فهرس الكتاب

الصفحة 1786 من 1942

فإذا كان الوحي في الكتاب والسنة، مصدرًا للمعرفة والتشريع، فإن العقل، بما يمتلك من الإمكان، والأهلية، هو الذي يستنبط، ويحقق ذلك، بل ويمتد به لتعدية الرؤية، وتنزيل النص، وتحقيق ذلك، بل يمتد به لتعدية الرؤية، وتنزيل النص، وتحقيق مقاصده في الواقع، بما اصطلح عليه: (بالاجتهاد، الذي يعتبر المصدر الثالث للتشريع..) وما الاجتهاد إلا إعمال العقل، لمد الرؤية، وتوليد الأحكام الجديدة، للحوادث الجديدة، في ضوء الوحي، ذلك أن العقل، يجرد المقاصد، من حدود الزمان، والمكان، ويولد في ضوئها الأحكام الجديدة، أي أن العقل، يمتد بالوحي ليقوّم بأحكامه جميع شؤون الحياة.. فإذا كانت النصوص تتناهى، والحوادث المتجددة لا تتناهى، كما يقول علماء الأصول، فإن اعتماد الاجتهاد كمصدر للتشريع، هو أحد مقومات الإمكان الحضاري، ومصدر الحيوية، وسبيل تحقيق الخلود، وآلية الفعل الحضاري، ذلك أن الاجتهاد، هو مصدر الإجابة عن كل الأسئلة، وتقديم الحلول لكل المشكلات، التي تواجه المسلمين، بعيدًا عن صور التخلف، والعجز، والتخاذل الحضاري، التي يمكن أن يصنف خارج نطاقه الإسلام الصحيح، وأمانة التكليف.

وقد يكون من الأمور، التي لابد أن تقدر حق قدرها، على الرغم من كل المحاولات المستميتة لتشويهها، والتي كانت سببًا في اختيار الإسلام، واستمرار امتداده، في كل الظروف، والأحوال، والأوضاع، سواءً في أكثر المجتمعات تقدمًا مدنيًا، أو في أكثرها تخلفًا وانحطاطًا، أن الإسلام استرد إنسانية الإنسان، وجعل التدين حرية واختيارًا، واستطاع إيقاف تأله الإنسان على الإنسان، الذي هو مصدر الشر، والظلم في العالم -كما أسلفنا-وحلّ المعادلة الصعبة، أو صوّب المعادلة، بين السلطة والألوهية والإنسان.

ذلك أن العلاقة، بين السلطة، والطغيان، والعلو في الأرض، وبين الألوهية، أخذت حيزًا كبيرًا من تاريخ الإنسان الطويل، في هذه الدنيا، حتى لتكاد تكون علاقة تلازم في فترات طويلة، حيث كان يصعب على صاحب السلطة، أن يقبل، أو يعترف، أو يتصور بوجود سلطان غيره، أو بوجود إله غيره، يمكن أن يتجه إليه الناس.

وهنا لابد أن نذّكر مرة أخرى، بقولة فرعون، كأنموذج للطغيان في التاريخ البشري، عندما دعاه موسى إلى الإيمان بالله، حيث قال: (ما علمت لكم من إلهٍ غيرى ) (القصص: 38) .. (أنا ربكم الأعلى ) (النازعات:24) ، ومقوله النمرود: ( أنا أحى وأميت ) (البقرة:258) ، واستدل لذلك من استخدام سلطته، التي أوهمته بالألوهية، وفهم من قول سيدنا إبراهيم: إن الله يحي ، ويميت، تلك العملية الساذجة، حيث يقدر هو أيضًا أن يقتل إنسانًا، ويطلق سراح آخر، ممن حكم عليهم بالإعدام، وعندما نأتي على ذكر هذين الأنموذجين، من تاريخ العلاقة، بين الإنسان، والسلطة، أو بين السلطان، والتأله، والعلو في الأرض، فإننا نؤكد أن هذه النماذج، سوف تتكرر، بشكل، أو بآخر، بشكل واضح، سافر، أو بشكل خفي مستتر، وأقل ما في ذلك اليوم، عزل الحياة عن سلطان الله، ليحل محله المتألهون، أو آلهة العصر الجديد-ولكل عصر آلهته-لأن القرآن خالد، ومجرد عن حدود الزمان، أو المكان.. وهذا الخلود يعني تكرار الفراعين، والنماريد،والقوارين، وتكرار المواجهة، والإصابات، والتدافع، بين الحق، والباطل، ليمتحن الناس، ويتمايزوا، والشر من لوازم الخير، قال تعالى: (كذلك يضرب الله الحق والبطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأماما ينفع الناس فيمكث في الأرض ) (الرعد:17) ولولا هذه الشواهد، التي قد لا يخلو منها عصر، أو مكان، في جنبات الأرض الواسعة، لكان القرآن، كتاب تاريخ، وقصة، وتسلية، لا علاقة له بواقع الحياة، ولا مستقبلها.

إن صاحب السلطة، إذا تجرد من الإيمان بالله، وديمومة مراقبته، وخشيته، واستصحاب الحذر من التسلط، وما يترتب عليه من الإثم العظيم، يصعب عليه، بما يتملك من القدرات التنفيذية رؤية مقام العبودية لله تعالى، واستشعار المسؤولية عن العمل، والكف عن شهوات النفس.

لذلك نرى، من استقراء التاريخ، أن الكثير من أصحاب السلطان، والحكام، حتى عند اعترافهم، بوجود الله، لم يرضوا أن يعترفوا بسلطانه، على الأرض!!، وعند اعترافهم بهذا السلطان يحاولون تشويه، صورة العبودية لله تعالى، لتكون في خدمتهم، فيجعلون من أنفسهم، آلهة الأرض، نيابة عن إله السماء، ويعلنون أنهم هم المتحدثون باسمه، والمفسرون لتعاليمه، وأنهم هم ظله على الأرض، الذين يمثلون إرادته، وفي هذه الحالة، يربطون، بين استبدادهم، وتسلطهم على حياة الناس، وضمائرهم، وبين إدارة الله، الذي انتدبهم، بزعمهم، ليكونوا آلهة الأرض، بحيث يصبح كل من يخالفهم، أو يناقشهم، أو يتقاعس عن تنفيذ أوامرهم،عاصيًا لله سبحانه.. إنه التأله، والتسلط، والظلم، باسم الله، والدين، وهو أشد وأشر أنواع التسلط، وتعبيد الإنسان للإنسان.

ولقد عاني الإنسان، من الحكم الديني، أو ما عرف في أوربا، باسم: ( الحكم الثيوقراطي) ، أشد المعاناة، حيث لم يعد الحكام يتسلطون، على دنيا الإنسان، ويلغون وجوده، واختياره، وإنما امتد ذلك، للتسلط على أخراه أيضًا، لأن معارضة الحاكم الثيوقراطي، عصيان لله، سوف يحاسب عليه الإنسان، في الدنيا بالظلم، والعسف، والطغيان، وفي الأخرة، بالعذاب الأبقى!!

وكان من المستحيل، عقلًا، وواقعيًا أن يستمر، هذا التأله، الذي يمارس على الإنسان، منفصلًا، ومنكرًا لله تارة، ومستخدمًا اسم الله، وإرادته، حينًا آخر. لكن المشكلة بالقراءة الخاطئة، التي وقع فيها الإنسان،أثناء النظر إلى معادلة السلطة، والإنسان، فتوهم أن المشكلة كلها آتية من الإيمان بالله، الذي يزيفه هولاء، الذين يدعون أنهم ظل الله على الأرض، وليست المشكلة في التزييف، ومحاولة الاعتداء على سلطان الألوهية، من بشر، هم كسائر البشر، يعطون أنفسهم حق التسلط على الآخرين، الذين لا يختلفون عنهم، فكان أن أنكر الإنسان الدين، والإيمان، سقوطًا في هذا التزييف، دون أن يدرى أن حل المشكلة، وتصويب المعادلة، إنما يكون بالإيمان الصحيح، وتوحيد الألوهية، والربوبية، وإيقاف الشرك السياسي، ونسخ التألهات السلطوية، التي حاولت أن تجيّر الإيمان لحسابها.. ولم يدر الإنسان أن إلغاء الإيمان بالله، وقيمه، التي تحكم الجميع، ويتساوى أمامها الجميع، هو تكريس لألوهيات البشر، بشكل ظاهر، أو خفي، لأنهم هم، الذين سوف يتولون وضع الضوابط، والمعايير، التي يحكمون بها الناس، ويغيرونها تبعًا لأهوائهم، ولتحقيق مصالحهم، وتأمين سلطتهم، وتسلطهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت