فهرس الكتاب

الصفحة 1344 من 1942

* نلاحظ أن فصائل الصحوة الإسلامية تلتزم مناهج مختلفة وقد تكون متناقصة في الفتوى وفي الحكم على الأشياء والتعامل معها، ما هي خطورة هذه الظاهرة؟ وكيف يمكن القضاء عليها؟

** يحدث ذلك فعلا والسبب فيه هو غياب فقه الحركة أي السلوك السياسي والاجتماعي لحركة الإسلام في مواجهة خصومه، وهو حالة أكثر خصوصية من فقه المعاملات، فإذا كان فقه المعاملات يتعامل مع واقع معرض للتحول والحركة، فإن فقه الحركة يواجه واقعًا متحركًا بطبيعته.. والسكون فيه هو العارض.. وإذا كان فقه المعاملات يتأثر بتبدل الأعراف فإن فقه الحركة يواجه حالة يمكن تسميتها باللاعرف، حيث انعدام العرف هو نفسه عرف المواجهة. وإذا كان فقه المعاملات يتعرض واقعه أحيانا لبعض الحيل التي يبتدعها ضعاف النفوس، فإن فقه الحركة يتعامل مع واقع الحيل فيه هي الأصل، والمباشرة فيه تسمى سذاجة، والمناورة فيه هي طبيعته والوضوح فيه يسمى غفلة.

ونحن بحاجة شديدة إلى فقه الحركة لأن المعوقات الداخلية والتحديات الخارجية التي تواجهها هذه الحركة كبيرة ومتعددة. فالحركة الإسلامية لم يستطع خصومها إحراز نصر عليها إلا عن طريق النفاذ إلى داخلها واستثمار حالة القلق السياسي والمنهجي الذي يمثل الداء الأكبر في كافة فصائل هذه الحركة. وعن طريق هذا القلق تمكنت بعض القوى من اختراق الحركة واحتواء بعض فصائلها وقولبة بعض فصائلها واتجاهاتها وفق منهجية حركية معينة.

وبقدر ما يمثله هذا الشعور من آثار سلبية آنية على نفسية الحركة فإنه يمثل دلالة صحية على تبلور الوعي الحركي. إن القطب الأكبر الذي يدور حوله هذا المأزق النفسي والمنهجي الذي تقع فيه الحركة الإسلامية اليوم فما يتمثل في أزمة 'فقه الحركة' أي ضبط المواقف الشرعية العملية التي يتوجب على العاملين اتخاذها تجاه خصوم الإسلام في مختلف المواقف والحالات.. وأيضا في العلاقة مع الداخل الإسلامي. ومن الملاحظ أن هناك ترددًا واسعًا أمام هذا الباب الفقهي الهام في حركتنا الإسلامية المعاصرة، ويرتبط هذا التردد العلمي بحالة نفسية سيئة تتمثل في ظاهرة التميع المنهجي والحركي لدى عديد من الفصائل وحالة التميع تفتت الإرادة الإسلامية نحو حسم بعض القضايا العملية.

ومن جانب آخر فإن هذا التردد العلمي هو الآخر يعمق من حالة التميع النفسي المنعكس على صعيد المنهج والحركة. وقد حكى لنا التاريخ موقفين واضحين في فقه الحركة.. كان ضبط هذا الفقه الحركي والحسم السريع فيه أحد العوامل الهامة التي حفظت البناء الإسلامي في بواكيره الأولى من أخطر حادث ارتداد في تاريخ الإسلام كله.. ففي حادث الردة كان موقف أبي بكر حاسما وقاطعا في قتال المرتدين رغم عدم موافقة عمر.. ولو كان موقف أبي بكر هو الآخر بعدم القتال لكانت مصيبة وكارثة. لكن بالحسم والسرعة والحزم تمت السيطرة على الموقف، وعلى جانب آخر فقد أدى التميع أو التردد في مثل هذه المواقف إلى انهيار صرح الخلافة الراشدة بالخروج على عثمان رضى الله عنه ثم قتله.

والمتأمل في الحالين يجد مرده إلى التمحك في النصوص أمام قضايا حركية تشكلها خصوصيات واقعية تجعلها خارجة عن ضبط النص المباشر.

* البعض يرى أن الصحوة الإسلامية كانت عبئا على مجتمعاتنا وضررا عليها بما جرته من آثار سلبية كثيرة، هل توافق على هذا الطرح ؟

** الصحوة الإسلامية هي أهم وأعظم حركة اجتماعية فكرية سياسية شهدتها المنطقة الإسلامية على مدار القرن الماضي كله بالنظر إلى الفكرة التي قامت عليها هذه الحركة ومحورها الإسلامي.. والذي يمتاز بالأصالة والتجديد والإحياء والنهوض وهي المعاني التي سرقتها طوائف علمانية أخرى وحاولت نسبتها إلى ذاتها ورفعها شعارا تتجمل به وتخدع به المسلمين. وأيضا بالنظر إلى البعد الجماهيري واسع النطاق لهذه الحركة رغم أنها بعيدة عن الإغراءات ومضطهدة من خصومها. والصحوة الإسلامية حدث فذ وفريد من جانب الهبة الإلهية في أن تمتد هذه الحركة وتياراتها لتخترق الحدود المصطنعة بين أقطار الإسلام لتصبح الحدث الاجتماعي الأكبر في بلاد المسلمين كافة، بل والحدث البارز والمثير للانتباه والبحث في العالم أجمع.

والصحوة الإسلامية حدث فذ من حيث إنها أول تيار فكري سياسي واجتماعي في العالم الإسلامي الحديث يقوم وينتشر متخلصا من عقدتي الغرب والتخلف. وهذا ما أفزع الغرب لأنها أول مرة تقوم حركة جماهيرية متجاهلة الإبهار الغربي وتصرح في جرأة وثقة أنها تقبل التقنيات والعلوم البحتة وترفض المناهج والنظريات والقيم الغربية لأن في ديننا منها ما يكفينا. ومن جانب آخر كانت الصحوة الإسلامية متجاوزة لعقدة التخلف والتي أثارت الخلل المنهجي والعقلي والسلوكي في أجيال عدة من المسلمين ولا سيما المثقفين، فمنهم من رأى التخلف قدرنا ومنهم من جعله نتائج تراثنا ومنهم من جعله بسبب ترددنا في الالتحاق بالغرب. ثم إن هذه الصحوة وصلت إلى تحديد سبل النهوض بالتأكيد على أن سبب تخلفنا هو بعدنا عن الإسلام وخور العزائم في الدفاع عنه، ومن ثم فإن سبيلنا هو إحياء الدين في النفس وفي الواقع والدفاع عن السنة.

والصحوة الإسلامية عندما تقدمت إلى الواقع لم تتقدم إليه بصفتها جمعية دينية بالمفهوم الضيق لمعنى الدين، وإنما بوصفها مشروعا للنهوض والتجديد ينطلق من الإسلام وحده. وبالتالي لم يمكن ذلك العلمانيين من خوض معاركهم مع الصحوة الإسلامية على أساس التقسيم الأوروبي التاريخي بين الحكم الثيوقراطي والحكم المدني، لأن الإسلاميين كانوا رجال نهضة وتجديد والصحوة الإسلامية كانت حركة نهضة وتجديد. كما نجحت الصحوة الإسلامية في أن تحيي في الناس معالم الدين الحق بعد أن كادت تتلاشى وتضيع. لقد كان الناس قد أوشكوا أن ينسوا أن الإسلام دين شامل بفعل حركة التغريب الواسعة التي نشطت في معظم ديار الإسلام على مدى ما يزيد عن قرن، ولأول مرة تصبح سنة النبي الكريم حاضرة بكل قوة في الفكر والسلوك في البيوت والشوارع والمنتديات.. ولأول مرة تشييع علوم السنة في المجتمع حتى تصل إلى البسطاء.

* هل كان للصحوة الإسلامية دور في حياتنا الثقافية والأدبية والفنية؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت