فهرس الكتاب

الصفحة 1562 من 1942

رأى (صلى الله عليه وسلم) رجلًا يرتعد أمامه تعظيمًا وخوفًا فقال له: هوّن عليك فإنما أنا ابن امرأة كانت تأكل القديد وتمشي في الأسواق!

وكان يقول لأصحابه: لا تقوموا لي كما تقوم الأعاجم لأكاسرتها! وعندما خرج لتشبيع ابنه الصغير إبراهيم .. حدث وأن تعرّضت الشمس لكسوف جزئي فقال بعض المشيعين: إنها كسفت لموت إبراهيم .. فردّ رسول الله: إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا تنكسفان، ولا تنخسفان لموت أحد من الناس ..

وعندما دخل مكة فاتحًا .. وهو حلمه الكبير الذي انتظره السنوات الطوال، دخلها وهو يطأطئ رأسه حتى مسّت لحيته الشريفة ظهر ناقته القصواء شكرًا لله سبحانه، وعرفانًا بالنصر الذي منحه إياه ..

نقارن هذا بصورة نابليون بونابرت المعلّقة على جدران اللوفر في باريس، لحظة دخوله برلين فاتحًا بعد معركة (ينّا) ضد الألمان عام 1807م .. كان منتفخ الأوداج .. مصعّر الخدّ .. دافعًا بصدره إلى الأمام غرورًا واستكبارًا ..

فأين هو ادّعاء القدسية يا أدعياء البحث العلمي في التاريخ ؟!

فماذا عن موقف"مؤرّخينا"من مسألة القدسية المزعومة هذه؟

مع اعترافنا المحتوم بحشود الأخطاء التي وقع فيها معظمهم، مبالغة أو تحزّبًا أو تحريفًا أو قبولًا للأكاذيب، مما دفع مؤرّخًا كابن خلدون إلى وضع (مقدمته) المعروفة لصياغة معايير منهجية من أجل حصر وتجاوز هذه الأخطاء في التعامل مع المرويات التاريخية .. رغم هذا، فإن معظم هؤلاء المؤرخين حكوا عن الأسود والأبيض في سير الخلفاء وغير الخلفاء .. والتقديس الذي أحاط به بعض الخلفاء أنفسهم، لم يمنع العديد من المؤرخين من سرد الحقائق كما هي حتى وإن كشفت عن عيب أو نقيصة في هذا الخليفة أو ذاك .. بل إن مؤرخًا كبيرًا كالطبري رفض قبول أي هدية من السلطة من أجل ألاّ يكون ذلك على حساب تحرّره من أي ضغط، وقدرته على سرد الحقيقة كما هي دون زيادة أو نقصان.

وثمة فرق كبير بين اعتبار الخليفة محورًا أساسيًا تتمحور عنده الرواية التاريخية بسبب من دوره الأساسي في صناعة الحدث التاريخي، وبين إحاطته بالقدسية التي تخرجه بالكلية عن دائرة النقد والتقويم، وتحيطه بالهالة التي يخدع بها عامة المسلمين، والتي تجعل المؤرخ أو دارس التاريخ الإسلامي لا يستطيع أن يتناسى هذه القدسية التي أُضفيت على الخلفاء وغير الخلفاء، ولا يستطيع أن يجرّدهم من الهالة الدينية التي زادها مرور الزمن شدة وقوة! كما يزعم خصوم هذه الأمة!

وبمقدور أي قارئ عادي، فضلًا عن الدارس المتخصّص، أن يرجع إلى أي من مصادرنا التاريخية: ( المسعودي في مروج الذهب، أو الطبري في تاريخ الرسل والملوك، أو الدينوري في الأخبار الطوال، أو ابن الأثير في الكامل، أو ابن كثير في البداية والنهاية .. وغيرهم) لكي يرى بأم عينيه حشودًا من الروايات التي تمدح هذا الخليفة أو ذاك، وحشودًا أخرى تقدح فيه، وتنشر مثالبه أمام الأجيال! وهو أمر قد لا يحتاج بأكثر من إلقاء نظرة عجلى على معطيات تلك المصادر.

وثمة ما يجب أن نقف عنده لحظات ها هنا، ذلك أن تراث الأجداد في ميدان البحث التاريخي لا يقتصر على نمط واحد فحسب هو التاريخ السياسي العام، كالذي أنجزه المؤرخون الذين أشرنا إليهم، لكي نبني عليه حكمًا عامًا ينطوي على كونه تاريخًا للفئة الحاكمة أولًا، وعملًا يتجاوز النقد ويتحاشى الكشف عن العيوب والأخطاء بسبب من إحاطة أفرادها بالقدسية، من جهة ثانية .. فنحن ـ حتى على فرض التسليم بهاتين المقولتين اللتين قد ترتبطان بمصنّفات التاريخ السياسي العام ـ فإن علينا أن ننتبه إلى الأصناف الأخرى من التآليف في حقل التاريخ والحضارة الإسلامية. وأوّل ما يلفت النظر في هذا السياق، ذلك الصنف المعروف"بكتب التراجم"، والتي تمثل الصنف الأكثر كثافة وازدحامًا في المكتبة التاريخية الإسلامية؛ إذ تكاد تغطي نسبة سبعين إلى ثمانين بالمائة من رفوف هذه المكتبة.

وكتب التراجم هذه، بمساحتها الواسعة تلك، لا تتعامل -إلاّ في حالات محدودة- مع الفئة الحاكمة، وتقف عندها، ولكنها تمضي إلى قلب المجتمع، إلى كل أولئك الذين أغنوا الحياة الفكرية والثقافية في تاريخ الأمة المسلمة، علماء وفقهاء ونحاة وأطباء وقضاة ولغويين ومحدّثين وشعراء ومعماريين ومهندسين وفلاسفة وفلكيين ومفسّرين وجغرافيين ومؤرخين .. إلى آخره .. بصرف النظر عن قربهم أو بعدهم عن السلطة .. وبالتالي بصرف النظر عن كل محاولات القداسة التي يدّعي الباحثون إياهم أن رجالات السلطة قد أحاطوا أنفسهم بها، فصدّوا البحث التاريخي بالتالي، عن أن يمضي قدمًا للكشف عن الحقائق بشكل موضوعي غير متحيّز.

إننا، في دائرة كتب التراجم هذه، نلتقي بمئات، بل بألوف الناس الذين جاؤوا من قاع المجتمع حينًا، ومن طبقاته الوسطى حينًا آخر، والذين ما كانت لهم أيما علاقة مباشرة أو غير مباشرة بمراكز الحكم والسلطان، ومن ثم فإن بمقدور الباحث في العصر الحديث أن يجد أمامه واحدة من أوسع الشرائح في مجموعة المصادر التاريخية بعدًا عن ادّعاءات التأثيرات الخاصة بقدسية الحكام!

فإذا أضفنا إلى كتب التراجم، الأنماط الأخرى التي تغذّي البحث التاريخي، والتي لا ترتبط هي الأخرى بمراكز الحكم والسلطان، من مثل كتب الجغرافيا والرحلات، والتاريخ المحلّي، وتواريخ المدن والأقاليم، وكتب الخطط، ومصادر التاريخ الأدبي، والمصنفات الموسوعية .. إلى آخره .. أدركنا كم أن القياس على مصادر التاريخ السياسي العام وحدها يتضمن قدرًا من التعميم الخاطئ الذي هو نقيض المطالب المنهجية. هذا رغم أنه ـ مما يتناقض مع هذه المطالب كذلك ـ اعتبار مصادر التاريخ السياسي العام انعكاسًا لحالة التقديس ـ المبالغ فيها ـ والتي قال الأدعياء بأن الخلفاء والحكام أحاطوا بها أنفسهم، فصدّوا المؤرخين عن إنجاز أعمال تتسم بالدقة والموضوعية كما خُيّل إليهم ..

ثمة ما يرتبط بما ذكرناه لدى قساوسة الاستشراق وحاخامات التفسير المادي للتاريخ وأنصاف الملاحدة من العلمانيين .. وكلهم من خصوم هذه الأمة وعقيدتها وتاريخها، رغم أن بعضهم من المحسوبين على الجغرافيا الإسلامية ويحملون في دفاتر نفوسهم أسماء إسلامية!!

إنهم يخلطون بين الخلفاء الراشدين ومن تبعهم بإحسان، وبين غيرهم من سلاطين المسلمين وخلفائهم وحكامهم .. ثم هم يخلطون هؤلاء جميعًا بأباطرة النصرانية وملوكها وباباواتها في القرون الوسطى؛ إذ لا اعتراض ولا نقد؛ لأن الاعتراض يعني الكفر،

والنقد يعني الهرطقة .. وصكوك الغفران تمضي بهؤلاء وهؤلاء إلى حافات الذّل والعذاب في الحياة الدنيا، وتدمغهم بالطرد من الجنة في الآخرة .. ثم هم يمضون خطوة أخرى فيعلنون أن أوروبا قدرت على فصل الدين عن السياسة في نهاية الأمر، فحرّرت السلطة هناك من القداسة، ومكنّت المؤرخين ـ بالتالي ـ من أن يكتبوا تاريخًا أشد دقة وإحكامًا، بينما عجز الشرق الإسلامي عن تحقيق هذا الفصل فامتلأ تاريخه بالتزوير والتحوير! وأصبح من ثم بحاجة-بعد إذ تحقق الفصل الموعود- إلى أن يُكتب من جديد!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت