فهرس الكتاب

الصفحة 1561 من 1942

والحق أن هذه المقولة قد لا تعني شيئًا على الإطلاق إن لم تُضبط وتُحدّد تحديدًا

دقيقًا، ومن ثم فإن إطلاقها على عواهنها قد يكون نوعًا من التعميم الذي هو نقيض البحث العلمي الجاد.

فإذا أُريد بالقدسية: العصمة أو التنزيه عن الخطأ والنقد والاعتراض ـ وهذا هو الراجح ـ فإن الشخصيات الإسلامية، بما فيها الخلفاء، كانت تجتهد رأيها فتصيب وتخطئ. وكلنا يذكر عبارة مالك بن أنس (رحمه الله) :"كل بني آدم يُؤخذ منه ويردّ عليه إلاّ صاحب هذا القبر"ويعني النبيّ المعصوم عليه أفضل الصلاة والسلام. بل إن الخلفاء الراشدين (رضي الله عنهم) قالوها مرارًا وأعلنوها تكرارًا: إنهم جاؤوا لكي ينفذوا أمر الله، ويلتزموا شريعته المتضمنة في كتاب الله وسنة رسوله ( صلى الله عليه وسلم ) فإن أصابوا فبها، وإن أخطؤوا فإن من حق الأمة التي ارتضتهم أن تقوّمهم وتردّهم إلى الطريق.

وكلّنا يذكر خطبة أبي بكر الصديق (رضي الله عنه) التي استهلّ بها خلافته"أيها الناس، إني قد وُليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأطيعوني، وإن أسأت فقوّموني .. أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم ..".. ويذكر خطبة عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) :"ولست أدع أحدًا يظلم أحدًا حتى أضع خدّه على الأرض، ثم أضع قدمي على الخدّ الآخر. ثم إني أضع خدّي على الأرض لأهل العفاف وأهل الكفاف".

ويذكر غير هذا وذاك الكثير من الوقائع في هذا الاتجاه. قال حذيفة بن اليمان: دخلت على عمر بن الخطاب ـ يومًا ـ فرأيته مهمومًا حزينًا فقلت له: ما يهمك يا أمير المؤمنين؟ قال: إني أخاف أن أقع في منكر فلا ينهاني أحد منكم تعظيمًا. فقلت: والله لو رأيناك خرجت عن الحق لنهيناك!! ففرح عمر وقال: الحمد لله الذي جعل لي أصحابًا يقوّمونني إذا اعوججت!

ويومًا صعد على المنبر وقال: يا معشر المسلمين ماذا تقولون لو ملْتُ برأسي إلى الدنيا كذا؟ فقام إليه رجل فقال: أجل .. كنا نقول بالسيف كذا (وأشار بالقطع) . فقال عمر: إياي تعني بقولك؟ أجاب الرجل: نعم إياك أعني بقولي. فقال عمر: رحمك الله! الحمد لله الذي جعل في رعيّتي من إذا تعوّجت قوّمني!

وعن الحسن بن علي (رضي الله عنهما) قال: كان بين عمر بن الخطاب وبين رجل كلام في شيء، فقال له الرجل: اتّق الله. فقال رجل من القوم: أتقول لأمير المؤمنين اتق الله؟ قال عمر: دعه، فليقلها لي، نِعْم ما قال. لا خير فيكم إذا لم تقولوها، ولا خير فينا إذا لم نقبلها!

ويومًا نادى: الصلاة جامعة .. فلما اجتمع المسلمون صعد المنبر وقال: أيها المسلمون، لقد تذكرتني وأنا أرعى لخالات لي من بني مخزوم فيقبّضنني القبضة من التمر أو الزبيب. ثم نزل. فقال له عبد الرحمن بن عوف: ماذا أردت بهذا يا أمير المؤمنين؟ فأجاب: ويحك يا ابن عوف ، لقد خلوت إلى نفسي فقالت لي: أنت أمير المؤمنين، وليس بينك وبين الله أحد؛ فأنت أعلى الناس، فأردت أن أعرّفها قدرها!

وعثمان بن عفان ( رضي الله عنه ) وقف ـ فيما يحدثنا الطبري في تاريخه ـ يدافع عن نفسه أمام جموع الثائرين، ويدلي بحججه واحدة تلو أخرى وهم يثنّون عليها، وأبى أن تُسفك من أجله قطرة دم واحدة ، فضلًا عن أن يحتمي ـ وحاشاه ـ بقدسية مزعومة تضع بين خلفاء رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وبين جماهير أمتّهم سدًّا ، وتدمّر حقهم في الاعتراض.

وعلي بن أبي طالب (رضي الله عنه) وقف متهمًا جنبًا إلى جنب مع المدّعي

عليه، وهو أمير المؤمنين، والمدّعي يهودي من غير أبناء الأمة المتفوّقة .. يقف قبالة القاضي لكي يدفع التهمة عن نفسه.

وعمر بن عبد العزيز (رحمه الله) يعلن عن جائزة قدرها ثلاثمائة دينار لكل

من يقطع الطريق الطويل، ويجيء إلى دمشق ـ قاعدة الخلافة ـ لكي يقول هناك كلمة

(الحق) في مواجهة أمير المؤمنين!

تجاوز الخلفاء الراشدون (رضي الله عنهم) ما يسمى بالديمقراطية التي عرفها الغرب والتي كانت في كثير من الأحيان لا تعبّر سوى عن مصالح شرائح محدّدة من

المجتمع .. تجاوزوها إلى نوع مركّب من الديموقراطية (إذا استخدمنا تعبير مالك بن نبي رحمه الله) .. فكانوا يطلبون من جماهير أمتهم أن تنقدهم وتقوّمهم، ويحضّونها على ذلك، ويربّونها عليه.

بل إن الراشدين يمضون إلى ما هو أبعد من هذا، فيقاتلون شبح الافتتان في أنفسهم وعند الآخرين .. والافتتان وجه من وجوه القداسة، ومقاتلته تعني إشهار الحرب ضد القداسة الموهومة التي لا تقوم على أساس، والتي تقترب بالناس ـ أحيانًا ـ من حافات الصنمية التي جاء الإسلام ثورة حاسمة لاستئصالها من الضمائر والنفوس.

لقد عزل عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) قائده الفذّ خالد بن الوليد خشية افتتان الناس به بسبب من انتصاراته العجيبة فيما تذهب إليه أرجح الروايات.

وهو يلاحق جذور الافتتان في أعماق نفسه من أجل أن يستأصلها، وهو من أجل ذلك يمارس نوعًا من تعرية الذات في مواجهة (الآخر) كي يحقق هدفه بأكبر قدر من الدفع والتكشّف، فيما مرّ بنا قبل قليل.

والمواقف كثيرة مزدحمة، والراشدون يمنحون تاريخ البشرية غنى عجيبًا في دائرة حرية التعبير، والنقد، والمعارضة. وغير الراشدين ممن ساروا على هديهم، واقتفوا خطواتهم حكامًا وخلفاء وأمراء، قدّموا مثلًا عمليًا على إسقاط مفهوم القداسة بمعنى التنزّه عن النقد والمعارضة والإدانة .. وبمعنى الافتتان بالذات، والارتفاع فوق رؤوس الناس، وتدمير تحرّرهم الوجداني الذي هو قاعدة شهادة (لا إله إلا الله) كما يفهمها المسلمون بعفوية وصدق بالغين!

وإننا لنذكر ها هنا ـ فضلًا عما أوردناه ـ ما فعله السلطان المجاهد نور الدين محمود ( 541-569 هـ ) في أعقاب انتصار من انتصاراته الحاسمة ضد الصليبيين عند قلعة حارم في شمالي الشام عام 559 هـ؛ إذ يتقدّم منه قاضي قضاته الشيخ النيسابوري ويقول له: لولا بلاؤك ما تحقّق لنا النصر! فماذا يكون الجواب؟:"مَنْ نور الدين محمود الكلب"

حتى تقول له هذا؟ قبلي من حفظ الإسلام وبعدي من سيحفظه، ذلك هو الله الذي لا إله إلاّ هو !!"."

وفي فترات زمنية سابقة كان الخليفة العباسي قد اعتقل مالك بن أنس وأبا حنيفة النعمان (رحمهما الله) لأنهما أصدرا فتوى بشرعية إحدى الثورات ضده!! وضرب خليفة عباسي آخر الإمام أحمد بن حنبل بالسياط؛ لأنه رفض الاعتراف بالمذهب الاعتزالي

الذي أعلنته الدولة مذهبًا رسميًا!! وهؤلاء هم فقهاء الأمة وممثلوها أمام الله .. والسلطان .. والحق .. فلو كان الخليفة العباسي"مقدّسًا"أو"محاطًا بهالة من القدسية"-كما يدّعي العلمانيون والماركسيون ونصارى الاستشراق ويهوده - فكيف يبيح هؤلاء الفقهاء لأنفسهم خرق قدسية تستمدّ مقوّماتها من الدين الذي يعبّرون عنه ويذودون؟

وليس مهمّا أن يدّعي بعض خلفاء بني العباس قدسية ما أنزل الله بها من سلطان، يذودون بها عن سلطتهم .. وليس مهّما ـ أيضًا ـ ادّعاؤهم حق التفويض الإلهي بحكم المسلمين حكما مطلقًا .. ولكن المهم هو موقف الخلفاء الأكثر تمثيلًا لحقيقة هذا الدين إزاء هذه القضية، وقد أشرنا إلى نماذج منه .. كما أن من المهم موقف جماهير الأمة وقادتها من المسألة نفسها، وقد عرضنا لشاهد منه ..

وما لنا ألاّ نرجع إلى الرسول المعلّم نفسه (عليه أفضل الصلاة والسلام) وهو النبيّ المبعوث، لنعاين بعض مواقفه إزاء القدسية المزعومة هذه .. تلك المواقف التي تصفع مقولات كذَبَة العصر الحديث ودجّاليه من أعداء هذا الدين ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت