فهرس الكتاب

الصفحة 436 من 1942

تذكر لنا كتب التاريخ أن خلفاء المسلمين كانوا ينشرون خطابات عامة على الشعب يوصونهم بالرفق بالحيوان، ومنع الأذى والإضرار به، يروي ابن عبد الحكم في سيرة الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز أنه نهى عن ركض الفرس إلا لحاجة، وأنه كتب إلى صاحب السكك أن لا يحملوا أحدًا بلجام ثقيل، ولا ينخس بمقرعة في أسفلها حديدة، وكتب إلى واليه بمصر: أنه بلغني أن بمصر إبلًا نقالات يحمل علي البعير منها ألف رطل فإذا أتاك كتابي هذا فلا أعرفن أنه يحمل على البعير أكثر من ستمائة رطل ...

وإنما سميت مدينة الفسطاط في مصر القديمة بذلك لأن فسطاط عمرو بن العاص حين الفتح اتخذت من أعلاه حمامة عشًا لها فلم يشأ عمرو أن يهيجها بتقويضه، فتركه، وتتابع العمران من حوله فكانت مدينة الفسطاط.

وقد كان للحيوان نصيب كبير في المؤسسات الاجتماعية الإسلامية، إذ عرفت الحضارة الإسلامية منذ ابن البيطار (من أطباء القرن السابع الهجري) ، أوقافًا خاصة لتطبيب الحيوانات المريضة، وأوقافًا لرعي الحيوانات المسنة.. ومن أوقاف دمشق كان هناك وقف للقطط تأكل منه وترعى، وتنام فيه!.. حتى إنه كان يجتمع في دارها المخصصة لها مئات القطط السمينة التي كان يقدَّم لها الطعام، وهي مقيمة لا تتحرك!

وإذا كانت الشريعة الإسلامية تحرص على الحيوان في التعامل معه، وإعطائه حقوقه، إلا أنها جاءت أيضًا بقتل الضار منه، وتحريم ما يؤذي الإنسان أكله؛ فقد روى مسلم عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"خَمْسٌ مِنْ الدَّوَابِّ كُلُّهَا فَوَاسِقُ (أي مؤذية) .. تُقْتَلُ فِي الْحَرَمِ: الْغُرَابُ (خصَّ الفقهاء الغراب المؤذي بنعيبه أو غير ذلك) , وَالْحِدَأَةُ, وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ, وَالْعَقْرَبُ, وَالْفَأْرَةُ"

وهذا هو التوازن الذي تسعد به البشرية حقًا .

التعامل مع الحيوان عند غير المسلمين

وبينما كانت الحضارة الإسلامية تنظر للحيوان تلك النظرة الراقية المتوازنة كانت عديد من الأمم غير الإسلامية في العصور القديمة والوسيطة تقرُّ مبدأ مسئولية الحيوان ( أي أنه مسئول ومحاسب على تصرفاته!!) . ولاحظ مؤرخو القانون أن انتشار هذا النظام في الأمم المتحضرة كان أوسع كثيرًا من انتشاره في غيرها. بل إنهم لم يعثروا عليه في صورة مسئولية جنائية بالمعنى الكامل لهذه الكلمة إلا في مجتمعات تعد من أرقى الشعوب حضارة في عرف الناس!!: كقدماء العبريين واليونان والرومان والفرس والأمم الأوروبية الحديثة فيما بين القرن الثالث عشر إلى أوائل القرن التاسع عشر الميلادي.

فلا نجد في تعاليم هذه الحضارات غير الإسلامية.. ما يحمل على الرفق بالحيوان، أو وجوب الرحمة به، ومن ثم فلا نجد له حقوقًا على صاحبه من نفقة ورعاية.. وليس أدل على ذلك مما يرد في شرائع اليهود (المحرفة) من وجوب"رجم الثور!!"إذا نطح رجلًا فقتله. فقد أقرت أسفار اليهود المقدسة مسئولية الحيوان وعقابه في حالتين، تتعلق إحداهما بتسبب الحيوان في قتل إنسان، فقد نص سفر الخروج على أنه:"إذا نطح ثور رجلا أو امرأة، وأفضى ذلك إلى موت النطيح، وجب رجم الثور، وحرم أكل لحمه" (سفر الخروج إصحاح 21) وهذا النص صريح في اعتبار الثور أهلًا لاحتمال المسئولية الجنائية، وفي اعتبار رجمه جزاءً بالمعنى القانوني الدقيق لكلمة الجزاء، وقد تولدت مسئوليته تلك من جرم أحدثه ووقعت نتائجه عليه وحده .

بل وُجدت محاكمات خاصة للحيوانات في شرائع اليونان القديمة، ذكر فيها أفلاطون في (القوانين) أنه إذا قتل حيوان إنسانًا كان لأسرة القتيل الحق في إقامة دعوى على الحيوان أمام القضاء!!!، وفي حالة ثبوت الجريمة على الحيوان، يجب قتله قصاصًا!!، وبلغ الأمر عند قدماء الفرس غاية الحماقة والعجب!، إذ ورد في أسفار الأبستاق (أو الأفستا: وهي مجموعة الكتب المقدسة المنسوبة لزرادشت, والتي تقوم عليها الديانة الزرادشتية عند قدماء الفرس) أن الكلب المصاب بالكَلِب (داء الكلب) إذا عض خروفا فقتله، أو إنسانا فجرحه قطعت أذنه اليمنى!! فإن تكرر منه ذلك قطعت أذنه اليسرى، وفي المرة الثالثة تقطع رجله اليمنى، وفي الرابعة رجله اليسرى، وفي الخامسة يستأصل ذنبه؛ ويعاقب صاحبه كذلك إن كان قد أهمل في اتخاذ ما ينبغي اتخاذه حيال كلبه من احتياط ورقابة. ولا يخفى ما ينطوي عليه هذا القانون، وتلك العقوبات التي يقررها بصورة تراعى فيها سوابق الجاني.. من تسليم بأهلية الحيوان لاحتمال المسئولية الجنائية وما يترتب عليها من جزاء.

وفي القرون الوسطى كانت فرنسا أول أمة أوروبية نصرانية أخذت في القرن الثالث عشر بمبدأ مسئولية الحيوان ومعاقبته بجرمه أمام محاكم منظمة!!، ثم أخذت بذلك"سردينيا"، ثم بلجيكا في أواخر القرن الخامس عشر الميلادي، وفي هولندا وألمانيا وإيطاليا في منتصف القرن السادس عشر الميلادي!!، وظل العمل به قائمًا عند بعض الشعوب حتى القرن التاسع عشر الميلادي!!

كانت محاكم الحيوان عند الأوروبيين تقوم على ادعاء المجني عليه أو النيابة العامة، ثم يتقدم وكلاء الدفاع عن الحيوان المجرم!! وقد تقضي المحكمة بحبس الحيوان احتياطيًا!، ثم يصدر الحكم بعد ذلك، وينفذ على ملأ من الجمهور، كما كان ينفذ على الإنسان. وقد يكون الحكم بإعدام الحيوان رجمًا، أو بقطع رأسه أو بحرقه، أو بقطع بعض أعضائه قبل إعدامه، ولا يظن أحد أن هذه المحاكمات كانت هزلية للتسلية، بل كانت جدية تمامًا، بدليل ما يرد للأسباب الموجبة للحكم على الحيوان من مثل قولهم: (يُحكم بإعدام الحيوان تحقيقًا للعدالة) ، أو (يُقضى عليه بالشنق جزاء لما ارتكبه من جرم وحشي فظيع!!!) . وقد أقرت شريعة الألواح الاثني عشر نفسها Lois des XII Tables (وهي أساس تشريع الرومان في عصورهم التاريخية) أقرَّت مسئولية الحيوان في حالتين: إحداهما: إذا تسبب في إتلاف أو ضرر؛ والثانية: إذا رعى عشبا غير مملوك لصاحبه!!. فقد أوجبت في هاتين الحالتين على المالك أن يسلم حيوانه إلى المجني عليه Abandon noxal، أو يدفع الغرم المقرر إن آثر الاحتفاظ بحيوانه. ولم يقصد المشرع من تسليم الحيوان إلى المجني عليه تحقيق عوض مالي له، وإنما قصد تمكينه من المتسبب في ضرره ليتخذ حياله ما يشاء أو يثأر لنفسه منه على الوجه الذي يراه. و يقرر هذا القانون أن ملكية الحيوان إذا انتقلت بعد ارتكاب الحادث بالبيع أو غيره من يد مالكه الأول فإن الدعوى تقام على مالكه الأخير، لا على المالك الذي وقع الحادث في أثناء ملكيته له. ففي هذا دليل قاطع على أن المسئولية تتجه أولا وبالذات إلى الحيوان نفسه وتتعقبه حيثما يكون!!..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت