخ الإنسان أو الحيوان أو الشجرة سواء بسواء ، والثغرة التي يدخل منها ما يسمى التاريخ العام ينحصر في ترجمة حياة هذه الحضارات ، من حيث دورات الحياة المتشابهة التي تمر بها كل منها - كما يمر الأفراد - بين دورات خاصة بالطفولة والشباب والشيخوخة أو بالربيع والصيف والخريف والشتاء .

فللحضارات جميعا دورات تسير عليها ، فإذا استطعنا أن نعينها بالنسبة إلى واحدة استطعنا أن نعينها بالنسبة إلى بقية الحضارات ، كما يكون من المتيسر أيضا أن نتنبأ بما سيجري للحضارة الموجودة الآن على الأرض وهي الحضارة الأوربية الأمريكية

ويحدد اشبنجلر مراحل هذه الدورات أو هذا السياق الذي من خلاله يحكم بانحلال هذه الحضارة

إذ يمتد هذا السياق من المرحلة الأولى في اللحظة التي تستيقظ فيها روح كبيرة تنفصل عن الحالة الروحية الأولية للطفولة الإنسانية ، ثم تنمو في تربة بيئة تظل مرتبطة بها ارتباط النبتة بالأرض التي تنمو فيها ، ثم تموت حينما تكون الروح قد حققت جميع ما بها من إمكانات: على هيئة شعوب ، ولغات ، ومذاهب دينية ، وفنون ، ودول وعلوم ، ومن ثم تعود إلى الحالة"الروحية الأولية الفطرية"ص 102

وتصل الحضارة إلى مرحلة الانحلال عندما تفقد قواها الحيوية ، إما باختناقها تحت تأثير روح أخرى أقوى منها وأخصب ، وإما لأنها بلغت غايتها وحققت صورتها النهائية ، ولم يعد في استطاعتها أن تعلو على الحد الذي وصلت إليه ، بأن حققت في الخارج كل ما تحتوي عليه من إمكانات باطنة ، عندئذ ينضب دمها ، وتتحطم قواها ، ويتحجر كيانها ، فتصبح"مدنية"بعد أن كانت"حضارة". ولكن هذا لا يعني فناءها نهائيا ، بل تظل قادرة على البقاء ربما لقرون ، كما تبقى الشجرة التي استنفدت عصارتها سنوات طوالا ، تظل تمد فيها أغصانها التي أصبحت فريسة للسوس ، أو كما يبقى الشيخ في أخريات أيامه غير قادر على الإنجاب أو العطاء . ص 103

وإذا كانت الحضارة ككائن عضوي تمر بدورات: الطفولة والشباب والنضج والشيخوخة ، فيمكن القول بأنها باعتبارها كائنا زمنيا تمر بأطوار الربيع والصيف والخريف والشتاء ، ولكل دور من هذه الأدوار من الخصائص ما للفصول السنوية التي تناظرها من خصائص ، أو ما لأدوار حياة الإنسان المناظرة لها من خصائص ، فالحضارة الغربية ( الأوربية الأمريكية ) بدت في أول أمرها في فجر العصر الروماني القوطي حوالي سنة 900 م طفلة لم تشعر بعد بقواها ، ولكنها كانت تؤذن بنمو فذ سريع ، فزكت وترعرعت ، وهكذا رفت عليها روح الربيع ، فأشاعت فيها قشعريرة"الإبداع"والحياة المليئة ، وأصبح كل شيء يوحي بميلاد روح جديدة ، ص 104 وكلما نمت واقتربت شيئا فشيئا من صيفها تحددت ملامحها ، واستقرت خصائصها التي تعبر عنها ، فإذا ما وصلت إلى قمة تطورها وحققت كل ما فيها من إمكانات واستنفدت قواها الخالقة بدأت تدخل دور شيخوختها وانتقلت من حالة"الحضارة"بمعناها الدقيق إلى حالة"المدنية": فينطفئ النور الذي كان متوهجا بها من قبل شيئا فشيئا ، ولا يرسل غير شعاع فيه من القوة الحقيقية أقل مما يدل عليه المظهر ، ثم تشعر روح الحضارة حينئذ بالحنين إلى طفولتها الأولى ، وأخيرا وبعد أن أصبحت منهوكة القوى خالية من العصارة قد نضب منها دم الحياة تفقد الحضارة الرغبة في الوجود 105 فتظهر فيها مشاكل الشك المتزايد في قيمة العلم ، وانحلال الفن ، وتضخم المدينة على حساب الريف ، وهبوط النسل ، ومشكلة الزواج ، والأزمات العنيفة في أوضاع العمال ، والنظم النيابية ، وموقف الفرد بإزاء الدولة ، ومشكلة الملكية إلخ ص 120

ويذهب اشبنجلر إلى أن روح الحضارة في أدوارها الأولى - ربيعها وصيفها - روح دينية وليس في مقدورها أن تكون غير دينية ، وإن كان في إمكانها أن تلهو بالدين عن طريق الفكر ، والإلحاد إنما يأتي كظاهرة مرتبطة بزمان محدود في تطور الحضارة تعبيرا عن عقلية استنفدت كل إمكانياتها الدينية وأصبحت فريسة اللاعضوي ( المادي ) ص 222 وهو يأتي في دور المدنية منذ ابتداء هذا الدور - أي دور المدنية - وينتسب إلى المدن الكبرى ، ولكل حضارة نوعها الخاص من الإلحاد ص 223 ، وثمة ظاهرة دينية أخرى تشاهد في كل الحضارات عندما تمر بنفس المرحلة في سيرورتها الخاصة: هي ظاهرة الإصلاح الديني ، ومعناها رجوع الدين إلى طهارة فكرته الأولى وصفائها ، ، وليس من الضروري أن تنتهي حركة الإصلاح الديني إلى قيام أديان جديدة ، وهي إذن حركة عقلية توجد في دور انتقال"الحضارة"إلى"المدنية"على وجه الخصوص أو قبل ذلك بقليل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت