فهرس الكتاب

الصفحة 712 من 1942

قال ابن تيمية: «الناظر في الدليل بمنزلة المترائي للهلال قد يراه، وقد لا يراه «لعشىً في بصره» ، وكذلك أعمى القلب. وأما الناظر في المسألة: فهذا يحتاج إلى شيئين: إلى أن يظفر بالدليل الهادي، وإلى أن يهتدي به وينتفع، فأَمره الشرع بما يوجب أن ينزل على قلبه الأسباب الهادية، ويصرف عنه الأسباب المعوقة». [32]

«ولا يريدون أن الولي .. كما فهم ابن تيمية» .

من أين يستمدُّ هؤلاء هذه الجرأة والقدرة على الصَّفاقة؟ إن أحدنا إذا كان في مجلسٍ فيه بعض طلبة العلم أدار المعنى في ذهنه مراتٍ قبل أن يقول به خوفَ أن يُزرى عليه، والواحد من هؤلاء يكشف للناس عن عورة عقله ويسير بها فلا يخجل ولا ينكسر.. فلله هذه الأنفس ما أشدَّ تباينها في منازعها وأطوارها وشأنها كلِّه!

1-قال ابن تيمية: «وهذا من جنس قول شيخهم الطائي [ابن عربي] .. ويقول أيضًا: إن الولاية أفضل من النبوة، وولاية النبي عنده أفضل من نبوته ورسالته، لأنه بزعمه من حيث الولاية يأخذ من الله بلا واسطة، ومن حيث النبوة يأخذ بواسطة. وهذا الكلام قد يقولونه مطلقًا، وتوجيهه على أصولهم: أن النبوة هي مقام تخييل المعقولات، والولاية هي المعقول الصرف، فالولي ترِد عليه المعقولات صرفًا، والنبي من جهة ولايته له هذه المعقولات، لكن من جهة نبوته هي تخييل هذه المعقولات، فيأخذ بواسطة الخيال، وجهة رسالته عندهم أنزل الدرجات وهي جهة تبليغه للناس.. وهذا قلب للحقيقة التي اتفق عليها المسلمون، وهو أن الرسول أفضل من النبي الذي ليس برسول، والنبي أفضل من الولي الذي ليس بنبي، والرسالة تنتظم النبوة والولاية، كما أن النبوة تنتظم الولاية، وأن أفضل الأولياء أكملهم تلقيًا عن الأنبياء» . [33]

فابن تيمية «يفهم» هذا ويوجهه على أصولهم وينقضه.

2-ثم يزيد عليه فيقول: «ويقولون: إن ولاية النبي أعظم من نبوته، ونبوته أعظم من رسالته، ثم قد يدّعي أحدهم أن ولايته وولاية سائر الأولياء تابعة لولاية خاتم الأولياء، وأن جميع الأنبياء والرسل من حيث ولايتهم هي عندهم أعظم من نبوتهم ورسالتهم، وإنما يستفيدون العلم بالله الذي هو عندهم القول بوحدة الوجود من مشكاة خاتم الأولياء، وشبهتهم في أصل ذلك أن قالوا: الولي يأخذ عن الله بغير واسطة، والنبي والرسول بواسطة، ولهذا جعلوا ما يفيض في نفوسهم ـ ويجعلونه من باب المخاطبات الإلهية، والمكاشفات الربانية ـ أعظم من تكليم موسى بن عمران، وهي في الحقيقة إيحاءات شيطانية،ووساوس نفسانية (وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم) ، (الأنعام:121) ، ولو هُدوا لعلموا أن أفضل ما عند الولي: ما يأخذه عن الرسول لا ما يأخذه عن قلبه، وأن أفضل الأولياء الصديقون، وأفضلهم أبوبكر، وكان هو أفضل من عمر، مع أن عمر كان مُحَدَّثًا كما ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( قد كان في الأمم قبلكم محدثون، فإن يكن في أمتي أحد فعمر) [34] » .

3-ما ذَكَره ابن تيمية في النص الذي ساقه صاحبنا عنه: «وأما الإيمان بالرسل: فقد ادعوا أن «خاتم الأولياء» أعلم بالله من خاتم الأنبياء، وأن خاتم الأنبياء هو وسائر الأنبياء يأخذون العلم بالله من مشكاة خاتم الأولياء»؛ هو قول ابن عربي نفسه.

قال في «فصوص الحكم» : «وهذا هو أعلى عالم بالله، وليس هذا العلم إلا لخاتم الرسل وخاتم الأولياء، وما يراه أحد الأنبياء والرسل إلا من مشكاة الرسول الخاتم، ولا يراه أحد من الأولياء إلا من مشكاة الولي الخاتم، حتى إن الرسل لا يرونه ـ متى رأوه ـ إلا من «مشكاة خاتم الأولياء» [35] .

ثانيًا: قال ص15: «فقدماء الفلاسفة قبل أرسطو كما يرى ابن تيمية، كانوا..» . فذكر مآخذ أخذها على ابن تيمية ومنها:

«يثبتون عالمًا فوق هذا العالم يصفونه ببعض ما وصف النبي صلى الله عليه وسلم به الجنة = واضح أن هذه صورة مشوهة وساذجة عن نظرية «المُثُل» التي قال بها أفلاطون».

أ- قال عبد الجليل الوالي في كتابه « نظرية المثل، البناء الأفلاطوني والنقد الأرسطي» : «نظرية المثل لم تنشأ من العدم، بل هي مزيج فلسفي من مفكرين سابقين، موضوعة بعقلية وقادة، مضاف إليها إبداعات خارقة» .

فقوله: «نظرية «المثل» التي قالها بها أفلاطون»، غير دقيق.

ب- أما ذكر الجنة في «المثل الأفلاطونية» فأحيل صاحبنا إلى الكتاب السابق ليفتش فيه مع: «تاريخ الفلسفة اليونانية» ليوسف كرم [36] ، وكتاب لحسام الألوسي عنوانه: «بواكير الفلسفة قبل طاليس» ، ولينظر فيما قالوه عن: «الجنة» وأثر: «الأورفيَّة» في الفكر اليوناني وفي المثالية بكل أشكالها .. أحيله إليهما دون ذكر الصفحات حتى يشتدَّ عُوده في البحث، لأننا وقَفْنا على ما نذكره في هذه القراءة بعرق الجبين وسهر الليل، ولم نتلقَّها عن الشيخ «قوقل» عفا الله عنه!

هل كان ابن تيمية صاحبَ صورة ساذجة عن نظرية «المثل الأفلاطونية» ؟ سأسوق كلامًا لابن تيمية عن «المثل الأفلاطونية» ومناقشته لها حتى تتبين لنا هذه السذاجة بوضوح.

قال ابن تيمية: «لما أثبت قدماؤهم الكليات المجردة عن الأعيان التي يسمونها «المثل الأفلاطونية» أنكر ذلك حُذّاقهم، وقالوا: هذه لا تكون إلا في الذهن، ثم الذين ادعوا ثبوت هذه الكليات في الخارج مجردة قالوا: إنها مجردة عن الأعيان المحسوسة، ويمتنع عندهم أن تكون هذه هي المبدعة للأعيان، بل يمتنع أن تكون شرطًا في وجود الأعيان؛ فإنها إما أن تكون صفة للأعيان، أو جزءًا منها. وصفة الشيء لا تكون خالقةً للموصوف، وجزء الشيء لا يكون خالقًا للجملة، فلو قُدِّر أن في الخارج وجودًا مطلقًا بشرط الإطلاق امتنع أن يكون مبدعًا لغيره من الموجودات، بل امتنع أن يكون شرطًا في وجود غيره، فإذن تكون المحدثات والممكنات المعلوم حدوثها وافتقارها إلى الخالق المبدع مستغنية عن هذا الوجود المطلق بشرط الإطلاق، إن قيل: إن له وجودًا في الخارج، فكيف إذا كان الذي قال هذا القول هو من أشد الناس إنكارًا على من جعل وجود هذه الكليات المطلقة المجردة عن الأعيان خارجًا عن الذهن؟ وهم قد قرروا أن العلم الأعلى والفلسفة الأولى هو العلم الناظر في الوجود ولواحقه، فجعلوا الوجود المطلق موضوع هذا العلم، لكن هذا هو المطلق الذي ينقسم إلى واجب وممكن، وعلّة ومعلول، وقديم ومحدث. ومَورد التقسيم مشترك بين الأقسام. فلم يمكن هؤلاء أن يجعلوا هذا الوجود المنقسم إلى واجب وممكن هو الوجود الواجب، فجعلوا الوجود الواجب هو الوجود المطلق بشرط الإطلاق الذي ليس له حقيقة سوى الوجود المطلق، أو بشرط سلب الأمور الثبوتية، ويعبرون عن هذا بأن وجوده ليس عارضًا لشيءٍ من الماهيات والحقائق. وهذا التعبير مبنيٌّ على أصلهم الفاسد، وهو أن الوجود يعرض للحقائق الثابتة في الخارج، بناء على أنه في الخارج وجود الشيء غير حقيقته، فيكون في الخارج حقيقة يعرض لها الوجود تارة، ويفارقها أخرى»! [37]

قال أبويعرب المرزوقي في التعليق على قول ابن تيمية: «كانوا قد بنوا ذلك على .. قول من جعل الكليات ثابتة في الخارج زائدة على المعينات ... وهو قول القونوي صاحب ابن عربي» . قال المرزوقي: «وإذا اعتبر التعدد العقلي أصلًا، والتعدد الحسي ظلاًّ له، كان الحل قائلًا بواقعية الكليات المعقولة، التي ينسبها ابن تيمية إلى تلميذ ابن عربي وربيبه أعني القونوي، معتبرًا إياها من جنس نظرية «المُثُل الأفلاطونية» [38] ».

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت