ولعلنا لا نعدو الحقيقة حين نقرر أن مفهوم (السنة) نفسه قد فقد مكانته في مناهجنا الفكرية والعلمية، وراجت بيننا من ثم مقولة: ( إن على المؤمن في هذه الحياة أن يعمل ، ويخلص النية في عمله ، وليس عليه أن ينظر في النتائج بعد ذلك ، لأن النتائج قدر محتوم من الله عز وجل ، ولا يد للإنسان فيه) .
أي أنه حدث في تصور كثير منا نوع من الفصل بين الأسباب والنتائج.. علمًا بأن هذه النظرة القاصرة إلى المسألة ، تنفي عن الجهد البشري المسؤولية في صنع النتائج ، وتوهم الإنسان في الوقت نفسه ، بأن لديه نوعًا من الحصانة تجاه الأخطاء ، التي يرتكبها مادام قد فعلها عن نية صادقة !
بل إن مثل هذه النظرة لتجعل المرء يعتقد بتميزه عن بقية خلق الله ، مما يوقعه في الخطأ ، الذي وقع فيه أهل الكتاب من قبل ، حين قالوا: (نحن أبناء الله وأحباؤه ) (المائدة: 18) فقد ادعوا لأنفسهم مكانة عند الله ليست لهم ، وحسبوا أنه سبحانه عفا عنهم عفوًا أبديًا ، ظنًا منهم بأن مجرد إيمانهم القلبي ، أو مجرد انتسابهم إلى دين سماوي ، سوف يشفع لهم عند بارئهم ، وهذه هي حال كثير من المسلمين اليوم ! والحق .. أن القضية ليست كذلك أبدًا ، إذ لا استثناء لقوم دون قوم أمام شرعة الله أو سننه ، وهذا ما أشار إليه بوضوح تام حديث النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع حين قال: (يا أيها الناس ، إن ربكم واحد ، وأباكم واحد ، لا فضل لعربي على عجمي ، ولا لعجمي على عربي ، ولا لأسود على أحمر ، ولا لأحمر على أسود إلا بالتقوى ) فالأصل الذي تقوم الأعمال على أساسه هو التقوى ، التي تعني: إخلاص النية ، والأخذ بالأسباب ، أو بالسنن ، التي جعلها الله أبوابًا لا تتم الأعمال الصالحة إلا من خلالها .. فالصلاح في الأعمال لا يكون بمجرد الإخلاص في النية ، بل لابد للعمل أن يوافق سنة من السنن التي فطر الله عليها أمور الخلق ، حتى يكون صالحًا بحق .. فإذا ما جمعنا إلى هذه الحقيقة حقيقة أخرى ، وهي غموض النظر - عند كثير من المسلمين - إلى مسألة السنن ، وعلاقتها بالجهد البشري ، فإننا نكون قد حددنا بعض معالم أزمتنا الحضارية الراهنة:
فمن جهة .. نجد التصور السائد اليوم بين كثير من المسلمين يقوم على الفصل ما بين الأعمال والنتائج ، ومن جهة أخرى نجد أن الأعمال نفسها تقوم على غير هدي من السنن .. علمًا بأن فصل النتيجة عن العمل، أو فصل المسبب عن السبب يناقض الفكر الإسلامي الأصيل.
وقد تناول الإمام العلامة ابن القيّم الجوزية هذه القضية بشيء من التفصيل في كتابه الأشهر (زاد المعاد) عندما كان يبحث في الأحاديث النبوية التي تحض على التداوي من المرض ، فقال رحمة الله عليه: (..فقد تضمنت هذه الأحاديث الأمر بالتداوي ، وأنه لا ينافي التوكل ، كما لا ينافي دفع داء الجوع والعطش والحر والبرد بأضدادها ، بل لا تتم حقيقة التوحيد إلا بمباشرة الأسباب ، التي نصبها الله مقتضيات لمسبباتها قدرًا وشرعًا ، وإن تعطيلها يقدح في نفس التوكل ، كما يقدح في الأمر والحكمة ، ويضعفه من حيث يظن أن تركها أقوى في التوكل ، فإن تركها عجز ينافي التوكل ، الذي حقيقته اعتماد القلب على الله ، في حصول ما ينفع العبد في دينه ودنياه ، ودفع ما يضره في دينه ودنياه ، ولابد مع هذا الاعتماد من مباشرة الأسباب ، وإلا كان معطلًا للحكمة والشرع ، فلا يجعل العبد عجزه توكلًا ، ولا توكله عجزًا ) أ هـ .. صحيح أن النتائج قدر من قدر الله عز وجل ، إلا أن مشيئته سبحانه قد اقتضت ارتباط النتائج بأسبابها ، وهذا الارتباط أيضًا قدر من قدر الله عز وجل ، نجد مصداق هذا في قوله تعالى: (وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ) (الأنفال:17 ) فقد أثبت الرمي له ، وهو السبب واحتفظ لنفسه سبحانه بالنتيجة ، لكي يلفت العقل البشري إلى طلاقة القدرة الإلهية ، لكن هذا لا يعني حصول النتيجة من غير رمي .. بل إن الرمي ، ونتيجة الرمي ، وارتباط النتيجة بالرمي .. كل أولئك قدر من قدر الله سبحانه.
وحين يستيقن العقل البشري هذه الحقيقة ، ويتعمق في فهم سنن الله في الخلق ، يصبح أقدر على فهم العالم ، الذي يعيش فيه ، كما يصبح أقدر على تسخير الكون في صالحه ، وإن من يراقب الأوضاع المختلفة في أرجاء العالم ، يدرك دونما عناء كبير ، السبب الحقيقي ، الذي جعل الدول المتطورة في مركز السيطرة على مقدرات الشعوب الأخرى ، هذه السيطرة التي يظن معظمنا أنها ترجع إلى امتلاك تلك الدول قوى عسكرية ضاربة ، وموارد اقتصادية غنية .. وهو ظن مبني على فهم خاطئ للتاريخ والواقع، إذ كيف استطاعت تلك الدول أصلًا، أن تحصل على تلك القوى ، التي بين أيديها ؟ أبالقوة وحدها ، أم أن للعلم دورًا في هذه القضية؟ ألم تكن الولايات المتحدة الأمريكية مثلًا قبل قرنين من الزمان مجموعة من المستعمرات الإنجليزية المتناثرة؟ فأين هي اليوم؟ ألم تصبح إحدى أكبر قوتين في العالم؟
ومثال آخر .. ألم تخرج كل من اليابان وألمانيا من الحرب العالمية الثانية مطحونتين ، لا حول لهما ولا قوة ؟ فأين هما اليوم؟ ألم تصبحا في طليعة الدول القوية ، التي بات العالم كله يحسب حسابهما مع أنهما منزوعتا السلاح؟
فالسر إذن ليس في امتلاك القوة العسكرية ، أو الاقتصادية ، أو غيرهما، (مع إيماننا بضرورة العمل على امتلاك مثل هذه القوى) ، وإنما يكمن السر ابتداء في القدرة على تسخير القوى المتاحة ، فعلينا أن نتصرف في حدود ما نملك فعلًا ، لا أن نحلم بما هو خارج عن أيدينا ، لأن مثل هذه الأحلام لا تثمر في النهاية إلاّ الحسرة والندامة!
وحين نتصرف فيما نملك وفق السنن ، التي فطر الله عليها أمور الخلق ، فإننا بهذا نستثمر الطاقات المتاحة على أحسن وجه ، وإن لنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة ، فقد كانت سيرته العطرة حافلة بالشواهد الناصعة على أخذه بالأسباب ، وتجنيده للطاقات البشرية والمادية والمعنوية خير تجنيد ، مما كان له تأثير كبير في إغناء الجهاد النبوي ، الذي أثمر في غضون سنوات قليلة ، ما لم تثمر مثله محاولات بشرية أخرى ، استغرقت مئات السنين .