فهرس الكتاب

الصفحة 1787 من 1942

ولابد أن نذكر هنا، أن أعتى المواجهات، كانت بين النبوة والكبراء، سدنة الشرك السياسي.. كانت بين مدعي الألوهية من البشر ومنكري ألوهية البشر وتسلطهم، من الأنبياء، إلى درجة يمكن أن نقول معها:إن النبوة جاءت كثورة تحريرية، لإيقاف تسلط الإنسان، على الإنسان، وإعلان مساواة الناس، وإعلان التوحيد، والوحدانية، التي تلغي تأليه البشر، أو شراكة البشر.. جاءت لتحرير الإنسان، من العبوديات جميعًا، وتربطه، بخالق البشر، بما فيهم أصحاب السلطان، وتمنحهم القدرة على الصمود، والمواجهة، والصبر، في مواجهة الظلم، والاستبداد، والشرك السياسي، وتجعل ثوابهم عظيمًا، في مواجهة التأله، في الأرض، وتقدم لهم نماذج للظلم، والاستبداد السياسي الموهوم، وكيف كانت عاقبته، بل وتتحدى الظالمين، والمتألهين، بالعواقب، وأنهم على الأرض، ليسوا أكثر من وسائل إيضاح، وأدوات فتنة، موقوتة، للظلم، والطغيان، فأين فرعون، وهامان ونمرود، وقارون؟! وتمنحهم الثقة، والانتصار، مهما اشتد الظلم، والظلام، فالذي قوّض ملك فرعون، هو الذي تربى في قصره، على الرغم من كل الاحتياطات السلطوية.

ونستطيع أن نقول هنا:إن الإسلام، أو النبوة، الخاتمة، استطاعت أن تصوب معادلة السلطة، والإنسان، في التصور، وتجسد هذا التصويب، في الواقع، عندما نزعت صفة الألوهية، عن كل المخلوقات، وأعلنت المساواة في الإنسانية، والخلق، بين الحاكم، والمحكوم، بل أكدت أكثر من مرة، حتى لا يتلبس الإنسان بألوهية الإله، أن الأنبياء المتصلين بالله فعلًا، هم بشر من البشر، لا يملكون لأنفسهم ضرًا ولا نفعًا.. وأن السلطة، هي في نهاية المطاف، تكليف، وليست تشريفًا.. وأنها مسؤولية، من أعظم المسؤوليات.. وأنها إجارة، وليست إمارة، وتعاليًا على خلق الله.. وأن السلطان، ملزم بتنفيذ شرع الله.. وأن طاعته لا تنعقد، إلا بهذا الالتزام بالقيم، التي لا يد له في وضعها.. وأنه ليس بالضرورة، أن يكون خير الناس، لأنه تولى أمرهم.. وأن الشورى، إنما تكون فيما لا نص فيه،من الله، ورسوله، وحتى في تطبيق النصوص، وتنزيلها على الواقع.. وأن الإنسان، مسؤول أمام الله وليس أمام المخلوقين، مهما كانوا.

نقول: لقد استطاع الإسلام، أو النبوة الخاتمة، تصويب معادلة السلطة، والإنسان، واسترداد كرامة الإنسان، بحيث أصبحت العلاقة، بين السلطة والإنسان، نوعًا من العقد الاجتماعي، الذي ُضبطت فيه حدود الطاعة، والمسؤولية، سواء بالنسبة للحاكم، أو المحكوم، على حد سواء.

وكان شعار، أو ميثاق الحكم، في الإسلام: (أطيعوني، ما أطعت الله ) - والناس يعلمون شرع الله، الذي يشكل لهم المعيار لفعل الحاكم، ويستوجب طاعته- (فإذا عصيت فلا طاعة لي عليكم ) .. (وليت أمركم، ولست بخيركم، فإن أحسنت فأطيعوني، وإن أسأت فقوموني، ألا لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ) .

إن هذا الميثاق، للعلاقة سوَّى بين الحاكم، والمحكوم، وجعل المسؤولية أمام الله وليست أمام البشر، وجعل القيم المنزلة، الثابتة، هي معيار الحاكم، والمحكوم،وبذلك صوبت معادلة السلطة، والإنسان وألغيت ألوهيات البشر لبعضهم، وهذا هو أشد أنواع التسلط، الذي عاني منه الإنسان، في تاريخه الطويل، من التعامل مع الأرباب، من غير الله.

لكن النزوع السلطوي، إلى الطغيان، والاستبداد، والتألة، والترفع على خلق الله، لا يزال يتكرر بشكل، أو بآخر،..ولعل من مظاهر الخلود، في القرآن، أن يتكرر الوهم، عند بعض أصحاب السلطان، ويدعي بعضهم، أنهم آلهة الأرض، فتأتي ممارساتهم جميعًا، اعتداءً على كرامة الإنسان، واختيار الإنسان، ويتكرر شعار: (ءامنتم له قبل أن ءاذن لكم ) (الشعراء:49) ، ويستمر العدوان على سلطان الله، في التشريع، ويخول بعض أصحاب السلطان أنفسهم، وضع الشرائع، التي تؤمن من مصلحتهم، وتحقق تسلطهم، ويتلاعبون بها، طبقًا لأهوائهم، حتى أصبحوا يتفننون بالاعتداء على سلطان الله، فكما كانوا، في الماضي يعتبرون أنفسهم آلهة الأرض، فهم اليوم يقولون:إن الإيمان بالله، أو الإسلام، هو نوع من العلاقة الوجدانية الخاصة، بين الله، والإنسان، محلها الضمير، بعيدًا عن تنظيم مسالكه، وعلاقاته، في الأرض، التي يتصرف بها، بشر من البشر، هم أصحاب السلطة.

وبعد هذا، هل نستطيع أن نقول: إن فصل الدين عن الحياة، أو بعبارة أدق، فصل الحياة عن الدين، الذي يمثل التطبيق العلماني، في المجال المعرفي- كما أن اعتبار الإنسان مصدر كل السلطات، والتشريعات، باسم الديموقراطية، يمثل الوجه الآخر للتطبيق العلماني في المجال السياسي- هو لون من الارتكاس، عن طريق النبوة، وعودة إلى تأليه السلطة، ومنحها، سلطان وضع القيم للناس، وإلغاء لقيم الله الناظمة للحياة، والعلاقة بين الناس، وعودة إلى ممارسات الأرباب في الحكم، والتشريع، وإهدار كرامة الإنسان؟

لذلك نقول:إن تصويب المعادلة، بين السلطة، والألوهية والإنسان، هو من أبرز ملامح الإمكان الحضاري، وإعادة البناء الصالح.

وبعد:

ففي هذه الظروف العسيرة، التي، تمر بها الأمة المسلمة، التي يسودها الإحباط، واليأس، والتخاذل، والاستسلام، بسبب استكبار (الآخر) وعلوه، وما استدعى ذلك من العبث بمفاهيم الجهاد، وتغييب مدلوله، وإسقاط تاريخه، وتجاوز موقعه من الدين، بلون من التأويل الفاسد، والفهم المغشوش، والانتحال الباطل، وتفسير المنهزم، تأتي هذه اللمحات التفاؤلية، تحمل البشائر والبصائر، بأن المستقبل لهذا الدين، وتعيد الاعتبار لاستعلاء الإيمان، الذي يكاد يتوارى، والذي يحمي من الانكسار، استجابة لقوله تعالى: (ولاتهنوا ولاتحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين ) (آل عمران:139) ، ليس ذلك من خلال الأمنيات، والرغبات، وإنما من خلال السنن التغييرية، التي شرعها الله وأرادها، وفطر الناس عليها، وزودهم بآلياتها، بكل ما تقتضية من الإعداد الروحي والمادي، ليكون الإنسان هو وسيلة التغيير وهدفه، في آنٍ واحد.

يأتي هذا الكتاب، ليؤصل لمفهوم الجهاد، من الناحية الشرعية، ويعيد له روحه، وفاعليته، ومواصفاته، وبعده الحضاري، والمستقبلي، وما يقتضيه من إعادة الصياغة والإعداد، ويحذر من التقاعس، والتثاقل عن النفرة إليه، الذي يؤدي إلى تعريض الأمة للاستبدال، والانقراض، خاصة وأن دور الإعداد الروحي بدأ يتضاءل، ويغيب، تحت وطأة الانتكاسات المتلاحقة، وضغوط الحياة المادية، وانطفاء الفاعلية، وتسرب اليأس إلى النفوس، وغلبة سلطان العادة، وغياب معاني العبادة، وانكماش الأبعاد النفسية، والمادية، المترتبة على ملازمة المجاهد لذكر الله، لكي يتحقق بالنصر، والفلاح،: (يأيها الذين ءامنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون ) (آل عمران:200) .

إن الانهدام الروحي، الذي يعاني منه، الفرد المسلم اليوم، ومحاولات الانتقاص، والتقليل من شأنه، وإغفال دوره، يستدعي نذر النفس للمرابطة من جديد في هذا الموقع، وإحياء معانيه في نفوس الأمة.

وقد حاول مؤلف الكتاب-جزاه الله خيرًا- ترجيح بعض الأمور الاجتهادية، لأسباب يراها ومواجهات يعيشها، ومقاصد شرعية يهدف إلى تحقيقها-وفي الأمر سعة، إن شاء الله- لكن تبقى وجهات نظر فكرية، اجتهادية، ليست بالضرورة أن تكون هي المرجحة في رأي كثير من المسلمين، ذلك أن (كتاب الأمة) ، هو كتاب فكر، معنيُّ بالاجتهاد الفكري، والتشكيل الثقافي- وكل إنسان يجري عليه الخطأ والصواب من خلال مرجعية شرعية، منضبطة بضوابط الكتاب والسنة.

والله هو المرفق والهادي إلى سواء السبيل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت