** الصحوة الإسلامية - بشهادة الواقع والخصوم - هي صانعة الموجة الثقافية الحالية في دار الإسلام كافة. ونستطيع أن نلمس ذلك من خلال الاطلاع على مختلف النشاطات الثقافية - فكرية وأدبية وفنية -نجد أن قضية الإسلام والصحوة الإسلامية هي القاسم المشترك الأعظم في النتاجات الثقافية المتصلة بهذه الجهود كافة سواء كان ذلك بالسلب أو الإيجاب. ففي كل هذه الأحداث تبرز الحقيقية وهي أن الحركة الثقافية الآن في ديار الإسلام تدور حول قطب واحد هو الإسلام. والذي يراجع حركة الثقافة العربية خلال العقود السبعة التي مضت من القرن العشرين - أي قبل انتشار الصحوة الإسلامية - يدرك على الفور حجم التغريب الذي أصاب الحياة الثقافية في معظم ديار الإسلام وذلك أن هذه الحركة الثقافية كانت تدور حول قطبين أساسيين.. الأول هو الترجمة المباشرة من الثقافة الغربية سواء كان ذلك في مسائل الفكر وقضايا التنظير العقائدي الأيدلوجي أو كان ذلك في مجال الأدب. وفي هذه العقود ظهرت سلاسل من المطبوعات عن الفكر العالمي والأدب العالمي والمسرح العالمي وروايات عالمية ونحو ذلك.. وغني عن البيان هنا أن مصطلح عالمي المضاف إلى هذه الأفكار والمسرحيات والروايات يعني الأوروبي. القطب الآخر من الحركة الثقافية العربية في ذلك الحين كان هو الحوار والمتابعة والتعليق على المذاهب والتيارات الفكرية والأدبية الغربية ومحاولة تقسيم صورة محلية من المذهب الاجتماعي الغربي أو الفكرة الغربية أو الأدب الغربي. وكان أبرز هذه الاجتهادات الثقافية تلك التي دارت حول الاشتراكية بدرجاتها المتعددة من الماركسية اللينينية إلى اليسار الإسلامي.. وأيضا الفكر القومي العربي بدرجاته المتنوعة من العلمانيين اللادينيين الخلص إلى القوميين الإسلاميين الذين حاولوا المزج بين الفكرة القومية وبين الإسلام فكانت الثقافة العربية تتمحور حول قطب إنساني واحد هو الغرب والفكر الغربي، لدرجة أن الكتاب الإسلاميين في ذلك الوقت كانوا إذا أرادوا المزاحمة في الساحة الثقافية فإنهم كانوا يحاولون الربط بين الإسلام وبين تيارات الفكر والأدب الأوروبي الجديدة والإسلام.
* ما هو رأيك في الحركة النسائية في مصر والعالم العربي؟ وما هو موقف الحركة الإسلامية منها ؟ وهل الصحوة الإسلامية أنصفت المرأة؟
** تعتبر حركات تحرير المرأة من أقوى الحركات الاجتماعية التي نشطت في الغرب طوال القرن الماضي وقد أراد بعض المنهزمين أمام الغرب في ديار الإسلام أن يصدروا هذه الظاهرة إلى العالم الإسلامي دونما مراعاة لخصوصية نشأتها والطبيعة الاجتماعية والاقتصادية والدينية التي ولدت فيها والتي لا يشبهها في شيء الطبيعة الاجتماعية والاقتصادية والدينية في ديار الإسلام. وإنما كان المقصود هو التخريب في الواقع الاجتماعي وجعل المرأة المسلمة بمثابة بوابة هذا التخريب الاجتماعي وتنميط البناء الاجتماعي كله وفق القالب الغربي ومفاهيمه وقيمه. وعلى الرغم من وجود الأصوات المعارضة لتلك الحركات على مدار القرن الماضي ومنذ بدأت القصة على يد قاسم أمين بكتابه 'تحرير المرأة' عام 1900.. والحركة تتقدم في الواقع الاجتماعي مدعومة ببعض الجهات الرسمية والأجنبية. ولقد بدا على مدار السنوات أن حركة تحرير المرأة وضعت نفسها في مواجهة الإسلام وعقيدته وشريعته وصارت تكسب كل يوم أرضا جديدة، وضعفت الأصوات التي تصوت لها إما يأسا وإما خوفا من بطش الصحافة والإرهاب العلماني. وظل الحال هكذا حتى ظهرت الصحوة الإسلامية وانتشرت في الواقع وحملها الجيل الجديد من الشباب والشابات وإذا بالمرأة المسلمة والفتاة المسلمة يتصدين بأنفسهن لداعيات تحرير المرأة وينقدن مقولاتهن، وهكذا سحب البساط من تحت أقدام هذه الحركات. إذ أن المرأة المسلمة التي زعمت هذه الحركات أنها إنما قامت لنصرتها وتحريرها والدفاع عنها هي ذاتها التي تقول لها أنت ضالة مضلة وزعيمة فتنة وذيل للغرب وجسر يمر من فوقه طوفان التدمير الأخلاقي والتفسخ الأسري.
إن المعركة المزعومة التي افتعلوها بين المرأة والرجل أو بين النساء والرجال إنما هي محاولة لتضليل المجتمع كله عن معاركه الأساسية للنهوض والتحرر ومقاومة التخلف ومقاومة اتباع الاستعمار في الفكر والأدب والاقتصاد والسياسة. ولقد كان الأمر رائعا عندما اجتمعت العشرات من النساء الجزائريات المتفرنسات وتظاهرن ضد الصحوة الإسلامية بدعوى أنها تضطهد النساء وتعتدي على حقوقهن، فإذا بتظاهرة تخرج في شوارع الجزائر قوامها مليون امرأة مسلمة تعلن للعالم أجمع نعم للإسلام ولا للتغريب.
* يردد البعض أننا في العالم العربي أمام أزمة في الفكر.. هل توافق على هذه المقولة؟
** عندما نصف أمة من الأمم بأنها تعيش في حالة أزمة فكرية فإنما نعني بذلك أن المبادئ والمعايير التي ينطلق منها العمل الفكري الإبداعي قد اهتزت وأن المناهج التي تطرح من خلالها الأفكار وتعالج قد اضطربت، وأن الرؤى الفكرية والتصورية للأمة قد تشوشت فينتج عن هذا كله ضحالة أو انعدام في الإبداع الفكري الخلاق والأصيل في هذه الأمة. هذا في ماهية الأزمة، أما لماذا تنشأ الأزمة فلذلك أسباب عديدة، فقد يكون مرجعها هو مرور الأمة في حالة ركود أو تراجع حضاري بوجه عام مما ينعكس بدوره على الفكر، وقد يكون لوقوع الأمة تحت سيطرة أمة أخرى قوية وهيمنتها فيحدث التسلط الفكري والثقافي للغالب مع الاستعداد النفسي لدى المغلوب لمحاكاة الغالب اعتقادا منه أن الغالب والمسيطر هو الأقوى في نحلته وكافة عوائده فيؤدي هذا التقليد إلى اختلال بنية الأمة عامة والفكر فيها بالدرجة الأولى. وقد يكون مرد هذه الأزمة عائدا لعمليات اختراق فكري وثقافي وعلمي واسعة النطاق لأمة من الأمم مصحوبا بالتأثير النفسي والوجداني عن طريق إيجاد كوادر ثقافية مبرمجة وزرعها في مناطق الفاعلية والتوجيه.
ولقد شهد مجتمعنا العربي في تاريخه الحديث معظم هذه الأسباب وعاش الفكر العربي دهرا في حالة أزمة حقيقية حيث اهتزت المعايير واضطربت المناهج وتشوهت الرؤى فأفرزت لنا هذه الوضعية نتاجا أدبيا وفكريا عميق الدلالة على معالم هذه الأزمة. ومن اليسير على الباحث أن يضع يده على ملامح هذه الأزمة من خلال تتبعه لكتابات رموز الحركة الفكرية العربية في النصف الأول من القرن العشرين. وأيضا من خلال تتبع الاعترافات الجريئة التي أدلى بها نفر من قادة الفكر والثقافة في لحظات صدق مع النفس ومع الأمة، مثلما فعل د. محمد حسين هيكل الذي اعترف بأن الفكر العربي الحديث قد انزلق عن طريق خداعه في اتباع مسارات التاريخ الفكري الأوروبي الحديث إلى معارك وهمية لا وجود لها أصلا في الواقع العربي. ولسوف يقف الباحث العربي اليوم مندهشا أمام الدعوة إلى الفرعونية المصرية وقوميتها وكيف سيطرت هذه النزعة على عقل رجل مثل أحمد لطفي السيد، ويعجب أيضا للدعوة إلى الانتماء المصري لحضارة البحر الأبيض المتوسط وليس الحضارة العربية الإسلامية بحيث تكون مصر اقرب إلى فرنسا منها إلى مكة والمدينة وكيف تحكمت هذه النزعة في تفكير رجل مثل طه حسين. ويقف أكثر اندهاشا عند الدعوة إلى إغريقية الشخصية الحضارية المصرية ومن ثم أوربتها بحكم أن أوروبا هي وارثة تراث الإغريق، ومن ثم ازدراء كل ما يأتينا من الشرق الآسيوي، وكيف سيطرت هذه النزعة على عقل وضمير رجل مثل سلامة موسى، ومن بعده تلميذه النجيب لويس عوض.