فهرس الكتاب
فالأمة المسلمة، ليست أسيرة لتاريخ أو لماضٍ ، اللهم إلا السيرة الصحيحة، التي تمثل أنموذج الاقتداء، المسدد بالوحي، والمؤيد به.. بل لعل السيرة النبوية، تشكل أحد المعايير التطبيقية، لتقويم التاريخ، وبذلك فالأمة المسلمة، قادرة باستمرار، على التجدد الذاتي، والتجديد ، وهذا يعتبر أحد مرتكزات الإمكان الحضاري الكامن في طبيعة الأمة، وقيمها، التي تؤهلها باستمرار، لاستئناف السير، ومعاودة النهوض، ولعل هذا، هو السر الحقيقي في عدم انقراض الأمة المسلمة، وموتها، وعدم خضوعها بإطلاق، للدورات الحضارية، التي جرت على الحضارات التي سادت ثم بادت، على الرغم من خضوعها لسنة التداول الحضاري، قال تعالى: (إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس ) (آل عمران:140) ، ذلك أن خميرة النهوض، تتمثل دائمًا في القيم المستمدة من الوحي (الكتاب والسنة) ، وفي تجسيدها، وتفعيلها في الطائفة الممتدة، القائمة على الحق.
لقد ذهب علماء الحضارات، كثمرة لاستقرائهم التاريخ البشري، وصفحات السقوط والنهوض، إلى أن الحضارة، أية حضارة، تمر بمراحل ثلاث، فقالوا:
إن المرحلة الأولى: هي مرحلة الفكرة، مرحلة الإيمان بالهدف، الذي يملأ على الإنسان نفسه، ويشكل له هاجسًا دائمًا، وقلقًا سويًا، ويدفعه للعطاء غير المتناهي، و التضحية في سبيل ذلك، بكل شيء، بما يمكن أن يعتبر أن من أهم سمات هذه المرحلة: بروز إنسان الواجب، الذي لا يرى إلا ما عليه، ويقبل على فعله بوازع داخلي، بإيمان، واحتساب، دون أن يخامر عقله، ماله من حقوق.. هو إنسان واجب، إنسان إنتاج، وليس إنسان حق فقط، إنسان استهلاك.. وقد يكون من المفيد هنا، أن نذكّر بحديث الرسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي وصف مرحلة الوهن الحضاري، والإشراف على السقوط، وحدد معادلتها، عند سئل عن الوهن، الذي يصيب الأمة قال: (حب الدنيا ) (ظهور إنسان الغريزة-إنسان الاستهلاك) ، (وكراهية الموت ) (غياب إنسان الإيمان، والإنتاج، والاحتساب) (الحديث رواه أحمد، مجلد5 ،ص 278) .
أما الدورة الحضارية الثانية، أو المرحلة الحضارية الثانية، التي تمر بها الأمة، هي مرحلة العقل، وضمور الإيمان، وفتور الحماس، نسبيًا.. مرحلة التوازن، بين العمل والأجر، بين الحق والواجب، بين الإنتاج والاستهلاك، بين الدنيا والآخرة، دورة ضبط النسب.. حلول العدل، محل الإحسان.. وهنا تصل الحضارة إلى قمتها، وتبدأ مرحلة السقوط، إذا لم تستدرك ما يتسرب لها من أمراض. والدورة الحضارية الثالثة، أو مرحلة ما قبل السقوط النهائي، هي مرحلة غياب الإيمان، وبروز الشهوة، والغريزة، وانكسار الموازين الاجتماعية، واستباحة كل شيء وبكل الأساليب، وعندها تسقط الحضارة، وتموت الأمة، ويتم الاستبدال.
إن عدم خضوع الأمة المسلمة، للدورات الضارية بإطلاق، وقدرتها على الاستمرار، والتجاوز، والتجدد، والتجديد، والنهوض، من دون غيرها من الأمم والحضارات، يعني فيما يعني: أنها تمتلك الإمكان الحضاري الممتد، والمفقود في الحضارات الأخرى، السائدة منها، والبائدة، وذلك بامتلاكها النص السماوي السليم، الذي يشكل المعيار، وامتداد الأنموذج، المفعم بالإيمان، والإيثار، والإحسان، المتمثل بالطائفة القائمة على الحق، التي تمثل خميرة النهوض، بما تحمل من إيمان وفاعلية، إنما تمثل استمرار إنسان الواجب الذي يحفظ التوازن، ويعيد للحياة معناها المفقود، ويثير الاقتداء به، وهذا من ثمرات الخاتمية، الخلود، ومن لوازمها، إن صح التعبير.
وفي ضوء ذلك، يمكن أن ندرك مواثيق الله، وعهده لهذه الأمة، أن لا يسلط عليها عدوها، تسليط استئصال وإبادة، وإنما تسليط تأديب على معاصيها، وتحريض لها، لتعاود المراجعة، والتقويم، والنهوض من جيد.
قال تعالى: (لن يضروكم إلا أذى ) (آل عمران:111) ، وقال رسول الله صلى الله وعليه وسلم: (..وأن لا يسلط عليهم عدوًا من سوى أنفسهم، يستبيح بيضتهم ) (رواه مسلم، في كتاب الفتن وأشراط الساعة) .
وهنا نقطة، قد تكون جديرة بالتوقف قليلًا، بما يتسع له من المجال، وهي أن السقوط الحضاري، مهما كان قاسيًا، يكون بالإمكان تجاوزه، واستدراكه، واستئناف عملية النهوض من جديد، إذا اقتصر السقوط والانهدام، على عالم الأشياء، أو ما اصطلح على تسميته: (بالمدنية) ، واستمر عالم القيم والأفكار، أو ما اصطلح على تسميته: (بالثقافة) ، سليمًا.. لذلك استطاعت الأمة الإسلامية بما تمتلك من قيم محفوظة بحفظ الله: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحفظون) (الحجر: 9) ، والمتحقق حفظها، من خلال عزمات البشر، استطاعات أن تعيد البناء، وتمارس عملية النهوض، على الرغم من فداحة الانكسارات، وعظم النكسات، وشراسة الهجمات، وقوة الأعاصير المدمرة، لأنها لم تفتقد قيمها، وأفكارها، و مخطط النهوض ودليله.
وفي ضوء ذلك، يمكن أن ندرك أبعاد قوله تعالى، في أعقاب هزيمة أحد: (ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين * إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس ) (آل عمران:139-140) ..أنه استعلاء الإيمان رغم سقوط، وهزيمة الأشياء، وعظم الانكسار.. وقوله تعالى في سورة البروج، بعد أن عرضت السورة لعذابات المؤمنين، تحريقهم بالأخدود، وشراسة الظالمين، وتقديم نماذج للظلم المتصاعد، قال تعالى: (هل أتك حديث الجنود * فرعون وثمود ) (البروج:17-18) (طغيان واستبداد حاكم: فرعون. وتواطؤ وظلم أمة: ثمود) ، ثم ختم السورة بقوله تعالى: (بل هو قرءان مجيد * في لوح محفوظ ) (البروج:21-22) ، الأمر الذي يلمح منه الإنسان، أن الشدائد الشديدة، لا تنال من الأمة، ولا تسقطها، إذا حفظ لها عالم أفكارها، الذي يضمن القدرة على العود، لذلك فإن معركة إسقاط الأفكار، والغزو الثقافي، هي الأخطر دائمًا، وعمليًا.. وأن عملية التحريف والانتحال، والمغالاة، هي الأدهى والأمرّ..ولذلك أيضًا، نرى أن حسبة الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، رسالة كل مسلم، وفريضة الأمة المسلمة، هي الحارس الأمين لعالم القيم، وتطبيقاتها في المجتمع، ونرى أن الدورات التجديدية على رأس كل مائة عام، التي أخبر عنها الصادق المصدوق، تأتي لتعيد تنقية عالم الأفكار، مما أحدث فيه من جديد (يبعث الله على رأس كل مائة عام، من يجدد لهذه الأمة أمر دينها ) (رواه أبو داود، في الملاحم) ، ليبقى الإمكان الحضاري مستمرًا.
وفي إطار ما تتمتع به الأمة المسلمة، من الإمكان الحضاري، الذي يمنعها من السقوط، ويدفعها إلى النهوض، بما تمتلك من الخصائص، التي أشرنا إلى شيء منها، قد يكون من الأهمية بمكان، العود على بدء، من أن الحضارة الإسلامية، بعطائها، وامتدادها، لم تعان، على مستوى التصور والسلوك، معًا،أو على مستوى الفكر والفعل، من ثنائية العقل والوحي، الأمر الذي أدى إلى تشطير الإنسان، وتدمير بعضه، وإنما سار العقل والوحي بخطين متوازيين، لا يصطدمان، فلا تعارض في التصور الإسلامي، بين العقل والنقل، أو بين صريح المنقول، وصحيح المعقول، والأمر لا ينظر له في المجال المعرفي الإسلامي، في إطار التعارض، الذي غالبًا ما يمليه اليوم الموقف الدفاعي، بمقدار ما ينظر إليه في نطاق الانسجام والتوافق، لإنتاج الإنسان المتوازن، المتناسق.