فهرس الكتاب

الصفحة 1784 من 1942

وقد يكون من الأمور المهمة، التي تقتضي الإشارة إليها، نحن بسبيل الكلام عن مقومات الإمكان الحضاري الخالد، الذي تحقق للأمة المسلمة، والذي يمنحها القدرة على النهوض، وإعادة البناء، هو عقيدة التوحيد، وثمراتها الإيجابية، في إعادة صياغة الإنسان، وتوحيد وجهته، في العقيدة والعبادة، والولاء والبراء، وتحقيق الانسجام بين نفسه، وروحه، وجسمه، وعقله، وعاطفته، وسائر أشواقه، وتطلعاته، وسموه، وحاجاته، وترقية، خصائصه، وتصعيد غرائزة، ذلك أن التوحيد لم يقتصر على آفاق البحث النظري، في مجال العقيدة، وتوحيد الأسماء والصفات، وإنما أثمر رؤية توحيدية، في كل شُعب الحياة، المعرفية والعملية، ونفي الشرك، وتوحيد الوجهة، في المجال السياسي، والاجتماعي، والاقتصادي، والأخلاقي: (قل إن صلاتي ونسكى ومحياى ومماتى لله رب العالمين ) (الأنعام: 162) .

ولعلنا نقول هنا: إن التوحيد هو الركيزة الأساس، في الإمكان الحضاري، حيث قضى على التثليث، والتجسيد في العقيدة، الذي حاول إخضاع الخالق لسيطرة الإنسان، وخصائصه، وصفاته، وقضى على الثنائية، بين الوحي والعقل، التي كانت سببًا في سقوط الحضارات تاريخيًا، وتشطير الإنسان، وتقطيع أوصاله، وتعدد وجهاته، ومنازعه، ومصادر التلقي عنده.

لقد تخلص إنسان الإسلام، من ثنائية الوحي والعقل، ذلك الخيار الصعب، الذي طُرح تاريخيًا، كثمرة لمقدمات مغلوطة، فلم ير المسلم تناقضًا، بين معارف الوحي، ومدارك العقل، لأن الله، هو مرسل الوحي، وخالق العقل، ومكلفه بتعاليم الوحي، ومخاطبه بمعارفه، ولذلك فلا يمكن أصلًا، تصور أي تناقض.. فالعقل هو سبيل معرفة الوحي، ومحل تكليفه، والوحي، هو سراج الهداية للعقل، والإطار المرجعي، والضابط المنهجي لمعارفه، ولا يمكن ابتداء لأحكام الوحي، أن تناقض العقل السليم، لأنه محل الخطاب والتكليف، كما أسلفنا.. ولو افترضنا أن الصدام والتناقض، حاصل من الناحية النظرية، فلا معني إذًا للتكليف، الذي مناطه العقل، لأن التكليف لايقع إلا في محله.. ولما كان العقل، متأثرًا بالرغبات والنزوات، وواقعًا تحت احتمالات خطأ الحواس المعتمدة، لإيصال المعلومة إلى العقل، كما أنه خاضع للعلم المحدود، والعمر المحدود، والاطلاع النسبي، فلا يمكن له أن يستقل بالنظر، له والحكم. أما الوحي فهو: خطاب الله، العليم، علمًا مطلقًا، منزهًا عن الخطأ والغرض، والمبلغ المبين له هو: الرسول المعصوم صلى الله عليه وسلم، لذلك فالتعارض منتف، بأصل الوضع، أما عند توهم التعارض، أو وجوده، لسبب أو لآخر فإن الوحي المعصوم، مقدم عقلًا، على العقل المظنون.

وجيل خير القرون، ومن تبعهم بإحسان، في فترات التألق، والعطاء الحضاري كلها، لم يعانوا من هذه الإشكالية، التي دمرت إنسان الحضارة الغربية، ووضعته أمام الخيار الصعب، فانتهى، إما إلى إلغاء العقل، وإسقاطه، واعتبار التدين والإيمان، يعني ويقتضي: الإلغاء الكامل للعقل، والتسليم، بدون تعقل، الأمر الذي أدى إلى شيوع الخرافة، والتصورات المشوهة، والانسلاخ من الدين، والقيم الأخلاقية.. وإما إلى نفي الدين، وتأليه العقل، والاكتفاء بعلم ظاهر الحياة الدنيا: (يعلمون ظهرًا من الحياة الدنيا ) (الروم:7) ، وإسقاط معارف الوحي، وتقطيع الإنسان إلى أبعاض.

إن جيل خير القرون، والفترات التاريخية كلها، التي تمتعت بالبناء، والتألق الحضاري، لم تعان من هذه الثنائيات، إلا عندما طغت مفاهيم الحضارة الغربية، وأخذ الناس بأشيائها، ونقلوا فكرها، وفلسفتها، وثقافتها، وهمًا، منهم بأنها قارب النجاة، وسبيل الرقي الحضاري وما زادتهم إلا تبعية وتكريسًا للتخلف، ونوعًا من الفصام الحضاري.

ولعل من مقومات الإمكان الحضاري، الذي يؤهل الأمة المسلمة للشهود الحضاري، أو بعبارة أدق: يؤهلها للشهادة على الناس،والقيادة لهم: هو وجود أنموذج الاقتداء التطبيقي، المعصوم، الذي تم تطبيقه، وبناؤه، على عين الله، صاحب الخطاب الأصلي،وفعل المعصوم صلى الله عليه وسلم لتنزيل القيم، والنص السماوي المطلق، على الواقع النسبي، وتقويم سلوك الناس بها..وهذا الأنموذج الذي امتد بناؤه ثلاثة وعشرين عامًا، أستوعب أسس الحالات، وسبل حلول المشكلات، التي يمكن أن تتعرض لها البشرية، في تاريخها الممتد، حتى قيام الساعة،إنه أنموذج للدعوة والدولة،والضعف والتمكين، والسقوط والنهوض، والهزيمة والنصر..الخ.. أنموذج لكيفية التعامل مع القيم، من خلال الواقع، والتعامل مع الواقع، والارتقاء به، وتقويم سلوكه، بشرع الله، من خلال القيم.. ويبقى المطلوب، في كل مشروع للنهوض والتجاوز: القدرة على استلهام الأنموذج المعصوم، وفقه الحالات المشابهة، ووضع الواقع في موقعه المناسب، من مسيرة بناء الأنموذج، والإفادة من كيفية تعامله مع الحال المشابه، لتسديد المسيرة، وتغذية السير، بعيدًا عن أي تقليد، ومحاكاة للنماذج الرديئة، من أي مصدر جاءت. لذلك جعل الله استلهام الأنموذج المعصوم، دينًا من الدين، قال تعالى: (لقد كان لم في رسول الله أسوة حسنة ) (الأحزاب:21)

ومن الأمور التي لابد من لفت الانتباه إليها، ويمكن اعتبارها من مقومات الإمكان الحضاري أيضًا، في هذا المجال- مجال تميز الأمة المسلمة، بأنموذج الاقتداء التطبيقي المعصوم، لتنزيل القيم على الواقع- هو استمرار حمل الأنموذج، وعدم انقطاعه، في كل المراحل.. صحيح بأن مساحة هذا الأنموذج، قد تتسع، لكنها أبدًا لا تنقطع، ولعل سمة الخلود، التي تعتبر من لوازم الرسالة الخاتمة، تعني فيما تعني، من الناحية النظرية: القدرة على الإنتاج العلمي في كل عصر، وتأكيد ذلك من الناحية العملية التطبيقية، إنما يكون في امتداد الأنموذج، الذي يجسد القيم، ويدلل على قدرتها على الإنتاج، وقابليتها للتطبيق، وإثارة الاقتداء بها.. في ضوء ذلك، يمكن أن نفهم بعض الأبعاد الغائبة، لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (لا تزال طائفة من أمتي قائمين على الحق، لا يضرهم من خالفهم، حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك ) (رواه البخاري ومسلم) .

إنه استمرار لأنموذج الاقتداء، الذي يمنح الدليل العملي، والشاهد الواقعي على الإمكان الحضاري، وقابليات النهوض،وإعادة، البناء،والإقلاع من جديد، ذلك أن الطائفة القائمة على الحق، تمثل بحق ميدانًا تدريبيًا تأصيليًا للمعاني الغائبة، وترجمة القيم إلى واقع وسلوك، والأفكار إلى أفعال.. ولعل امتلاك الأمة المسلمة للقيم، في الكتاب والسنة، التي لا يد للإنسان في وضعها، يمنحها القدرة على اكتشاف أخطائها، وممارسة عمليات التصويب، والنهوض، والتجديد الذاتي، والقضاء على جوانب الانحراف، ونوابت السوء.. يمنحها القدرة، ليس فقط على معايرة الحاضر (الواقع) ، وتحديد مواطن الإصابة، والقصور، ومعرفة أسباب التقصير ورسم سبل الخروج منه، وتقويمه بشرع الله، وإنما تمتلك القدرة أيضًا، على تقويم الماضي (التاريخ) ، وبيان جوانب الانحراف والاستقامة، والخطأ والصواب فيه، التي انتهت بنا إلى ما صرنا إليه.

فالتاريخ، هو في نهاية المطاف، فعل بشري، يجري عليه الخطأ والصواب، وهو محاولة لتنزيل القيم على الواقع.. وهو ليس أمرًا مقدسًا، ولا معصومًا، وهو بذلك ليس مصدرًا لتشريع الأحكام، وإنما هو محل للدرس،والعبرة، والاهتداء إلى السنن الاجتماعية الفاعلة، والتحقق بالوقاية الحضارية، حتى لا يتكرر الخطأ، وتستمر الإصابة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت